هل أصبحنا أكثر تقدماً في القرن الحادي والعشرين، أم أقل إنسانية؟
قراءة سيميائية في تحولات العالم والإنسان
أربعون عاماً، تلك هي المسافة الزمنية التي تفصل بين سنتي 1986 و2026. وهي، بلا شك، مدة طويلة بما يكفي لكي يتغير عالم بأكمله في العمق، وقصيرة بما يكفي لكي يظل من عاشها قادراً على المقارنة بين طرفيها انطلاقاً من تجربته الشخصية، شاهداً على أحداث كبرى طبعت نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحاضر.
تشكل هذه العقود الأربعة، في نظري، عينة دالة لقياس التحول الذي طبع هذه الحقبة: فما كان يبدو ثابتاً اختفى، وما كان هامشياً أصبح مركزياً، وما كان أقرب إلى المستحيل صار اليوم جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية، طبيعياً، مقبولاً. ولذلك لم يكن اختيار سنة 1986 اعتباطياً؛ فهي تبدو، بأثر رجعي، نقطة رصد استثنائية، إذ تنتمي معظم ملامحها إلى العالم القديم، عالم القرن العشرين، لكنها كانت تحمل في طياتها مؤشرات التحول الذي أعاد لاحقاً تشكيل حاضرنا.
وكذلك كان.
في بداية هذه الفترة، كان جدار برلين لا يزال يقسم أوروبا، وكان الاتحاد السوفياتي أحد قطبي نظام عالمي تحكمه الحرب الباردة. ومع ذلك، كان شيء ما قد بدأ يتحرك في العمق: غورباتشوف يرسخ «البيريسترويكا» ويفتح الطريق أمام «الغلاسنوست»، ولقاؤه بريغان في ريكيافيك يكشف إمكان الخروج من منطق المواجهة الذي حكم العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وبعد ثلاث سنوات سيسقط الجدار، وبعد خمس سنوات سيختفي الاتحاد السوفياتي نفسه، ثم توحد الأوروبيون في فضاء واحد.
وفي السنة ذاتها، تلقت الثقة في التقدم التكنولوجي إنذارين مدويين. ففي يناير، تفكك مكوك الفضاء «تشالنجر» بعد ثوان من إقلاعه، وفي أبريل حوّل انفجار المفاعل الرابع في تشيرنوبيل كارثة سوفياتية إلى قلق عالمي، وكشف مبكراً عجز الحدود السياسية أمام مخاطر تتجاوز الجغرافيا وتهم الإنسانية جمعاء.
وبدأ الترويج لنظريات جديدة كنظرية تأثير الفراشة ونظرية المؤامرة والفوضى الخلاقة، إلخ.
وفي المفارقة نفسها، كانت محطة «مير» تبدأ رحلتها في المدار، كأن البشرية تكتشف هشاشتها في اللحظة ذاتها التي تدفع فيها حدود قدرتها إلى أبعد مدى.
تركت هذه الأحداث أثرها على سكان الأرض، وغيرت شيئاً من نظرتهم إلى المستقبل ومن ثقتهم في قادة العالم ومؤسساته. وكنا، نحن الشباب آنذاك، نتابعها كمتفرجين، منبهرين بتكنولوجيا كانت حكراً، إلى حد بعيد، على ما كان يسمى «العالم المتقدم»، بينما كنا ننتمي، وفق التصنيف السائد يومها، إلى «العالم الثالث»، من دون أن يشرح لنا أحد، بوضوح، أين يقع ذلك «العالم الثاني» الذي يفترضه الترتيب.
ذلك الوقت، كانت الحياة اليومية تتغير بصمت، داخل المنازل وفي الشوارع، وحتى في العقول والعقليات.
آنذاك بدأت الصورة تبتعد عمّا تقدمه شاشة التلفزيون الوطني في أوقات محددة، بل بدأت مصادرها ووسائطها تتكاثر: من أشرطة الفيديو إلى الأقراص المدمجة، ومن القنوات الفضائية إلى أجهزة فك التشفير، وصولاً إلى البث الرقمي والمنصات المتصلة.
ومن دون أن نشعر، أخذنا ننتقل تدريجياً من زمن ينتظر فيه المشاهد الصورة إلى زمن تطارده فيه الصور.
حتى «الموضة» في اللباس وتسريحات الشعر لم تعد تنتقل ببطء عبر الجغرافيا؛ فقد أصبحت الشاشة تسرّع انتشارها وتوحد المرجعيات الثقافية بين مدن وقارات متباعدة. ولم تقتصر تحولات العقود الأربعة الماضية على السياسة والإعلام والتكنولوجيا، بل طالت أيضاً الفنون التي نصنع بها صورنا عن أنفسنا وعن العالم. فالسينما التي كانت ترتبط بقاعة مظلمة وموعد محدد وشاشة جماعية، انتقلت تدريجياً من الشريط إلى الرقمنة، ثم من القاعة إلى التلفزيون والمنصات والهاتف المحمول واللوحات.
ولم يتغير بذلك وسيط العرض فقط، بل تغيرت طقوس المشاهدة نفسها: من جمهور يجتمع أمام الشاشة إلى أفراد يشاهد كل واحد منهم العمل في وقته ومكانه، وقد يوقفه أو يسرّعه أو يتخلى عنه بعد دقائق. لقد انتقلت الصورة السينمائية، جزئياً، من زمن العمل الذي يفرض إيقاعه على المتلقي إلى زمن المتلقي الذي يفرض إيقاعه على العمل.
أما المسرح، وهو أكثر الفنون ارتباطاً بالحضور الجسدي وبوحدة المكان واللحظة، فقد وجد نفسه أمام مفارقة مختلفة. فبينما أتاحت الوسائط الرقمية للمسرحية أن تتجاوز حدود الخشبة وتصل إلى جمهور لم يكن حاضراً في القاعة، ظل جوهر التجربة المسرحية قائماً على شيء يصعب نقله كاملاً عبر الشاشة: أجساد حقيقية تتقاسم زمناً واحداً ومكاناً واحداً مع جمهور حقيقي. وربما لهذا اكتسب المسرح، في عصر الاتصال عن بُعد، دلالة جديدة؛ فلم يعد مجرد فن للعرض، بل أصبح أيضاً دفاعاً عن الحضور.
