هذه تَوعِيّةٌ مُزيّفَة!

▪ ليسَت وَعيًا ولا تَوعيّة.. وإذا كانت، فهي مُزيّفَة.. تسِيرُ بنَا إلى استِسلامٍ للإحباط.. لا إلى تحريرِ الإنسان من نفسِه، وإلى ضبطِ العلاقةِ مع الآخر، وضبطِ حُقوقِ الوَطنِ والمُواطِن..
هي تَوعيّةٌ للتّراجُعِ قُرونًا إلى الوراء: إلى الجَاهِليّة.. لتقليدِ الماضي، وتلقينِ الناشئةِ نصُوصًا ثابتَةً كالأصنام، لا تَقبلُ أيَّ نِقاشٍ عَقلي.. وهذه بالذات، لا تَقبَلُ العَقل، تَقبَلُ النّقلَ فقط، وبلا جِدال.. عقليةٌ قائمةٌ على حَجَرِ، لا على رأيٍ واقِفٍ على العُلوم والمُختَبَرات..
والوعيُ المُتخلّف أنشأَ لبلادِنا فكرًا اجتماعيّا لا يعرفُ إلاّ الزّيْف..
والزّيْفُ لا يُنتجُ إلاّ الزّيْف..
والزّيْف قد عرّى ما نحنُ فيه: نتَظاهَرُ بما ليس فينا.. ونتَشَبّثُ بالتّافِه واللاّضَرُورِي.. ونتَمَسّكُ باللاّمُفيدِ وما لا يُجدِي.. ونَقتَدِي بالمُشَعوِذِين ومَن معهُم مِن رُمُوزِ التّخلُّف..
▪ ليست تَوعيٌةً للتّطوُّر..
هي تَوعيٌةٌ للاستِسلاَم..
"تَوعيٌةٌ استِسلاميّة" قد تُمارِسُها انحِرافاتٌ تعليميّةٌ ودينيّة، وأسماءُ بعضُها لامِع، ويَقفُ خلفَ إبراز معلوماتٍ وأراءَ غيرِ صحِيحة، لتَشكيل رأيٍ عامّ مُزيّف، في مُعالجةِ قضايا مُوجّهةٍ إلى المُجتمَع..
وأبرزُ أدواتِ التّحرِيف: تأويلاتٌ دينيّةٌ يتِمّ إنتاجُها تحتَ الطلَب، رغمَ أنّ التّأويلَ - وبالنّصِّ القُرآني - لا يَعلَمُهُ أحَدٌ من البَشَر: " وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ…" - آل عمران..
وفي تُجّارِ الدّين من يُخْفُون الوقائع، أو يَقلِبُون الحَقائق، وقد يُظهِرُون عكسَ ما حَصَل، لصناعةِ رأيٍ عامّ مُزيّف..
والزّيفُ بهذه الطريقة، وطُرُقٍ أُخرى، نَجدُها أيضا في مَناهجَ تعليميةٍ، ومَعلوماتٍ وآراءَ قد تُدلِي بها نُخَبٌ سياسيّةٌ واقتِصاديّةٌ وثقافيّةٌ وغيرُها، في ظاهرِها تَنوِير، وفي باطنِها مَصالح..
وهذا يُنتِجُ ما يُسمّى "مُجتمَع الخُرافة" والشعوذة، ومعها ادّعاءَاتٌ بطهارةٍ وتَقوَى ما هي إلاّ زيفٌ في زيْف..
▪ تَوعيّةٌ استِسلاميّة للرّداءة!
وصناعةٌ لنُجومٍ ليسَت نُجومًا، بل هي أشباهُ مُثقّفين يُتقِنُون تكريسَ الحالةِ التّخريفيّة المُكرَّرَة، وتحويلَها إلى واقعٍ في أدمِغة فئاتٍ اجتماعيةٍ من المُتَلَقّين.. فتَراهُم يَتَلَقّوْنَ التحاليلَ الكاذبَة، وكأنها حقائق.. ومع التّلَقّي، يَقُومُونَ بتلمِيعِ تصريحاتٍ إلى الصّحافةِ والإعلام، وكأنّها ثابِتة، وما هي في العُمقِ بحَقائق.. إنّها دَجَلٌ في دَجَل..
ومع الوقت، يَعتادُ العامّةُ اعتِبارَ كلّ ما يقولُه الفقيهُ الفُلاني، أو المُفتِي العِلاّنِي، غيرَ قابِلٍ للنّقاش، حتى وأقاوِيلُه في أكثَرِها خُزَعبِلات..
وهذا الفَضاءُ المُهتَرِئ، بعيدٌ عن استِقلاليةِ الرأي، وعن البحثِ العِلميّ الجادّ، وبعيدٌ عن أيّ تَجديد..
