نهاية "المينورسو" تلوح في الأفق.. انقلاب أوروبي وضغط أمريكي يعيدان رسم قواعد النزاع في خضم التحضير لمشاورات أممية مغلقة
يدخل ملف الصحراء مرحلة إعادة تشكُّل غير مسبوقة داخل مجلس الأمن، بعدما تحوّلت معادلاته القانونية والسياسية منذ القرار الأممي الأخير في نونبر 2025، في اتجاه يعكس انتقالا تدريجيا من منطق إدارة النزاع إلى منطق حسمه في ظل اصطفاف دولي متنامٍ حول مقترح الحكم الذاتي وضغوط أمريكية متصاعدة لإعادة تعريف دور بعثة "المينورسو" أو إنهائها بالكامل.
وتستعد الأمم المتحدة لعقد مشاورات مغلقة خلال أبريل الجاري، في اجتماع يُنظر إليه داخل الأوساط الدبلوماسية كاختبار حقيقي لمآلات هذا التحول، خصوصا أنه يأتي في سياق دينامية سياسية وقانونية جديدة لم يعد فيها النزاع يُقرأ بنفس الأدوات التقليدية التي حكمته لعقود.
هذا التحول يجد أساسه المباشر في القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن في نهاية أكتوبر 2025 الذي لم يكتف بتجديد ولاية بعثة "المينورسو" بل حمّل المنظمة الأممية مسؤولية إجراء تقييم استراتيجي شامل لمستقبلها في إشارة واضحة إلى أن استمرار البعثة بصيغتها الحالية لم يعد مسلّما به.
غير أن ما تغيّر منذ ذلك القرار لا يتعلق فقط بالأمم المتحدة، بل بالبيئة الدولية التي تتحرك داخلها حيث برز تطور نوعي في مواقف عدد من الفاعلين الدوليين وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي، الذي شهد لأول مرة اصطفافا جماعيا لعدد من دوله الأعضاء حول دعم المسار الذي يقوده مجلس الأمن في تحول لافت مقارنة بمواقفه السابقة التي كانت تُؤطر بصرامة قانونية تُبقي على مسافة واضحة من أي تأويل سيادي للنزاع.
هذا التحول الأوروبي، الذي عبّرت عنه مواقف منسجمة داخل مؤسسات الاتحاد ومن خلال توافق بين 27 دولة عضو يعكس إعادة قراءة جماعية للملف لم تعد تُختزل في منطق القانون الدولي الكلاسيكي المرتبط بتقرير المصير بل بدأت تتجه نحو مقاربة براغماتية تُعطي الأولوية للاستقرار الإقليمي والحلول الواقعية، وهو ما يُفهم منه ضمنيا انتقال تدريجي نحو قبول الامتداد السيادي المغربي كأرضية للحل.
فقد أصدر الاتحاد الأوروبي، نهاية يناير بيانا مشتركا صدر عن الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس ووزير الشؤون الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، عقب انعقاد الدورة الخامسة عشرة لمجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب نص بشكل صريح على دعم قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2797 الداعي للتفاوض بشأن قضية الصحراء على أساس مقترح الحكم الذاتي.
وحمل البيان دعوة صريحة من الاتحاد الأوروبي إلى "أطراف" نزاع الصحراء من أجل المشاركة في المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة دون شروط مسبقة وهي الصيغة التي تشمل ضمنيا الجزائر فووفق ما ورد في البيان، فقد ذكَّر الاتحاد الأوروبي بتمسكه بتسوية نزاع الصحراء استنادا إلى مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب من أجل التوصل إلى حل عادل ودائم ومقبول من جميع الأطراف، وفقا لميثاق الأمم المتحدة.
ومن الناحية القانونية، يمثل هذا التطور نقطة تحول عميقة، إذ إن دعم عدد متزايد من الدول لسيادة المغرب أو لمقترح الحكم الذاتي يُضعف بشكل مباشر الأطروحة التقليدية التي كانت تقوم على فكرة "الوضع النهائي غير المحدد" ويعيد تشكيل موازين التأويل داخل القانون الدولي نفسه خاصة في ظل غياب أي أفق عملي لتنظيم الاستفتاء الذي ظل لسنوات المرجعية الأساسية للبعثة الأممية.
فالقانون الدولي في مثل هذه النزاعات، يتحرك بتراكم المواقف الدولية والممارسات الفعلية للدول وهو ما يُعرف في الفقه القانوني بـ"الممارسة الدولية" التي تساهم في إعادة تشكيل القواعد، وهو ما يجعل من الدعم المتزايد لمغربية الصحراء عاملا مؤثرا في إعادة تأويل مبدأ تقرير المصير نحو صيغ توافقية بديلة من قبيل الحكم الذاتي.