والأدب بدوره لم يبق خارج هذا التحول. فمن الكتاب الورقي والمجلة والصحيفة والمكتبة، انتقل النص إلى الشاشة والمنصات والكتاب الإلكتروني، ثم دخل عصر النصوص التي تُنتج وتُختصر وتُقترح خوارزمياً. ولم يعد الكاتب ينافس كاتباً آخر على انتباه القارئ فقط، بل ينافس الإشعار والصورة والفيديو القصير والتدفق الذي لا ينتهي. وهنا يبرز تحول سيميائي عميق: فالأدب، الذي يقوم في جوهره على منح الكلمات زمناً لكي تتحول إلى صور داخل ذهن القارئ، يجد نفسه في مواجهة عالم يقدم الصورة جاهزة قبل أن يمنح الخيال فرصة لصناعتها.
لم يعد العمل الفني يصل إلينا دائماً بوصفه وحدة مكتملة؛ فقد تسبقه مقاطع وصور واقتباسات وتعليقات، حتى إننا قد نكوّن حكماً عنه قبل أن نشاهده أو نقرأه. وهكذا أصبحت بعض العلامات تنفصل عن العمل الأصلي وتدور مستقلة في الفضاء الرقمي. كما تغير أيضاً من يقرر ما يصل إلينا من الأعمال.
فقد كان الناقد والناشر والمكتبة وقاعة السينما والمؤسسة الثقافية يمارسون وظيفة الوساطة من قبل؛ أما اليوم، فقد دخلت الخوارزمية بقوة إلى هذه المساحة، فأصبحت تقترح علينا ما نقرأ ونشاهد ونسمع وفق منطق لا يقوم دائماً على القيمة الثقافية، بل على قابلية الجذب مدة المشاهدة، كما تغير موقع الفنان نفسه. فالمبدع لم يعد مطالباً فقط بإنتاج عمل، بل أصبح، في كثير من الأحيان، مضطرا أيضاً لإنتاج حضوره: أن يظهر، وينشر، ويتفاعل، ويبني جمهوراً حول اسمه. وهكذا دخل الفنان بدوره في اقتصاد الظهور، وأصبحت صورته أحياناً تنافس عمله.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن السينما أو المسرح أو الأدب في طريقها إلى الزوال، بل ربما تتغير وظائفها. ففي عالم يزداد سرعة، قد تصبح قيمة الرواية في بطئها، وقيمة المسرح في حضوره، وقيمة السينما في قدرتها على استعادة زمن المشاهدة المتصل. وهكذا قد تتحول الفنون التي بدت لبعض الوقت مهددة بالتكنولوجيا إلى مساحات مقاومة للزمن المتشظي: أماكن لا نستهلك فيها العلامة فقط، بل نمنحها الوقت لكي تتحول إلى معنى.
في نهاية القرن الماضي وبينما كان سباق الفضاء بين القوى الكبرى يوسع حدود الممكن، كانت على الأرض ثورة أقل ضجيجاً قد بدأت. إذ دخلت الحواسيب الشخصية إلى المؤسسات والبيوت، واتسعت شبكات الحاسوب، فيما كانت البنيات التحتية للعالم الرقمي المقبل تتشكل تدريجياً. لم يكن الهاتف الذكي ولا محركات البحث ولا شبكات التواصل الاجتماعي قد ظهرت بعد، وكان الذكاء الاصطناعي بعيداً عن الحياة اليومية، لكن أسس العالم المتصل كانت قد بدأت تُرسى.
لقد عاينا بأم أعيننا تطور وحدات تخزين البيانات لتمر من أقراص مرنة إلى صلبة، ثم إلى الأقراص المدمجة وشرائح الذاكرة وصولاً إلى الحوسبة السحابية. وكل مرة كانت أجهزة التخزين تصبح أكثر سرعة وسعة وأقل ضوضاء وتكلفة. وكنا نستبدل القديم بالحديث، منتظرين الأحسن، متفائلين بهذا التقدم الحثيث. وكان السؤال: إلى أين ينتهي هذا المسلسل؟
لقد كنا على وعي أن الشركات المصنعة تنفذ برنامجاً دقيقاً ومحكماً لتسويق منتجاتها، لكننا كنا نقبله ونقتني الجديد لنرمي القديم.
وفي الاقتصاد والثقافة، ظهرت ملامح عولمة جديدة: تحررت الأسواق، وتسارعت حركة الرساميل والمعلومات، وانتقلت الصور والمرجعيات الثقافية بوتيرة متزايدة بين القارات. وظهرت أزمات من الجيل الجديد في البورصات والبنوك كانت سبباً في بلورة ترسانة من القوانين الجديدة والمتطورة للمراقبة وتدبير المخاطر.
كانت في ذلك الحين الحدود القديمة لا تزال قائمة، لكن القوى التي ستضعفها لاحقاً قد بدأت تعمل. شبت حروب بين بلدان بعيدة عن بعضها، دون سبب مقنع، وارتكبت مجازر أمام أعين العالم دون أن تحرك المؤسسات الدولية ساكناً.
وبالنسبة إلينا نحن المغاربة، تحمل سنة 1986 دلالة أخرى. ففي المكسيك أصبح المنتخب الوطني المغربي أول منتخب إفريقي يتصدر مجموعته في نهائيات كأس العالم، وأول منتخب إفريقي يبلغ الدور الثاني من المسابقة. وتجاوزت رمزية الحدث حدود كرة القدم، إذ انتقل بلد من بلدان الجنوب، ولو للحظات، من هامش المشهد إلى مركز فضاء إعلامي آخذ في التحول إلى ساحة عالمية.
وكنا لا نمل من إعادة مشاهدة مباريات منتخبنا، فخورين باللاعبين والإنجاز والمدرب البرازيلي، كأن الانتصار في الملعب كان، بالنسبة إلى جيل كامل، اعترافاً رمزياً يتجاوز الرياضة نفسها.