وهكذا تقومُ الخُرافاتُ بإنتاجِ خُرافات، على ألسِنةِ من يُقدّمُونهُم لنا في الإعلام بصفةِ "فُهَماء، مُحلّلين، فَطاحِل…"، وما هُم إلاّ كَذَبَةٌ في إنتاجاتٍ غيرِ صحِيحة..
▪ والتّكرارُ يُعلّمُ حتى الحِمار!
وبِفِعلِ التّكرارِ التّحلِيليّ، تَتكرّر نفسُ المعلُومات، والاستِنتاجات، واللغةِ الخشَبيةِ التّضليلية.. ويَمِيلُ بُسطاءُ المَعرفةِ العاقِلةِ النّاضِجَةِ إلى اعتِبارِ ما يقولُه المُشَعوِذون حقيقةً ثابِتَة، غيرَ قابلَةٍ للنقاش..
ويَقبَلُون "الواقعَ" المَحكِيّ، حتى وهو كاذِبٌ كما هو، وكأنّ كذبةً ثابِتةً أفضلُ من حقيقةٍ غيرِ مُؤكّدة..
ومع الأيام، يُصبِحُ الكذِبُ عادَةً عادِيّة، والكذّابُ مُعتَادًا على عَادتهِ الكذّابة..
والمُنتِجُ والمُستَهلِكُ - هُما معًا - شرِيكانِ في النّصبِ والاحتِيّالِ على كلّ البَلَد..
شرِيكَانِ في تسوِيقِ الأوهام، وفي إقناعِ الناسِ بقَبُولِ الحاضِرِ المُترَدّي على عِلاّته..
والمُجتمعُ تَوّاقٌ إلى الغَد، حتى بدُونِ وَعي، لأنه قد يَحمِلُ ويُحَمَّلُ مُؤشّراتٍ إيجابيةً قد تُبعِدُ عنهُ أشباحَ حاضِرٍ غيرِ مُحتمَل..
▪ والتّغييرُ لا ريبَ فيه..
لكنه لا يأتي من تِلقاءِ نفسِه، بلا تخطيطٍ ومَجهُود..
الأهدافُ لا تتَحقّقُ بالأمانِي.. ولا بالاستِسلام للأمرِ الواقِع..
فرْقٌ بين التّسليمِ والاستِسلام..
بين تسليمٍ بالأمرِ الواقِع، والاستِسلامِ له..
وهكذا هي المُعاناة، والصّعوبات، والعراقيل، تدفعُ إلى تغيِيرِ الأحوال، ولا تَقبَل بالاستِسلام..
ونحنُ مَدعُوُونَ للعمَل، مع السّيْرِ في الاتّجاهِ الصّحيح، والرّفضِ - كُلِّ الرّفض - لليأسِ والاستِسلام..
ومَدعُوُونَ للتّغلّب على الإحباط، مع ضرورةِ تقويةِ أرضيّتِنا الوطنية، لتكُون أكثر مَتانةً وصَلابَة..
ولا قَبولَ للانقِساماتِ والشّرُوخ.. وجَبَ الوُقوفُ مَعّا، يدًا في يَد، مع الحاضِر والغَد..
▪ كلاهُما في كمّاشةٍ واحِدة!
والحَذَرُ كلُّ الحَذَرِ منَ الفَتاوَى.. مِنْ فتاوَى كاذِبة، إلى فتاوَى تَضليليّة.. ومَعهُما لا جدِيد.. نفسُ الأمسِ بسلبيّاتِهِ هو نفسُ اليوم، وحَتمًا هو نفسُ الغَد، ما دامَ التّغييرُ المنشُودُ مُستحِيلاً، إلاّ بتغيِير سُلُوكي فِعلِي أخلاقِي..
هذه قِيّمٌ أساسيّة، قانونيةٌ وأخلاقيّة، لا غِنَى عنها لإنجاحِ التّغيِيرِ المَطلوب..
وأحوالُنا لن تتَغيّر إلاّ بقانونٍ مدَني، وأخلاقٍ عامّةٍ تحتَ سُلطةِ مَنظومةٍ صارِمة..
ولا أُفُقٌ إيجابيّ مُؤكّد، ما دامَ حالُنا تحتَ سُلطةِ نفسِ الدّجّالين: أحزاب ريعيّة، وأخطرُها لُصُوصُ الدّنيا، وهؤلاء هم أنفُسُهم تُجّارُ الآخرة..
وما دام الخَلطُ قائمًا بين الدّنيا والآخرة، فلا أملَ في إحداثِ تغييرٍ حاسِم، إلاّ تحت غِطاءِ العِلمانيّة: قانُون، ديمُقراطية، حقوقُ الإنسان!
