هل يمكن أن تتحول موريتانيا إلى دولة "فاشلة"؟

وضعية موريتانيا الحالية لها تأثير كبير على المغرب، بحكم أنها تشكل له مجالا استراتيجيا طبيعيا لا يمكن إغفاله أو تجاهله، مما يجعله يتأثر سلبا وإيجابا بوضعيتها، بحكم عدة عوامل منها الجغرافي والتاريخي والاجتماعي والثقافي والامتداد القبلي. 

فموريتانيا تتجسد فيها الأخطار التي تهدد الدول غير المستقرة، والتي يمكن أن تتحول إلى دولة فاشلة، حيث يشكل كل من الفساد وضعف مؤسسات الدولة والتوترات الاجتماعية والسياسية المتجذرة في النظام القبلي القديم والانقسامات العرقية، إضافة إلى تنامي التطرف في صفوف الشباب الموريتاني، مؤشرات على ارتفاع حدة المخاطر المحدقة، ومما يجعلها في وضعية انكشاف أمنى دائم بسبب اتساع الحدود بينها وبين مالي وقربها من مخيمات البوليساريو. 

ولادة الدولة

نشأت الدولة الموريتانية بعد الاستعمار الفرنسي، حيث يقول في هذا الصدد الباحث الموريتاني عبد الودود ولد الشيخ: "وبدأت الدولةُ الوليدة التزوّدَ بقواتِ أمنٍ أوّليّة (درك، حرس وطنيّ، شرطة)، والعملَ أيضًا على إنشاء جيش وطنيّ، استفاد في البداية من تأطيرٍ قدّمتْه إليه القوةُ الاستعماريّةُ السابقة. ويكتسي هذا التأطير أهميته البالغة من أنّ الفرنسيين كانوا، سنة 1960م، قد نجحوا بصعوبةٍ في أن يثْبتوا للسلطات المغربيّة، ولجيشِ التحرير الذي أرسلتْه للقتال في آدرار أنّ فرنسا لا تريد أن تدع المغربَ يضمّ موريتانيا" (جيش للقبائل؟ الجيش والحكم في موريتانيا). ترجمة: التاه ولد حبيب، وباب ولد حرمه - الموقع الالكتروني الآداب (موريتانيا)  24 ابريل 2017. 

فقد حصلت فرنسا للدولة الجديدة على اعتراف العديد من الدول من بينها تونس، رغم معارضة المغرب أنذاك والذي كان في وضعية لا يحسد عليها ويفصله عن المنطقة تواجد الاستعمار الإسباني بالصحراء، ولم يجد بعد ذلك بدا من الإقرار بالأمر الواقع ويعترف رسميا بموريتانيا سنة 1969م، بعد فترة من الزمن حاول فيها بشتى الوسائل تأكيد مطلبه بمغربية الأرض التي كانت تشكل وطيلة قرون مجاله الجنوبي وتدعى بلاد شنقيط.

  في هذا الإطار يقول أيضا الباحث الموريتاني عبد الودود ولد الشيخ : "ليس الجيش الموريتاني وريثًا لأيّ جهازٍ أو تقاليدَ عسكريّةٍ محلّيّة. وتشترك معه في ذلك الدولةُ نفسُها، فكلاهما من التركة التي خلّفتها الإدارةُ الاستعماريّةُ عند مغادرتها". ("جيش للقبائل؟ الجيش والحكم في موريتانيا").

 نفس الأمر يؤكده الكاتب الموريتاني حماه الله ولد السالم الّذي يرى أن موريتانيا صناعة فرنسية بامتياز، وأنها كيان سياسي فرنسي حدودا وإدارة وتنظيما وحتى استقلالا، كما يرى أيضا أن "الكيان القطري الذي يسمى موريتانيا تأسس بفعل عامل خارجي هو التدخل الاستعماري، وليس لمسار داخلي طبيعي ولم يتم تعيين حدود هذا الكيان إلا تدريجيا، واستجابة لاعتبارات خارجية ". ("جمهورية الرمال : حول أزمة الدولة الوطنية في موريتانيا" دار الكتب العلمية بيروت –لبنان الطبعة الاولى 2014، ص 36.)