لقد زارنا الأمل من جديد.
لهذا، فإن اختيار سنة 1986 نقطةً للانطلاق يعني الوقوف على خط فاصل بين عالمين: عالم تناظري، صناعي وثنائي القطبية، تنتقل فيه المعلومة عبر وسائل محدودة وتحتفظ المسافات بثقلها؛ وعالم آخر كانت مقدماته تظهر في الثورة المعلوماتية، وعولمة الأسواق، والتداول العالمي للصور، وتآكل النظام ثنائي القطبية.
واليوم، بعد أربعين عاماً، تكاد المقارنة تصيبنا بالدوار.
فمن سنة 1986 إلى غاية 2026، انتقلنا من الحرب الباردة إلى عالم أكثر تعدداً واضطراباً، ومن الهاتف الثابت إلى الهاتف الذكي، ومن المكتبات والموسوعات إلى محركات البحث، ومن شبكات الحاسوب الأولى إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومن وسائل الإعلام الجماهيرية إلى شبكات التواصل الاجتماعي.
لكن التحول الأعمق قد يكون في مكان آخر.
ففي بداية سنة 1986، كانت للأحداث جغرافيا واضحة: تشيرنوبيل في أوكرانيا السوفياتية، و«تشالنجر» في فلوريدا، وريكيافيك في آيسلندا. أما اليوم، فيمكن لحدث أن يولد في مكان ما ليصبح، بصورة شبه فورية، حاضراً في كل مكان.
هذه هي المسافة التي أريد تأملها من خلال هذا المقال، لا لوضع جرد حنيني لعالم اختفى، ولا للاستسلام للانبهار بالعالم الذي حل محله، بل لمحاولة فهم ما الذي حدث خلال عمر إنسان واحد. وهنا تكمن فائدة القراءة السيميائية للأحداث: فهي لا تكتفي برصد ما وقع، بل تسعى إلى التقاط العلامات التي أنتجها، والدلالات التي أخفاها، والتحولات التي أحدثها في طريقة تمثلنا للعالم.
فعندما أنظر اليوم إلى هذه الفترة، تفرض حقيقة نفسها: العالم لم يتغير فحسب؛ لقد تغير إيقاعه، ومقياسه، وربما طبيعة علاقتنا بالآخر وبه أيضاً.
لكن الأكيد أننا، نحن أيضاً، قد تغيرنا.
من عالم الحدود إلى عالم التدفق
كانت سنة 1989 إحدى تلك اللحظات التي تتكثف فيها رمزية التاريخ. ففي الوقت الذي كان فيه جدار برلين يسقط معلناً نهاية مرحلة من النظام الدولي ثنائي القطبية، كانت تُوضَع اللبنات الأولى للشبكة العالمية العنكبوتية، "الـويب" في مختبرات «سيرن».
قد يبدو الحدثان منفصلين تماماً، لكنهما يحملان، من زاوية سيميائية، دلالة مشتركة: تراجع قدرة الحواجز على الفصل.
سقط الجدار الذي كان يقسم أوروبا، وفي الوقت نفسه بدأت تتشكل شبكة ستجعل الحدود المادية أقل قدرة على عزل البشر والأفكار والصور والمعلومات، لتصبح أوروبا فضاءً متحداً وقوة اقتصادية قارية.
وبعد دخول الإنترنت إلى البيوت والمكاتب ظهر «غوغل» ليغير علاقتنا بالمعلومة جذرياً. ثم جاءت «فيسبوك» و«يوتيوب» و«تويتر» وغيرها، فلم نعد ندخل إلى الشبكة لمجرد البحث عن معلومة، بل بدأنا نبني داخلها هوياتنا وسمعتنا وعلاقاتنا، وأحياناً وجودنا الاجتماعي نفسه.
ثم جاء الهاتف الخلوي فأزال آخر الحدود العملية تقريباً بين الإنسان والشبكة. الهاتف الذي كان أداة للتواصل أصبح كاميرا ومكتبة وصحيفة وبنكاً ومكتباً وخريطة ومنصة للترفيه ونافذة لا تُغلق على العالم.
ومنذ تلك اللحظة، لم نعد فقط نستعمل الشبكة؛ لقد بدأنا نسكنها، ولم يعد الزمن والمسافة يحتفظان بالدلالة نفسها التي عرفناها سابقاً.
لقد تغير إحساسنا بالأشياء.
من الرمز المفكَّر فيه إلى العلامة اللحظية
ومن منظور سيميائي، لم يكن هذا التغيير مجرد تحول تقني. لقد تغيرت شروط إنتاج الرموز وتداولها وتأويلها. فقد كان النص المكتوب يفرض بطئاً نسبياً وزمناً للقراءة والتفكير؛ أما الصورة المتدفقة والفيديو القصير والمحتوى الذي تقترحه الخوارزميات، فتقوم على الاختزال والسرعة والاستجابة الفورية. ومن ثم، لم يعد التنافس فقط بين فكرة وأخرى، بل بين إيقاعين للمعنى.
فالنص يدعو القارئ إلى تتبعه، ويترك له هامشاً للتردد؛ بينما تسبق حالياً الصورة، وفي كثير من الأحيان، الحكم عليها. كما يدفع التدفق الرقمي إلى التفاعل قبل أن يتوفر الوقت الكافي للتأمل. وهنا لا يتغير شكل الرسالة فقط، بل بنية الإدراك نفسها: فالعلامة التي كان دورها أن تُفهم أصبحت مطالبة، قبل كل شيء، بأن تُرى، وأن تستوقف، وأن تنتشر.
ولم تعد العلامة الرقمية تكتفي بالإحالة إلى واقع سابق عليها، بل أصبحت تشارك في صنع هذا الواقع نفسه. فالصورة التي تنتشر، والوسم الذي يتصدر، والمقطع الذي تعيد الخوارزمية دفعه إلى الواجهة، لا تصف الحدث فقط، بل تعيد ترتيب أهميته وموقعه في الوعي الجماعي.