في هذا السياق، أصبحت بعثة "المينورسو" جزءا من النقاش السياسي حول جدوى استمرارها خاصة بعد أن فقدت وظيفتها الأصلية المرتبطة بتنظيم الاستفتاء وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى الدفع في اتجاه مراجعة شاملة لدورها ضمن رؤية أوسع لإصلاح عمليات حفظ السلام.
وقد عبّر عن هذا التوجه السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، الذي أكد أمام الكونغرس أن بلاده تتجه نحو إعادة تقييم البعثات الأممية التي "تستنزف الموارد دون تحقيق نتائج ملموسة" في إشارة واضحة إلى أن ملف الصحراء لم يعد يُنظر إليه كأزمة مفتوحة بل كملف قابل للإغلاق إذا توفرت الإرادة السياسية.
وهذا التوجه الأمريكي لا ينفصل عن تحركات موازية، من بينها اتصالات دبلوماسية رفيعة المستوى بما في ذلك تواصل مباشر مع القيادة الجزائرية، في محاولة لإعادة ضبط شروط التفاوض وهو ما يعكس انتقال واشنطن من موقع الوسيط التقليدي إلى فاعل يسعى لفرض إيقاع جديد على مسار التسوية.
في المقابل، تبدو الجزائر وجبهة البوليساريو في موقع دفاعي متزايد، في ظل تراجع الدعم الدولي لأطروحتهما وتصاعد الضغوط المرتبطة بإمكانية تصنيف الجبهة كمنظمة إرهابية داخل الولايات المتحدة، وهي فرضية باتت مرتبطة بمشاريع قوانين معروضة داخل الكونغرس.
كما أن الربط المتزايد بين النزاع وشبكات النفوذ الإقليمي، خاصة في سياق التوترات المرتبطة بإيران يضفي على الملف بعدا أمنيا يتجاوز الإطار السياسي التقليدي وهو ما قد يعزز من توجه بعض الدول نحو مقاربة أكثر تشددا تجاه البوليساريو.
أمام هذه التحولات، تبرز عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل بعثة "المينورسو" أولها إعادة تعريف مهامها لتتحول من بعثة ذات طابع استفتائي إلى آلية لمواكبة حل سياسي قائم على الحكم الذاتي، وثانيها تقليص حضورها بشكل تدريجي في إطار انتقال نحو مرحلة ما بعد النزاع، وثالثها، وهو الأكثر حساسية، إنهاء مهامها بشكل كامل في حال التوصل إلى اتفاق نهائي.
غير أن هذا المسار يظل رهينا بتوازنات دقيقة داخل مجلس الأمن، وبمدى قدرة الأطراف المعنية على التكيف مع التحولات الجديدة، خاصة في ظل سعي الجزائر إلى إطالة أمد النزاع كخيار استراتيجي لتفادي أي تسوية لا تتماشى مع مواقفها.
في المقابل، يستند المغرب إلى دينامية دبلوماسية متصاعدة مدعومة باعترافات ومواقف دولية متزايدة وبخطاب أممي أصبح يركز بشكل صريح على "الحل الواقعي والعملي" وهو ما يعزز من موقعه داخل معادلة التفاوض.
وفي حال انتقلت النقاشات داخل مجلس الأمن من منطق "تجديد الولاية" إلى منطق "تدبير الخروج" فإن مرحلة ما بعد "المينورسو" ستشكل لحظة إعادة صياغة شاملة لبنية النزاع نفسه، فاختفاء البعثة أو حتى تقليصها إلى حدها الأدنى سيعني عمليا إسقاط آخر واجهة مؤسساتية لفكرة الاستفتاء وتحويل الملف بشكل نهائي من نزاع مؤطر أمميا إلى مسار سياسي تُحدد إيقاعه موازين القوة والاصطفافات الدولية.
في هذا السيناريو، سيُعاد توزيع الأدوار فالأمم المتحدة قد تتحول إلى إطار مواكبة سياسية بدل آلية تدبير ميداني، فيما ستصعد القوى الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة إلى موقع "الضامن" لترتيبات الحل سواء عبر صيغة حكم ذاتي موسع تحت السيادة المغربية أو عبر نموذج انتقالي يُكرّس الأمر الواقع قانونيا.
بالمقابل، سيجد الطرف المقابل نفسه أمام معادلة أكثر صرامة إما الانخراط في تسوية نهائية بشروط جديدة، أو مواجهة عزلة دولية متزايدة قد تتخذ أشكالا قانونية وأمنية، خصوصا إذا تكرّس الربط بين النزاع وشبكات التهديد الإقليمي.
غير أن هذا التحول، رغم ما يحمله من مؤشرات حسم، يظل محفوفا بمخاطر ارتدادية إذ إن إنهاء البعثة دون اتفاق سياسي صلب قد يفتح المجال أمام توترات ميدانية غير مؤطرة، ما يجعل "ما بعد المينورسو" اختبارا لقدرة النظام الدولي على الانتقال من إدارة النزاعات إلى إنهائها دون الانزلاق نحو فراغ استراتيجي.




