هل انحاز ماكرون إلى إسبانيا على حساب المغرب؟
أرى أن العلاقات الثلاثية الفرنسية الإسبانية المغربية شهدت منعطفا جيوسياسيا حاسما إثر التصريحات الصادرة عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مدريد، عقب أزمة التدفق الجماعي للمهاجرين نحو شبه الجزيرة الإيبيرية عبر جيب سبتة المحتلة.
يتجاوز هذا الحدث في تقديري سياق التضامن الإقليمي البروتوكلولي ليمس عمق العقائد الدبلوماسية المستقرة في حوض البحر الأبيض المتوسط، مما يفرض تساؤلا جوهريا حول المدى الذي تمثل فيه هذه التصريحات تحولا استراتيجيا وانحيازا بنيويا لصالح الرواية الإسبانية على حساب الشراكة التاريخية مع المملكة المغربية، وكيف يمكن تفسير هذا التحول في ضوء القانون الدولي والترتيبات الأمنية الإقليمية.
إن التدقيق الرصين في مضامين الخطاب الفرنسي يكشف أن مواقف باريس لم تكن مجرد مناورة سياسية لحظية، بل شكلت انحيازا صريحا وممنهجا يتبنى المقاربة السيادية والسياسية لإسبانيا. ويمثل هذا الموقف قطيعة مع الحياد الإيجابي التقليدي لفرنسا، من خلال إضفاء شرعية قانونية وأمنية أوروبية على وضعية سبتة المحتلة، مما يضعف موضوعيا الأطروحة المغربية القائمة على تصفية الاستعمار وتكامل التراب الوطني.
ويظهر لي هذا التحول بشكل جلي عند مقارنة الموقف الحالي بالتقليد الرئاسي الفرنسي المستقر؛ فقد دأب الرؤساء السابقون، وفي مقدمتهم جاك شيراك ونيكولا ساركوزي، على تبني عقيدة الحياد الإيجابي وتجنب التدخل المباشر في النزاعات السيادية الحساسة بين الرباط ومدريد. غير أنني أرى أن المقاربة الحالية لباريس قد قطعت مع هذا الإرث الدبلوماسي المتوازن، واستبدلته ببراغماتية انحيازية واضحة تقدم التضامن الأوروبي على الشراكة التاريخية المغاربية.
المرتكزات البنيوية لصياغة الخطاب الفرنسي
ينبثق تحليلنا هذا من ثلاثة مرتكزات بنيوية صاغت جوهر الخطاب الفرنسي؛ أولها يعود إلى التكييف القانوني وإعادة صياغة المفهوم السيادي للحدود، حيث عمد الخطاب الفرنسي إلى إسباغ وصف الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي على مدينة سبتة.
من الناحية القانونية والدبلوماسية، أعد هذا التوصيف اعترافا فرنسيا صريحا بالسيادة الإسبانية على الثغر، وهو موقف يتصادم مباشرة مع المبدأ القانوني المغربي الذي يصنف سبتة ومليلية كثغور مغربية مستعمرة خاضعة لمبدأ استكمال الوحدة الترابية. وعليه، فإن إدخال هذا التوصيف في القانون الدولي الإقليمي يسعى إلى نزع الصبغة الثنائية عن النزاع وتحويله إلى مواجهة بين دولة ثالثة والكتلة الأوروبية كاملة.
وعند تفكيك الأبعاد القانونية المشكلة لمرجعية الاتحاد الأوروبي، يتبين أن التكييف الجماعي لحدود سبتة ومليلية يعتمد على قراءة انتقائية لأحكام القانون الدولي، ولا سيما المادة 355 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي التي تدرج المدينتين ضمن أقاليم الدول الأعضاء ذات الوضع الخاص.
غير أن هذا التبني الأوروبي الذي تزعمته باريس يغفل عمدا الالتزامات الدولية المتعلقة بتصفية الاستعمار، حيث يصطدم التكييف الأوروبي للحدود مباشرة مع المركز القانوني للثغور الشمالية باعتبارها أراض خاضعة للنزاع التاريخي ولم تحظ قط باعتراف أممي بشرعية السيادة الإسبانية عليها.
بناء على ذلك، أرى أن محاولة إلحاق المدينتين بالمنظومة القانونية الإقليمية لمعاهدة شينغن، أو توسيع صلاحيات الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل فرونتكس لتشمل خطوط التماس، لا يعدو كونها محاولة لفرض الأمر الواقع التشريعي وتسييس القواعد الجنائية الدولية المتعلقة بمكافحة الاتجار بالبشر، وذلك بهدف إخفاء الطبيعة السياسية للمملكة المغربية وتدويل نزاع إقليمي ثنائي الأصل بامتياز.
ويتجلى المرتكز الثاني في التكييف الجنائي والسياسي للأزمة؛ فإن وصف الرئيس الفرنسي للأحداث بأنها "هجوم خارجي متعدد الأبعاد" ينقل المسألة من إطارها الطبيعي المرتبط بأزمة هجرة غير نظامية ذات أبعاد إنسانية واقتصادية، إلى إطار أمني وسياسي حاد. هذا التكييف الجنائي يتقاطع موضوعيا مع الرواية العنصرية لليمين الإسباني، التي تصنف تدفقات الهجرة باعتبارها تهديدا هجينا يستهدف تقويض السيادة، وهو ما يحمل إدانة سياسية ضمنية ومباشرة لبلد المنشأ أو العبور.