وهكذا انتقلنا تدريجياً من سيمياء تمثل الواقع إلى سيمياء تسهم في إنتاجه.
المغرب بين أزمنة متعددة
إن التحولات السيميائية والتقنية، رغم كونها كونية، لم تستثنِ المغرب؛ بل تجلَّت فيه وفق إيقاع زمني خاص. فقد تغيرت، خلال العقود الماضية، بنية الدولة والمجتمع والمؤسسات، كما تغيرت علاقة المواطن بالمجال العام وبالسلطة وبالخطاب السياسي.
بعد أزمات الثمانينيات، بما صاحبها من جفاف، وتوترات اجتماعية، وضغوط اقتصادية، وبرنامج للتقويم الهيكلي، دخل المغرب خلال التسعينيات في مرحلة من الانفتاح السياسي التدريجي، رافقها اتساع النقاش حول حقوق الإنسان، وتخفيف حدة المواجهة بين الدولة والمعارضة، وبداية الانتقال نحو منطق التوافق.
وفي الوقت نفسه، دخلت الخوصصة والإصلاحات الاقتصادية تدريجياً ضمن السياسات العمومية، بينما تصاعدت رهانات التشغيل والإدماج الاجتماعي عبر خلق المجلس الوطني للشباب والمستقبل كهيئة استشارية تهدف إلى التفكير في قضايا إدماج الشباب حاملي الشهادات وتشغيلهم، وتقديم الآراء والدراسات حول حاضر الشباب ومستقبله، وقد عرفت سنة 1991 عمليات كثيفة للتوظيف بالإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية.
أما في الحقل الإعلامي، فقد شكّل إطلاق القناة الثانية «2M» سنة 1989 منعطفاً مهماً. فلم يعد التلفزيون الوطني المصدر الوحيد للصورة والخبر والترفيه، بل ظهر فاعل جديد أدخل إلى المجال السمعي البصري منطق التعدد واختلاف البرمجة.
ولم يكن الأمر مجرد إضافة قناة ثانية إلى جهاز التلفزيون؛ بل كان بداية تحول في علاقة المغربي بالصورة نفسها، إذ بدأ يختبر تعدد القنوات وتعدد زوايا سرد الحدث، فصارت كل سطوح البيوت تغزوها الصحون الهوائية لالتقاط القنوات الفضائية.
ومن الزاوية السيميائية، كانت تلك إحدى البدايات المحلية لمسار أطول: الانتقال من فضاء إعلامي شديد المركزية إلى فضاء تتعدد فيه العلامات والخطابات والمرجعيات. ولم يعد السؤال لاحقاً فقط: «ماذا تعرض القناة؟»، بل أصبح أيضاً: «أي قناة نختار؟ وأي واقع تصنعه لنا؟».
وبعدها جاءت تجربة «التناوب التوافقي» سنة 1998 لتشكل علامة سياسية بارزة، إذ كُلّف عبد الرحمان اليوسفي، أحد أبرز وجوه المعارضة التاريخية، بتشكيل الحكومة. ولم يكن وصوله إلى رئاسة الحكومة مجرد تناوب سياسي؛ فقد حمل دلالة رمزية أعمق: المعارضة التي أمضت عقوداً في مواجهة السلطة أصبحت تشارك في تدبير الشأن الحكومي، وانتقلت مفردات مثل «النضال» و«المعارضة» و«التغيير» من ميدان الاحتجاج إلى اختبار الممارسة.
وفي الوقت نفسه، كان تحول آخر يجري داخل الكليات المغربية. فالجامعة التي كانت طويلاً أحد معاقل اليسار والحركة الطلابية أصبحت، منذ أواخر الثمانينيات وبصورة أوضح خلال التسعينيات، فضاء لصعود تيارات إسلامية تنافس الخطابات اليسارية والعلمانية التي طبعت مراحل سابقة.
ولم يتوقف التحول عند موازين القوى بين التنظيمات الطلابية، بل شمل الدلالات نفسها: الشعارات، واللغة، واللباس، وطبيعة القضايا المطروحة. وأصبحت الجامعة أحد الفضاءات التي تُنتج فيها علامات اجتماعية جديدة قبل أن تنتقل إلى المجتمع الأوسع.
ثم جاءت سنة 1999 لتشكل منعطفاً بارزاً. فقد تزامنت وفاة الملك الحسن الثاني واعتلاء الملك محمد السادس العرش مع اقتراب الانتقال من قرن إلى آخر. ولم يكن الأمر مجرد انتقال للعرش من ملك إلى آخر، بل بدا، في المخيال الجماعي، انتقالاً بين زمنين، ترافق مع تغير في اللغة والصورة والانتظارات، وبروز مفردات مثل القرب، والتنمية، ومحاربة الفقر والإقصاء، وتحديث الدولة والحكامة.
وحملت تلك اللحظة، سيميائياً، دلالتين متلازمتين: استمرارية المؤسسة من جهة، وانتظار التجدد من جهة أخرى.
وخلال العقد الأول من القرن الجديد، ترافقت هذه التحولات مع إصلاحات مجتمعية ومؤسساتية بارزة. فجاءت مدونة الأسرة سنة 2004 بعد نقاش واسع حول مكانة المرأة والأسرة والمرجعية الدينية، وفي الفترة نفسها مثلت هيئة الإنصاف والمصالحة محطة أساسية في معالجة إرث الانتهاكات لحقوق الإنسان المرتبطة بما اصطلح على تسميته «سنوات الرصاص»، فدخلت إلى المجال العام بقوة مفردات الذاكرة والحقيقة والإنصاف والمصالحة.
ثم أُطلقت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، في سياق اتسع فيه حضور مفاهيم التنمية البشرية والإدماج والمشاركة.
لم تكن هذه المحطات منفصلة بعضها عن بعض. فقد كان المغرب ينتقل تدريجياً من قاموس سياسي ارتبط طويلاً بالسلطة والمعارضة والصراع الإيديولوجي، إلى قاموس جديد تتقدم فيه مفردات الإصلاح والمصالحة والتنمية والحكامة والمشاركة.