هذا الأمر يستخلصه أيضا الكاتب الموريتاني أحمد محفوظ مناه حين يقول: "تبدو الدولة الموريتانية في نظر السكان الدين تعتبرهم رعاياها، مجرد مؤسسة متسيبة على كل المستويات تشرف على تنظيم رهانات القبائل حول الثروة والسلطة بشكل موسمي". ("ميراث "السيبة"، دراسة في تاريخ الثقافة السياسية ببلاد شنقيط "موريتانيا". المكتبة الوطنية نواكشوط 1994. ص 175).

 عجز الدولة الوليدة في إنشاء نظام عصري 

 وأمام عجز الدولة الوليدة في إنشاء نظام عصري، وجدت موريتانيا نفسها عرضة للتدمير الداخلي والتدريجي بسبب التوتر الإثني والعرقي والانتماءات القبلية، وأصناف التقسيم الاجتماعي الأخرى التي يقوم بإثارتها واستغلالها بعض الزعماء المحليين والسماسرة السياسيين المرتبطين أحيانا بمهربي المخدرات أو المتمردين الإقليميين، من أجل السيطرة على قنوات توزيع الموارد العمومية كتوزيع الأراضي أو الاشتراك في أرباح عائدات القطاعات غير الرسمية وتهريب المخدرات. لقد فشل الكيان  الذي أقامه الاستعمار الفرنسي في خلق هوية وطنية موحدة تقوم على احترام التعدد العرقي، مما سبب استمرار التوتر بين العرب والحراطين، والأفارقة السود الذين يشكلون الأقلية غير الناطقة باللغة العربية، والتي تعود أصول أغلبها إلي القبائل الزنجية المنتشرة على ضفتي نهر السنغال.

فالمجتمع الموريتاني ينقسم تاريخيا إلى طبقات اجتماعيه لكل منها وظيفتها الخاصة، حيث توجد طبقة حسان أو العرب في أعلى السلم الاجتماعي، تم تليهم طبقات اجتماعية أخرى منها الزوايا، اللحمة أوأزناكة، المعلمين، إيقاون، الحراطين والأرقاء، ولازال تأثير هذا التقسيم الطبقي قائما إلى اليوم في موريتانيا، حيث يلعب الأصل القبلي والإثني دورا مهما في التموقع داخل المجتمع، وبشكل عام موريتانيا مقسمة إلى مجموعتين سكانيتين، هما البيضان والأفارقة ذوي البشرة السمراء، ويسكن الأفارقة الذين تعود أصول معظمهم لدول الجوار خاصة من السنغال بمحاذاة نهر السنغال،  وتضم هذه المجموعة عرقيات الولوف، السوننكي، البولار أو الفلان، ويشكلون حوالي 20%، بينما يوجد البيضان (العرب والحراطين) في المناطق الأخرى، وقد كانوا في الأصل بدو رحل ويشكلون حوالي 80%  من مجموع ساكنة موريتانيا وهم ناطقون باللهجة الحسانية.  

تعدد المخاطر

تتعدد العوامل التي جعلت من موريتانيا بلدا هشا معرضا لكل المخاطر كالتواطؤ الحقيقي أو المزعوم للسلطات الموريتانية في تجارة المخدرات (سبق  أن اتهم النائب الفرنسي عن حزب الخضر في البرلمان الأوروبي نوييل مامير، الرئيس السابق محمد  ولد عبد العزيز برعاية المخدرات في المنطقة، في عدة لقاءات إعلامية. منها حلقة من برنامج “28 دقيقة” في المحطة الألمانية ـ الفرنسية (Arte) بتاريخ 21 يناير 2013، حول موضوع  الأزمة في مالي).وهشاشة الحدود، والموقع الجغرافي، وتفشي الفساد، وانتشار الفقر.

فموريتانيا ليست لها القدرة بعد على التحكم في مجالها الجغرافي الواسع ومراقبة حدودها، وهي معرضة أكثر من غيرها للمخاطر الناتجة عن غياب الأمن في منطقة الساحل وتزايد نفوذ التنظيمات الإرهابية المسلحة وجماعات الجريمة المنظمة في الشمال المالي، كما أنها في وضعية انكشاف أمنى دائم أمام هذه التنظيمات بسبب اتساع الحدود بينها وبين مالي، الأمر الذي يجعل إمكانية تسلل الإرهابيين عبر الحدود إلى الأراضي الموريتانية سهلا لأنه يصعب التمييز بين الموريتانيين والأزواديين نتيجة للروابط العرقية والثقافية والامتدادات القبلية بين العديد من القبائل مع القبائل الموريتانية.