وينقاد هذا المرتكز نحو بعد استراتيجي ثالث يتعلق بتنزيه المسؤولية واللوم المبطن؛ فمن خلال التأكيد على أن إسبانيا لم تنظم هذا العبور، قسم الخطاب الدبلوماسي الفرنسي الأدوار استراتيجيا بين ضحية منظمة ومتضررة، وبين طرف آخر يعزى إليه التقاعس الإيجابي أو غض الطرف عن حماية الحدود الإقليمية، مما يخل بمبدأ المسؤولية المشتركة المعمول به في الاتفاقيات الأمنية الدولية.
تفكيك دفوع المقاربة الواقعية
وفي مقابل هذا الطرح، قد يجادل بعض المحللين في المدرسة الواقعية للدبلوماسية بأن القول بانحياز فرنسي مطلق ينطوي على مبالغة تحليلية، مستندين إلى أن الخطاب الفرنسي تميز بالذكاء الدبلوماسي عندما تجنب الإشارة المباشرة أو الاسمية للمملكة المغربية كمسؤول عن الأزمة، بل أحال المسؤولية القانونية والجنائية على شبكات الاتجار بالبشر والمنصات الرقمية.
كما يسوق أصحاب هذا الدفع حجة أن باريس حرصت في ذات التصريح على تأكيد استمرار الحوار والتعاون التقني والأمني مع الرباط لإعادة المهاجرين وضبط الحدود، مما يعني في نظرهم الحفاظ على البنية الوظيفية للشراكة الأمنية الممتدة عبر مضيق جبل طارق والباحثة عن استقرار دائم لتدفقات الهجرة الوافدة من دول جنوب الصحراء.
دحض التبريرات الدبلوماسية
غير أنني أرى أن هذا التفكيك التبريري يغفل جوهر السياسة الخارجية وأثرها الاستراتيجي والقانوني؛ فعدم ذكر المغرب بالاسم لا ينفي المسؤولية السياسية، إذ في الجغرافيا السياسية للهجرة، عندما يتم تبرئة الطرف المستقبل بالكامل ووصف الفعل بالهجوم الخارجي، فإن التهمة تقع تلقائيا وبالضرورة الجغرافية على الطرف الذي انطلقت منه التدفقات البشرية عبر المعابر الحدودية للثغر المحتل. إن استخدام فاعلين غير دولتيين كشبكات التهريب الرقمية هو مجرد تخريج لغوي لتفادي أزمة دبلوماسية علنية، دون أن يلغي ذلك الإدانة البنيوية للموقف المغربي.
فضلا عن ذلك، فإن فصل التعاون التقني الأمني عن الدعم السياسي السيادي هو مناورة كلاسيكية؛ ففرنسا تحتاج إلى المغرب كشريك أمني لحماية جنوب أوروبا، لكنها في نفس الوقت تحرمه من الدعم السياسي لملفاته السيادية، مما يعني أن التأكيد على التعاون الأمني ليس توازنا، بل هو مصلحة براغماتية بحتة لباريس، في حين أن الموقف الاستراتيجي الشامل تم حسمه بالكامل لصالح مدريد لحماية المصالح الأوروبية المشتركة وتثبيت التحالفات الإقليمية داخل البيت الأوروبي.
آفاق العلاقات الإقليمية وإعادة ترتيب الأولويات
وعلى ذلك، أخلص إلى أن تصريحات باريس في مدريد شكلت تحولا استراتيجيا عاصفا في التوازن الدبلوماسي، وانحيازا غير متكافئ وظف اصطلاحا سياسيا وقانونيا مغرضا لصالح السيادة الإسبانية.
ومن وجهة نظرنا، فإن هذا التموقع الجديد لفرنسا، القائم على تقديم التضامن الأوروبي العقائدي على الحسابات الجيوسياسية الإقليمية، قد يفرض على الدبلوماسية المغربية إعادة تقييم شاملة لمفهوم الشريك الاستراتيجي الموثوق، والبحث عن توازنات جديدة في عالم لم يعد يعترف بالحياد الرمادي. إن هذا التحول يعكس رغبة باريس في إرساء نمط جديد من العلاقات يربط المنفعة الأمنية بالولاء السياسي التام، وهو أمر قد يعيد ترتيب أولويات الرباط الخارجية تجاه العواصم الأوروبية الفاعلة في الملفات الإقليمية الساخنة.
ولا شك أن التداعيات المستقبلية لهذه المقاربة الفرنسية ستلقي بظلالها على قنوات التنسيق المشترك، وتدفع نحو تبني استراتيجيات مغربية أكثر حزما في إدارة النزاعات الحدودية والدفاع عن مغربية الثغور الشمالية المحتلة في المحافل الدولية والإقليمية.
إن إخراج النزاع الثنائي الإسباني المغربي من دائرته الضيقة وتدويله عبر البوابة الفرنسية يمثل محاولة لإعادة صياغة موازين القوى في منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط. إن هذا التموقع لا يخدم السلم الإقليمي بل يعمق الهوة بين ضفتي المتوسط، ويجعل من ملف الهجرة الإنساني ورقة ضغط سياسي بامتياز يتم تكييفها قانونيا لخدمة أجندات سيادية ضيقة على حساب التنمية المشتركة والاستقرار الجيوسياسي المستدام.
إن الدبلوماسية المغربية مطالبة اليوم بالرد على هذه المقاربات التمييزية من خلال تعزيز تحالفاتها الجيواستراتيجية وتنويع الشركاء الدوليين لمواجهة سياسة المحاور الأوروبية التي تسعى إلى فرض الأمر الواقع القانوني والسياسي على حساب الحقوق التاريخية الثابتة للمملكة في استكمال وحدتها الترابية وحماية حدودها الوطنية من التدخلات الخارجية الساعية لتقويض أدوارها الإقليمية المتنامية.