بعد ذلك، جاء دستور 2011 في سياق إقليمي ودولي مضطرب مع اندلاع ما سُمّي بـ«الربيع العربي». واتجه المغرب نحو مسار إصلاحي أفضى إلى دستور جديد، ثم إلى انتخابات تشريعية تصدرها حزب العدالة والتنمية، لينتقل بدوره من موقع المعارضة إلى قيادة الحكومة.
وبذلك تحمل المسافة بين 1998 و2011 دلالة خاصة: في بدايتها انتقلت المعارضة اليسارية التاريخية، مع حكومة عبد الرحمان اليوسفي، من المعارضة إلى تدبير الشأن الحكومي؛ وفي نهايتها انتقل حزب العدالة والتنمية من المعارضة إلى قيادة الحكومة.
وبين اللحظتين تغيرت الأحزاب والمرجعيات، لكن ظل سؤال واحد قائماً:
ماذا يحدث للخطاب السياسي حين ينتقل من وعد المعارضة إلى قيود الممارسة؟
إلا أن خصوصية التحول المغربي لا تكمن فقط في هذه التغيرات المؤسساتية والسياسية، بل أيضاً في تراكب الأزمنة والأنظمة الرمزية وتأثير التيارات الشرقية والغربية في المواطن المغربي.
فنحن لم ننتقل ببساطة من مجتمع تقليدي إلى مجتمع رقمي. ما تزال الثقافة الشفوية حاضرة، والعلاقات العائلية والجماعية تحتفظ بجزء كبير من قوتها، والإعلام التقليدي ما زال فاعلاً، وفي الوقت نفسه دخلت الشبكات الرقمية بقوة إلى قلب الحياة اليومية.
هكذا أصبح الفرد المغربي يعيش داخل أكثر من زمن اجتماعي في الوقت نفسه. يمكنه أن يتلقى أخباره عبر «تيك توك» أو «فيسبوك»، وأن يناقشها في المقهى وفق تقاليد قديمة في الجدل الشفهي، وأن يتحرك داخل شبكة تضامن عائلية راسخة، ثم يتعامل مع الإدارة عبر منصة رقمية.
ليست هذه مجرد مفارقة اجتماعية، بل تراكب لأنظمة من العلامات والقيم والمرجعيات. فالحداثة الرقمية لا تمحو القديم، بل تستقر فوقه وإلى جانبه وتدخل معه في تفاوض دائم.
بالموازاة، ظهرت أشكال جديدة من الاحتجاج والتعبئة خارج الهياكل التقليدية للأحزاب والنقابات، فتغير منطق الفعل الجماعي نفسه. ففي السابق، كانت المنظمة أو الحزب أو النقابة تنتج الشعار ثم تنقله إلى الشارع؛ أما اليوم، فقد يبدأ كل شيء بعلامة: وسم، أو فيديو، أو صورة، أو عبارة قصيرة، ثم تتجمع حولها جماعة، وقد ينشأ لاحقاً شكل من أشكال التنظيم.
شهدت هذه الفترة بروز هيئات للتنسيق الوطني خارج الأطر النقابية التقليدية، وظهور حركات مواطنة أخذت تنازع الأشكال الكلاسيكية للتمثيل السياسي، من حركة 20 فبراير إلى «جيل زد 212». ورأيتُ إيديولوجيات الأحزاب السياسية تتبادل قمصانها، حتى كادت أحياناً لا تشكّل سوى قميص واحد متعدد الألوان.
وباختصار، كان ذلك، بالنسبة إلى كثيرين، بداية قطيعة مع الطبقة السياسية، وخطاباتها المعاد تسخينها، ولغتها الخشبية. وهكذا لم تعد المنظمة وحدها هي التي تنتج العلامة؛ أصبح في إمكان العلامة نفسها أن تسهم في إنتاج التنظيم.
وفي الآن نفسه، تراجعت الحدود الإيديولوجية بين أحزاب كانت تقدم نفسها في الماضي باعتبارها متعارضة في المرجعيات، حتى بات من الصعب أحياناً تحديد أين ينتهي خطاب حزب ويبدأ خطاب آخر. ومن الناحية الدلالية، لا يعني ذلك فقط أن السياسة تغيرت، بل إن نظام علاماتها نفسه تغير. فحين تتشابه الشعارات والبرامج والمفردات، يصبح الصراع أقل حول المعنى وأكثر حول الصورة والحضور والقدرة على الانتشار.
وتزداد خصوصية هذا التراكب لأن الانتقال المغربي لم يمر دائماً عبر المسار الكلاسيكي من الثقافة الشفوية إلى الثقافة المكتوبة ثم إلى الثقافة الرقمية. فالهاتف الذكي، بالصوت والصورة والفيديو، أتاح لجزء من المجتمع أن ينتقل مباشرة من فضاء شفهي قوي إلى فضاء بصري فائق الوساطة. وهكذا لم تُلغَ الشفوية، بل أعيد تشكيلها داخل الوسائط الرقمية، فأصبح المقهى و«الحلقة» والذاكرة الشفوية تتجاور، أحياناً في الشخص نفسه، مع «تيك توك» والخوارزمية والبث المباشر حتى أصبح يُلقب بالإعلام البديل.
من سلطة المعلومة إلى سلطة الظهور
بالتوازي مع كل هذه التغييرات، كان الاقتصاد العالمي يعيد تشكيل نفسه. فدخول الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001 أعاد توزيع جزء كبير من القوة الصناعية وسلاسل الإنتاج. وأحداث 11 سبتمبر دشنت مرحلة جديدة من المراقبة الأمنية والتحكم في الحدود والاتصالات وتدفقات الأشخاص والمعلومات. ثم جاءت الأزمة المالية العالمية في 2007 و2008 لتكشف هشاشة أنظمة مالية كان كثيرون يعتقدون أنها أكثر صلابة مما هي عليه.