▪ والعِلمانيّةُ ليست دِينًا، أو مَذهَبًا، أو إيديُولوجيا، أو فَلسَفةَ حياة.. إنها نظامٌ قانونيّ يفصِلُ بين شؤونِ الدّينِ والدّنيا..
والقُرآنُ يَسمَحُ بحُريّةِ الاعتِقاد، ما دام الإكراهُ يُوَلّدُ النّفاق:
◇ «لا إكراهَ في الدّين»..
◇ «ما على الرسُولِ إلاّ البَلاَغ»..
◇ «ولو شاء ربُّك لآمَنَ مَن في الأرضِ جميعا، أفَأنتَ تُكرِهُ الناسَ حتى يكُونُوا مُؤمِنين»..
◇ «لكُم دينُكُم وليَّ دِينِي»…
وآياتٌ أُخرَياتٌ كثيرات…
ولا وُجودَ في عالَمِ اليوم لدَولةٍ مُتطوّرةٍ واحِدة، إلاّ ولها نِظامٌ عِلماني يُفرّق بين الدّينِ والسيّاسة، والدّينِ والاقتِصاد، والدّينِ والعِلم، ويَجعلُ الأديانَ مَحمِيّةً منَ التّداخُلِ والصّراعات..
وفي العِلمانيّينَ مُؤمِنُون يَنتمُون لديّاناتٍ مُختلِفة.. هُم عِلمانيّونَ يتَعبّدُون، كلٌّ بدِينِه، ويَلتزمُون بالقانُون.. القانونُ يحمِي الجمِيع، عِلمانيّينَ وغيرِ عِلمانيّينَ..
وللجميعِ حقُوق.. وعلى الجمِيعِ واجِبات..
والمَشاكلُ لها حُلُول، والدولةُ العِلمانيّةُ تَحرِصُ على الحُلول، في إطارِ القانُون، لفائدةِ الجمِيع..
▪ وأَهَمُّ ما يأتي به الوعيُ الواعِي هو الوَعيُ بالإنسان..
وعيٌ بالذاتِ والآخَر، يَقُود لتحقيقِ النّجاحِ في الحياةِ الخاصّة والعامّة..
وهذا الوعيُ يحمِي من التّشنّج والتعصُّب والتطرّف واللاّتسامُحِ مع الذات، ومع من يَختلفُ عنّا في الزمانِ والمَكانِ والتاريخِ والآفاق..
وبهذا الانفِتاحِ الإيجابي، نبحثُ سويّة عن المَسافةِ التي يُمكنُ أن يَقطعَها كلٌّ واحدٍ منّا باتّجاهِ الآخر، في محاولةٍ أخرى لمُواصلةِ النقاشِ الهادفِ إلى اكتِشاف ما يَجمعُنا ويُوحّدُنا..
وهذا هو صُلبُ الحِوارِ الإنساني الواعِي..
إنه حوارُ الإنسانِ مع الإنسان، بحثًا عن الحقيقةِ المنشُودة..
هو الوعيُ بقيمةِ الفكرِ الإنساني..
وَعيٌ يَجمعُ ولا يُفرّق، يُوحّدُ ولا يُشتّت.. ويُنتِجُ نقاشاتٍ ثُنائيةً وجماعية، تُبرِزُ أن هدفَنا المشترَك هو بناءُ الوعيِ الجماعي، ذي الأبعادِ الإنسانيّةِ الرّفيعة..
وهكذا نلتقي، بعيدا عن اختلافاتٍ مُتوَتّرة..
وعن مشاكلَ هي مُضِرّة..
▪ والفِرارُ من المَشاكل، لا يقُودُ لِحلّها.. التّراجُعُ لا يزيدُ إلاّ من تفاقُم التّعقِيدات.. ويَفتحُ المَجالَ للانتِفاعيّين والمُتهوّرِين، ويَحمِلُ على السّلبيّةِ والانشِقاق..
عِندَها تَختَفِي الطاقاتُ البَشريّة، والثّرواتُ الطبيعيّة، ويملأُ الفَجواتِ ذئابٌ لا تُريدُ خيرًا لأحَد، لا لنَفسِها ولا لغيرِها..
وتَظهرُ السّلبيّاتُ من جديد..
ولا مجالَ لعقليةٍ بديلة، إلاّ بانتصارِ الوَطنِ على اللاّوَطَن.. ونَهضةِ الفِكرِ الإيجَابي.. وهَبَّةِ الضّميرِ الإنسانِي!

[email protected]

الخميس 21:00
غيوم متفرقة
C
°
19.41
الجمعة
20.9
mostlycloudy
السبت
19.66
mostlycloudy
الأحد
19.77
mostlycloudy
الأثنين
20.03
mostlycloudy
الثلاثاء
19.57
mostlycloudy