وهو معطى تستغله التنظيمات الإرهابية وجماعات الجريمة المنظمة داخل موريتانيا التي تحولت مناطقها الشرقية إلى مناطق تتصاعد فيها أنشطة هذه التنظيمات بحكم ضعف تواجد السلطة الموريتانية، مما جعل عناصر تنظيم القاعدة عادة ما يتدخلون بشكل مباشر ومكشوف لفض النزاعات بين القبائل المتواجدة في الحدود الشرقية بين مالي وموريتانيا، وقد تغلغل التنظيم في السنوات الأخيرة بشكل كبير في مناطق لم يعتاد على التواجد فيها، مثل غابة " واغادو" في الحدود الشرقية الموريتانية مع مالي. 

فبعد تدخل التنظيم المذكور في النزاع الذي دار علي بئر في عمق الأراضي المالية بين قبيلتي أهل "برده "و" الوسرة"، أعلنت القاعدة في شهر ديسمبر من سنة 2016م أنها ستتدخل وبقوة من أجل وضع حد لنزاع دائر بين نفس القبيلتين في بلدية "بنكو" على بعد 60 كلم جنوب شرق مدينة النعمة عاصمة الحوض الشرقي  في عمق الأراضي الموريتانية، في منطقة تنتشر فيها الأسلحة بكثرة بين السكان وتنتشر ظاهرة استخدام الأعيرة النارية في حفلات الزفاف وفي الحملات الانتخابية، بفعل عادة المجتمع في استعمال السلاح في المناسبات الاجتماعية وتستعمل كذلك في النزاعات بين القبائل والأفراد. 

موريتانيا تعيش أيضا حالة من عدم الاستقرار السياسي بسبب غياب التوافق الوطني وانتشار الولاء القبلي وأسبقيته على الانتماء الوطني، فهي تشترك مع اليمن وليبيا في سيطرة النظام القبلي وانتشار السلاح بيد عناصر القبائل مما يرشحها للعديد من الأزمات، إضافة إلى انتشار الفساد في البلاد والذي يظهر بشكل كبير في الحدود والمطارات والموانئ،  مما أدى إلى تفشي ظاهرة التهريب.  

تهريب  المخدرات

تعيش موريتانيا ارتفاعا واضحا في تجارة واستهلاك وتهريب المخدرات بأنواعها، مما جعلها تتحول إلى محور لشبكة إقليمية واسعة لتجارة هذه المواد على غرار أغلب بلدان غرب القارة الإفريقية. فهي تشكو من وجود شبكة كبرى لتجارة وتهريب المخدرات على أراضيها، بدليل العديد من الأحداث التي تبرز ذلك. 

وقد أصبحت موريتانيا مرتع لكل أنواع التجارة الممنوعة بسبب مساحتها الهائلة المستعصية على الرقابة وحدودها المُخترقة، إضافة إلى أن السلطات الموريتانية تعمد دائما إلى إطلاق سراح المتورطين في تهريب الكوكايين، مما يطرح عدة تساؤلات حول تورط المسئولين في موريتانيا في نشاط الجريمة المنظمة. فبعدما أصبحت أمريكا تحاصر غينيا وتقوم في عرض البحر بالقبض على المهربين العاملين فيها، تحول النشاط إلى المياه والأجواء والحدود البرية الموريتانية، لتسقط هي الأخرى كما حدث في غينيا في مأزق التهريب الدولي للمخدرات.

وقد اعربت الهيئة الدولية لمراقبة المخدِّرات في تقريرها لسنة 2016م، عن قلقها إزاء حالة مراقبة المخدرات في موريتانيا، حيث يصعب عليها تقييم الحالة نظرا لندرة المعلومات المتاحة من المصادر الرسمية والمفتوحة بشأن مراقبة المخدِرات بسبب عدم تعاون حكومة موريتانيا فيما يتعلق بتزويد الهيئة بمعلومات عن حالة مراقبة المخدرات في البلد، ووفاء هذا البلد بالتزاماته بإرسال تقارير بموجب المعاهدات الدولية لمراقبة المخدرات، وفيما يتعلق بالجهود التي تبذلها الهيئة لإيفاد بعثة إلى موريتانيا لاحظت الهيئة أيضاً نقص في الأطر التشريعية والمؤسسية لمراقبة المخدِرات، بما في ذلك عدم كفاية آليات التنسيق فيما بين الهيئات الحكومية في مجال مراقبة المخدرات.