لكن التحول الأعمق حدث في طبيعة القوة الاقتصادية نفسها. فمصادر النفوذ لم تعد مرتبطة فقط بالنفط والمعادن والمصانع، بل أيضاً بالمنصات والبرمجيات والخوارزميات والبيانات. تحولت المعلومة إلى ثروة، والانتباه إلى سوق، والقدرة على تحديد ما نراه وما لا نراه إلى شكل جديد من أشكال السلطة.
إن سلطة القرن الحادي والعشرين لا تحتاج دائماً إلى أن تأمرك بما ينبغي أن تفكر فيه. يكفيها، أحياناً، أن تحدد ما الذي سيظهر أمامك أولاً على الشاشة، وما الذي سيختفي في قاع التدفق.
وهنا تكمن إحدى أهم التحولات السيميائية في عصرنا، إذ لم تعد السلطة تتحكم فقط في مضمون الرسالة، بل في شروط ظهورها.
والأمر لا يقف عند تحديد ما يظهر وما يختفي. فالخوارزمية لا تنتظر دائماً أن نعبر عن رغباتنا؛ إنها تستنتجها من آثارنا السابقة، وتعيد ترتيب العالم أمامنا على أساس ما تتوقع أننا سنرغب فيه.
وبالتالي، لا تختار لنا العلامات فقط، بل تسهم في تضييق مجال ما يمكن أن نراه ونفكر فيه ونرغب فيه.
نعتقد أننا نختار داخل فضاء مفتوح، بينما يكون جزء من هندسة هذا الفضاء قد صُمم قبل أن نصل إليه.
من ندرة المعلومة إلى ضجيج المعنى
عرف جيلنا زمناً كان فيه الوصول إلى معلومة يتطلب كتاباً أو مكتبة، وربما ساعات من البحث. أما اليوم، فتكفي ثوان للحصول على كمية من المعلومات كان جمعها يحتاج سابقاً إلى أيام.
إنه تقدم هائل لا يمكن إنكاره. لكن المشكلة لم تختف؛ لقد تغيرت.
لم يعد التحدي هو الوصول إلى المعلومة، بل معرفة ماذا نفعل بها.
وحين يصبح كل خبر «عاجلاً»، وكل حدث «تاريخياً»، يصبح تمييز ما يستحق الانتباه أصعب من مجرد الوصول إليه.
وحين تكون الآراء كلها متاحة في الوقت نفسه، تصبح القدرة على التمييز بينها أهم من مجرد الاطلاع عليها.
نحن نعرف أكثر، لكننا لا نفهم بالضرورة أكثر.
وهو فرق جوهري.
فالمعلومة مادة أولية، أما المعرفة فهي بناء. والمعرفة نفسها لا تتحول إلى حكمة إلا حين تدخل في علاقة مع التجربة والحكم والشك والقدرة على ترتيب الأولويات.
الذكاء الاصطناعي وسؤال الإسناد
هنا يفتح الذكاء الاصطناعي التوليدي مرحلة أخرى. فمنذ إتاحة أدوات مثل «شات جي بي تي» للجمهور في نهاية سنة 2022، لم نعد أمام آلات تخزن المعلومات أو تبحث عنها فقط، بل أمام أدوات تنتج اللغة، وتلخص النصوص، وتكتب البرامج، وتحلل البيانات، وتشارك في عمليات كانت، إلى وقت قريب، مرتبطة حصراً بالنشاط الذهني البشري.
ولذلك لم يعد السؤال الحقيقي: ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟ بل: ما الذي نريد نحن أن نستمر في القيام به بأنفسنا؟
لكن هناك سؤالاً آخر لا يقل أهمية: من يتكلم حين تتكلم الآلة؟
لسنا أمام مؤلف بالمعنى التقليدي، ولا أمام شاهد عاش تجربة، ولا أمام باحث يمكن رد كلامه مباشرة إلى سيرة أو موقف أو ذاكرة شخصية. نحن أمام خطاب قد يبدو متماسكاً ومقنعاً، لكنه يجعل موقع المنتج أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً.
وتزداد المسألة تعقيداً حين ينفصل الخطاب عن مسؤولية قائله. ففي التواصل البشري التقليدي، كان من الممكن، في الغالب، رد الكلام إلى ذات أو مؤسسة لها موقع وذاكرة ومصلحة ومسؤولية. أما مع الخطاب المولد آلياً، فقد يظهر أمامنا قول متماسك وذو سلطة لغوية من دون أن يكون وراءه «متكلم» بالمعنى الإنساني الكامل.
إذن، لا يصبح السؤال فقط: من يقول هذا؟ بل أيضاً: من يتحمل مسؤولية ما يُقال؟
لذلك فإن الذكاء الاصطناعي لا يلغي السؤال القديم «من يقول هذا؟»، بل يجعله أكثر إلحاحاً.
ويزداد الالتباس لأن الإنسان يميل إلى إسناد النية إلى اللغة المتماسكة. فحين تخاطبنا الآلة بضمير المتكلم، وتجيب بثقة، وتعتذر، وتقترح، يسهل علينا أن ننسب إليها قصداً أو فهماً أو حتى موقفاً، مع أن ما نواجهه ليس ذاتاً بشرية ذات تجربة وذاكرة ووعي بالمعنى الإنساني.
وقد يكون أحد تحديات المرحلة المقبلة أن نتعلم كيف نستفيد من خطاب الآلة من دون أن نسقط عليها صفات المتكلم الإنساني.
فأضحى أنه لا يكفي أن نسأل إن كانت الإجابة صحيحة أو مقنعة، بل علينا أيضاً أن نسأل: من أين جاءت؟ وعلى أي معطيات بُنيت؟ وما الذي اختير وما الذي استُبعد؟ وما الانحياز الذي قد يكون كامناً في مسار إنتاجها؟
وهنا يصبح دور المدرسة والجامعة أكثر أهمية.
فليس من المنطقي أن نطالب الطالب بإعادة إنتاج ما تستطيع الآلة إنجازه في ثوان، ثم نتصرف كما لو أن معنى التعليم لم يتغير.
