هكذا صارت أسباب مرض الملك "مَشاعا" للمغاربة بعدما كانت تؤدي إلى السجن

خلال 20 عاما من حكمه، شكلت صحة الملك محمد السادس مادة دسمة للنقاش لدى المغاربة في مجالسهم المغلقة، إذ بقدر ما كان هذا الموضوع مثيرا للفضول بالنسبة لشعب ظل عاهله إلى حدود 2011 محاطا بصفة "القادسة" بنص الدستور، بقدر ما كان الكلام فيه جالبا للمتاعب حين يخرج إلى العلن، وهو ما ينسحب على صحافيين اقتادتهم كتاباتهم حول "مرض الملك" إلى السجن.

لكن أمورا كثيرة تغيرت مع مرور الوقت، وصار القصر الملكي الذي كان يتصدى لأي حديث عن صحة الملك، يبادر بالخروج علنا لكشف إصابته بمرض معين أو إجرائه عملية جراحية أو حاجته لفترة نقاهة، ولم يعد الملك نفسه يجد أدنى حرج في الظهور أمام كاميرات التلفزيون وهو يرتدي نظارات طبية أو يتكئ على عكاز.

خبر يثير الاتسنفار

على الرغم من أن صحة العاهل المغربي تهم بالدرجة الأولى مواطنيه، إلا أن اهتمام الإعلام الأجنبي بها كان أكبر من نظيره في المغرب، حيث كان هذا الأخير "ممنوعا" بشكل عُرفي من الحديث عن هذا الموضوع ما لم يصدر بخصوصه بلاغ رسمي، وكان من الممكن أن يصبح المنع العرفي منعا بنص قانوني لو وصل الأمر إلى ردهات المحاكم كما حدث لعدة صحف.

لكن في 2008، سيقوم صحافي إسباني معروف، يدعى "بيدرو كناليس" بنشر خبر لا يتعلق فقط بإصابة العاهل المغربي بوعكة صحية، بل قال إنه أجرى عملية جراحية خلال الفترة التي قضاها في العاصمة الفرنسية باريس، والتي تجاوزت الشهر، الأمر الذي أثار عدة علامات استفهام حول "المرض" الذي أوصل جسد الملك إلى مشرط الجراح.

ولم يكن ما نشره كاناليس، العارف الجيد بقضايا المغرب، عبر موقع "أمبرسيال" الذي كان يصنف ضمن وسائل الإعلام الأوروبية ذات المصداقية، ليمر دون أن يترك أثرا داخل القصر الملكي نفسه، حيث استنفر وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة، ودفعها للخروشج ببلاغ عبر وكالة المغرب العربي للأنباء تنفي فيه بشكل قاطع ما تم نشره. 

مرض يؤدي إلى السجن

شكلت سنة 2009 منعطفا فاصلا في طبيعة تناول القصر الملكي من جهة ووسائل الإعلام الوطنية من جهة أخرى للقضايا المتعلقة بصحة الملك، بعدما بدأ الأمر ببلاغ لوزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة، وانتهى بمحاكمة صحافيين وسجنهم.

ففي غشت من سنة 2009، نشرت الوزارة بلاغا يقول إن الملك مصاب بـ"فيروس في جهازه الهضمي ما تسبب له في اجتفاف شديد تطلب خمسة أيام من النقاهة"، الشيء الذي دفع بعض الصحف إلى البحث في طبيعة هذا الفيروس الذي أقعد العاهل المغربي عن ممارسة عمله.

ونشرت "الجريدة الأولى"، التي كان يديرها الصحافي علي أنوزلا قبل أن تتوقف عن الصدور، خبرا يقول إن مصدر الفيروس هو "مادة تستخدم ضد مرض الربو"، في حين أصدرت أسبوعيتا "الأيام"، التي يديرها نور الدين مفتاح، و"المشعل" التي يديرها إدريس شحتان، ملفين حول "حقيقة مرض محمد السادس"، ما اقتاد مجموعة من المدراء والصحافيين إلى التحقيق أمام النيابة العامة.

ودفعت أسبوعية المشعل ضريبة قاسية بعدما نشرت أن الأمر يتعلق بـ"مرض خطير"، ناقلة تشكيكات حول الأسباب الحقيقية لـ"تسريبه"، ما أدى إلى الحكم على مديرها بسنة حبسا نافذا، وعلى الصحافيين مصطفى حيران ورشيد محاميد بالحبس النافذ لـ6 أشهر، بعدما أدينوا بـ"نشر معلومات خاطئة بسوء نية".