لن تكون مهمة المدرسة المقبلة حشو الذاكرة بالمعلومات، بل تعليم الإنسان كيف يسأل، ويشك، ويميز بين الحقيقة والاحتمال، وكيف يتحمل مشقة البحث والخطأ وإعادة المحاولة.
أما المؤسسات التعليمية، فلا ينبغي أن تكتفي بتعليم المهارات التي يمكن للآلة أن تتفوق فيها بسرعة، بل عليها أن تعيد الاعتبار إلى نقد الخطاب:
من يتكلم؟ ومن أي موقع؟ ولأي غرض؟ وبأي أدوات؟ ووفق أي اختيار للوقائع؟
أي أن تدرب على نقد المعرفة، لا على استهلاكها فقط.
وعليها أيضاً أن تظل فضاء للزمن الطويل، وللقراءة والنقاش والنضج الفكري، في مواجهة ضغط القياس المستمر للمؤشرات والمنشورات والتصنيفات.
فالخطر أن نخلط بين قياس المعرفة والمعرفة نفسها، وأن يصبح الزمن العلمي أسيراً للزمن المحاسباتي.
من اقتصاد السمعة إلى اقتصاد الظهور
لم تختف القيم، كما يحب البعض أن يقول؛ لكنها تغيرت، وتغير ترتيبها. في الماضي، كانت المكانة الاجتماعية تُبنى، إلى حد بعيد، على الأسرة والمهنة والعلم والسمعة المتراكمة عبر الزمن. أما العالم الرقمي فأضاف مقاييس جديدة: عدد المتابعين، وحجم الجمهور، ونسبة التفاعل، والقدرة على الانتشار.
وبالتالي، انتقلنا جزئياً على الأقل، من اقتصاد السمعة إلى اقتصاد الظهور.
فالسمعة تحتاج إلى زمن وتراكم أفعال، أما الظهور فقد يصنعه مقطع واحد خلال ساعات، ويرتبط بقدرة صاحبه على احتلال الشاشة في اللحظة المناسبة.
حتى السعادة تغيرت علاماتها. فلم يعد يكفي، أحياناً، أن يكون الإنسان سعيداً؛ أصبح عليه أن يعرض سعادته أيضاً. وهكذا صرنا نقارن كواليس حياتنا بواجهات حياة الآخرين.
وحين يصبح كل شيء قابلاً للقياس، يظهر خطر أن نخلط بين ما يمكن عده وما يستحق أن يُعتد به.
الأسرة: أفرادها مجتمعون في المكان، متفرقون في العالم
يظهر هذا التحول بوضوح أكبر داخل الأسرة. لقد كانت الأسرة فضاء لنقل الذاكرة والقيم والحكايات والعادات. وكان للبيت جو خاص يتسم بالدفء والحنان، ويحمل دلالة الحدود، فحين يُغلق الباب، تتجمع الأسرة ليبقى جزء من العالم في الخارج.
اليوم، لم يعد ذلك ممكناً بالمعنى نفسه.
الأخبار والعمل والصراعات والصور والمنصات والإشعارات تدخل البيت في كل لحظة. ويمكن لأفراد الأسرة أن يجلسوا حول المائدة نفسها، بينما يكون كل واحد منهم حاضراً في عالم آخر.
إنهم مجتمعون جسدياً، لكنهم قد يكونون متفرقين رمزياً؛ كل واحد منهم منغمس في فضائه الخاص مع أسرة افتراضية. بل إننا، في بعض اللحظات، لا نصنع الذكريات بقدر ما نصنع محتوى عنها.
وقد يتحول القريب، بالتدريج، من حضور إنساني كامل إلى اسم في قائمة اتصالات، نرسل إليه رمزاً تعبيرياً لكي نقول إننا ما زلنا نتذكره.
وهنا تظهر بعض حدود الآلة مهما بلغت قدرتها: يمكنها أن تقدم معلومة، وأن تستعيد بيانات، وأن تحاكي أنماطاً من اللغة، لكنها لا تستطيع أن تمنحنا نسباً ولا ذاكرة عائلية، ولا أن تعيش معنى المكان كما يعيشه من وُلد فيه، وأحب فيه، وفقد فيه أحداً.
الشعبوية حين تختصر الخوارزمية العالم
غيرت الشبكات الاجتماعية أيضاً شكل النقاش السياسي. فالواقع معقد، غير أن المنصات تميل إلى مكافأة ما هو سريع ومثير وقابل للمشاركة. والتحليل يحتاج إلى وقت، والشعار إلى ثوان، والحجة إلى بناء؛ أما الغضب فيكفيه زر.
ومن هنا تستمد الخطابات الشعبوية جزءاً من قوتها. فهي تحول واقعاً معقداً إلى قصة بسيطة، وتقسمه بسهولة إلى شعب بريء ونخبة مذنبة، أو إلى وطن مهدد وعدو واضح، أو إلى حقيقة مطلقة وكذب مطلق. ولا يعني ذلك أن الغضب الاجتماعي غير حقيقي، أو أن الاختلالات مجرد أوهام. بل على العكس، فكثير من الخطابات الشعبوية تنطلق من مشكلات حقيقية، لكنها تمنحها تفسيراً شديد الاختزال.
والخطر الأكبر هو نشوء قبائل رقمية تنغلق كل واحدة منها داخل سرديتها، وتتلقى أساساً ما يؤكد ما تعتقده مسبقاً.
فالخوارزمية، في النهاية، لا تبحث عن الحقيقة بالمعنى الفلسفي للكلمة؛ إنها مصممة، في جانب كبير من عملها، لترتيب المحتوى وفق مؤشرات من بينها الجذب والتفاعل والاستبقاء. وهذا يجعل اليقين أكثر قابلية للتداول من الشك، والغضب أسرع انتشاراً من التردد، والعبارة القصيرة أكثر ملاءمة لمنطق المنصة من الفكرة المركبة.
ولعل ما نشاهده أحياناً من تفاعل بعض المغاربة مع الوسوم والأخبار الزائفة والمقاطع المقتطعة من سياقاتها لخير مثال على ذلك.