نعم.. الملك يمرض

وبعد سنوات من الصمت المطبق لوسائل الإعلام المغربية حول صحة الملك، مقابل استمرار وسائل الإعلام الأجنبية في نشر أخبار حول هذا الموضوع، والتي بات وصولها للمغاربة سهلا بفضل مواقع التواصل الاجتماعي، نهج القصر الملكي، منذ 2014، سياسة جديدة في التعامل مع الأمر إذ صارت وزارة القصور الملكية مصدرا رسميا لهذا النوع من المعلومات.

بدأ الأمر في نونبر من سنة 2014، حين صدر عن الوزارة المذكورة بلاغ يعلن تأجيل الزيارة الملكية إلى الصين لأسباب صحية، بل مضت أبعد من ذلك حين فسرت بالضبط ما يعاني منه الملك موردة أنه "مصاب بأعراض زكام حاد مصحوب بحمى بلغت 39.5 درجة"، بالإضافة إلى "التهاب في الشعب الهوائية".

وفي نونبر من سنة 2017، وفي غمرة الاحتفالات الرسمية بذكرى المسيرة الخضراء التي كانت ستعرف زيارة الملك إلى مدينة العيون، أصدرت وزارة القصور الملكية بلاغا يعلن تعليق كل الأنشطة الملكية خلال فترة تمتد ما بين 10 أيام إلى 15 يوما، نظرا لإصابة العاهل المغربي بـ"إنفلونزا حادة خلال الزيارة التي قام بها مؤخرا إلى الهند". 

وفي فبراير من العام الماضي نشرت وكالة المغرب العربي للأنباء الرسمية، قصاصة تكشف عن إجراء الملك عملية جراحية على القلب في أحد مستشفيات باريس، وذلك بعدما كشفت الفحوصات الطبية إصابته باضطراب في "الإيقاع الأذيني"، موردة أن العملية تكللت بالنجاح، قبل أن يتم نشر صورة للملك في سريره بالمستشفى وهو محاط بأشقائه إلى جانب ابنته وابنته.

ملك بنظارات وعكاز

صار واضحا، مع مرور السنوات، أن الملك محمد السادس لم يعد يجد حرجا في الظهور علنا وهو مصاب بعارض صحي، كما هو الشأن بالنسبة لأي إنسان آخر، وهو الأمر الذي تزامن مع حذف صفة "القداسة" عن شخص الملك في دستور 2011.

وصار العاهل المغربي يفضل ارتداء النظارات الطبية أمام عدسات الكاميرات قبل بدأ أي خطاب رسمي، ولم يعد القصر مضطرا لكتم خبر مثل خضوع الملك لعملية جراحية في عينه اليسرى في شتنبر من سنة 2017، والتي أشرف عليها في باريس طبيبه الخاص البروفيسور عبد العزيز الماعوني.

وكسر الملك "الطابو" المتعلق بوضعه الصحي بشكل كبير في نونبر 2012، حينما ظهر أمام عدسات المصورين خلال نشاط رسمي بإقليم الناظور، وهو متكئ على عكاز طبي نتيجة إصابته بعارض صحي في ساقه اليمنى، دون أن يجد حرجا في التحرك بواسطته للاطلاع على المشاريع أو تحية المواطنين.   

تفادي الإشاعات

وبات من الواضح أن القصر الملكي صار يُعَجِّل وضع حد للشائعات بخصوص صحة الملك التي تروج بين الفينة والأخرى، وهو ما حدث يوم أمس الأحد، إذ إن بلاغ الديوان الملكي أتى بعد تزايد الكلام عن أسباب "فقدان الملك للوزن في الشهور الأخيرة"، وأيضا قُبيل تأجيل محتمل للإعلان الاستقبال الملكي لحكومة سعد الدين العثماني الثانية.

وكان البلاغ قد أعن عن إصابة الملك بـ"التهاب الرئتين الفيروسي الحاد"، مضيفا أن طبيبه الخاص أوصاه بـ"الخلود لفترة راحة طبية لبضعة أيام"، وأضار أيضا إلى أن هذا العارض الصحي هو الذي تسبب في إلغاء سفره إلى فرنسا لتعزية أسرة وأقارب الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك.

الأثنين 3:00
غيوم قاتمة
C
°
14.91
الثلاثاء
16.71
mostlycloudy
الأربعاء
17.07
mostlycloudy
الخميس
15.58
mostlycloudy
الجمعة
16.2
mostlycloudy
السبت
15.28
mostlycloudy