وربما أصبحت إحدى أكثر الجمل صعوبة في عصرنا هي: الأمر أكثر تعقيداً من ذلك.
الصمت: آخر مساحات السيادة
وسط كل هذه التحولات، هناك خسارة نادراً ما نتحدث عنها: الصمت.
كان الإنسان ينتظر في محطة، أو يسير في شارع، أو يجلس قبل النوم، فتمر لحظات لا يحدث فيها شيء.
وكان ذلك «اللاشيء» مهماً، ففيه كانت تولد الذكريات والأفكار والخيال، بينما اليوم، كل ثانية فارغة قابلة لأن تملأها الشاشة. لقد كدنا نهزم الملل.
لكن ربما كان للملل وظيفة، ولربما أيضاً فقدنا ميزة التأمل.
فعندما نفقد القدرة على البقاء وحدنا مع أفكارنا، يظهر سؤال بسيط ومقلق: كيف نعرف أن الأفكار التي تسكننا هي أفكارنا فعلاً؟
ولعل قيمة الصمت اليوم لا تكمن في غياب الأصوات، بل في قدرته على حماية مساحة داخلية لا تكون مشغولة باستمرار.
ففي تلك المساحة يتشكّل التردد، ويُعاد ترتيب الذاكرة ،ويتباطأ الحكم، وتصبح الفكرة قادرة على أن تنضج قبل أن تتحول إلى رد فعل.
وربما تكون إحدى رهانات الإنسان في العصر الرقمي هي الحفاظ على جزء من ذاته لا يُستدعى فوراً إلى التفاعل.
قد يصبح الصمت، في عالم الاتصال الدائم، واحداً من آخر أشكال السيادة الفردية.
الإنسان ذو القدرات المعززة… أم الإنسان المعتمد؟
هنا أصل إلى المفارقة التي تبدو لي الأكثر أهمية بعد أربعين عاماً من الملاحظة. نحن نتحدث كثيراً عن إنسان تعززه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبيانات والاتصال الدائم. لكن ماذا لو كان هذا التعزيز الخارجي مصحوباً بتناقص داخلي؟
ثم ماذا يحدث لذاكرتنا حين نخزن كل شيء خارجها؟
ولانتباهنا حين يتفتت باستمرار؟
ولصبرنا حين يصبح الانتظار غير محتمل؟
ولحكمنا حين نفوض صياغة الأجوبة إلى الآلة؟
قد نصبح أكثر قوة من الخارج، وأكثر اعتماداً من الداخل. أكثر اتصالاً، وأقل قرباً.
أكثر وصولاً إلى المعلومات، وأقل قدرة على ترتيبها. أكثر قدرة على الحصول على الأجوبة، وأقل تمرساً على صناعة الأسئلة.
ولذلك فإن الخطر الحقيقي للذكاء الاصطناعي، في نظري، لا يكمن فقط في أن تصبح الآلة شبيهة بالإنسان.
الخطر الأكبر أن يبدأ الإنسان في العيش مثل الآلة. لكن ينبغي أيضاً أن نحترس من حكم متسرع آخر.
فمن الممكن ألا يكون الإنسان المعاصر أقل إنسانية بالضرورة، بل لعل شروط إنسانيته نفسها هي التي تتغير. فالذاكرة لم تختف، لكنها أصبحت موزعة بين الدماغ والأجهزة؛ والعلاقات لم تنته، لكنها أخذت أشكالاً جديدة؛ والحضور لم يعد دائماً جسدياً؛ وحتى الهوية أصبحت أكثر سيولة بين العالمين الواقعي والرقمي.
لذلك قد لا يكون السؤال فقط: ماذا فقد الإنسان؟
بل أيضاً: أي إنسان يتشكل أمامنا؟ وأي قيم نريد أن نحملها معنا إلى هذا الشكل الجديد من الوجود؟
من سباق القدرة إلى حماية الإنسان
ليس الهدف من كل ذلك تمجيد الماضي، ولا مجرد الإدلاء بشهادة على فترة مفصلية. فالعالم القديم لم يكن جنة. كانت له حروبه واستبداده وفقره وأوهامه وتفاوتاته. وليس المطلوب رفض التكنولوجيا أو مقاومة التقدم. بل المطلوب أن تتطور حكمتنا بالسرعة نفسها التي تتطور بها قدرتنا.
أن نتعلم البطء حين يتسارع كل شيء، والصمت وسط الضجيج، والشك أمام اليقين الزائف، والحضور حين تصبح الحياة كلها اتصالاً.
هذه ليست بقايا عالم يحتضر، بل قد تصبح من أثمن المهارات الإنسانية في العالم القادم.
لقد صنعنا آلات تقدم لنا عدداً متزايداً من الأجوبة، ويبقى علينا أن نحافظ على قدرة قد تصبح أندر منها جميعاً: القدرة على التساؤل.
فربما لن يكون التقدم الحاسم المقبل للبشرية تكنولوجياً فقط. سيكون، قبل كل شيء، تقدماً في الإنسان نفسه.
وبعد أربعين عاماً من القراءة والبحث والملاحظة، قد يبدو هذا الاستنتاج للبعض متشائماً.
لكن الرهان الحقيقي، في تقديري، لن يكون في سباق القدرة التقنية وحدها، بل في قدرتنا على حماية خصوصيتنا البشرية: تلك المساحة التي يبقى فيها للإنسان وقت للصمت والشك والتردد وإعادة النظر واتخاذ القرار، قبل أن تتحول كل فكرة إلى استجابة، وكل تجربة إلى محتوى، وكل اختيار إلى أثر رقمي قابل للقياس والتوقع.
فمرحباً بالتطور؛ فهو طموح مشروع، بل ضرورة من ضرورات الإنسان. لكن لا بأس بأن نحتفظ، في قلب التفاؤل، بشيء من الحذر.
فمن حلم بالطيران كان متفائلاً بلا شك…
ربما كان علينا دائماً أن نحتفظ بقليل من التشاؤم، لكي يفكر أحدهم في اختراع المظلة.