وجاء في نفس التقرير، بأن الهيئة الدولية لمراقبة المخدرات تلاحظ بقلق، بناء على المعلومات المحدودة المتاحة من المصادر الرسمية بما في ذلك البيانات المتعلقة بالمضبوطات، أن موريتانيا ما زالت مستهدفة من عصابات الاتجار الدولي بالمخدِرات كبلد عبور للمخدرات، بما في ذلك القنَّب والكوكايين الموجهة إلى أوروبا.

 وكررت نفس الهيئة في تقريرها، التأكيد على استعدادها لتقديم المساعدة، وفقاً لولايتها، لحكومة موريتانيا في الوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاقيات الدولية لمراقبة المخدرات، وبخاصة توفير البيانات الإحصائية للهيئة، وتشجع الحكومةَ على مواصلة الحوار الجاري معها من أجل الوقوف على التحدِّيات القائمة والوسائل الكفيلة بالتصدِّي لها.

ويشكل اتساع الحدود الموريتانية على طول منطقة الساحل، تحديا كبيرا نظرا للكلفة الباهظة لضبط هذه الحدود الطويلة أمام ضعف قدرات الدولة وهشاشتها، وضعف التحصينات العسكرية التي أقاماتها، وانتشار الفساد في صفوف العناصر المكلفة بالمراقبة، فاتساع الحدود الطويلة مع مالي والجزائر يشكل تحديا أمنيا كبيرا، كما أن السلطات الموريتانية لم تستطيع التغلب بعد على عملية تسجيل وضبط الأجانب المقيمين على أراضيها.

إنتشار الأسلحة

هناك معطى يشكل خطرا كبيرا على موريتانيا، وله تداعيات مؤكدة على الأمن القومي المغربي، يتعلق بانتشار السلاح، حيث تتم عبر الصحراء الموريتانية عمليات تهريب للسلاح من جميع الأنواع إلى داخل بلاد شنقيط، ومنه إلى دول الجوار، و تنشط العصابات المتاجرة في الأسلحة بشكل كبير على الأراضي الموريتانية، خاصة على الحدود مع مالي إذ ينتقل تجار السلاح ويدخلون أسواق المدن والقرى الموريتانية للتزود بالمحروقات والمواد الغذائية وقطع الغيار، ثم يعودون للصحراء.

وقد أشارت دراسة أجرتها ممثلية الأمم المتحدة في موريتانيا إلى خطورة تهريب السلاح إلى موريتانيا حيث كشفت أن أكثر من 92% من الموريتانيين يملكون أسلحة أغلبها عبارة عن مسدسات وبنادق خفيفة، فيما كشفت دراسة أخرى للمعهد الدولي لدراسة الأسلحة وجود 70 ألف قطعة سلاح يتداولها السكان المدنيون في موريتانيا، وأكدت الدراسة أن أهم مصادر السلاح المتداول بطرق غير شرعية في موريتانيا هي السوق السوداء ومخازن الجيش وقوى الأمن. وفي دراسة لمعهد "دراسة الأسلحة الخفيفة الدولي"، أكد الباحثون أن إعارة السلاح تقليد متبع لدى الجيش الموريتاني، حيث يستفيد أشخاص من الطبقات العليا من المجتمع وخاصة شيوخ القبائل وأفراد عائلاتهم من أسلحة الجيش، وأن هذه الأسلحة كثيراً ما تختفي ولا يحدد مكانها، كما لا يمكن الجزم بوجود سجل يضبط مثل هذه الإعارات.

 قامت السلطات الموريتانية خلال أزمات شهدتها البلاد بتوزيع الأسلحة على المواطنين لحماية أنفسهم، كما حصل خلال حرب الصحراء لمساعدة سكان الشمال على التصدي لتسللات "جبهة البوليساريو"، ونفس الأمر تكرر إبان النزاع مع السنغال عام 1989م، حيث وزعت أسلحة على سكان الجنوب لحماية أنفسهم، وأضافت الدراسة أن السلطات الموريتانية لا تتوفر على أرقام عن أعداد قطع السلاح "المُعارة"،  كما أنها لم تقم باسترجاعها. 

وقد سجل خاصة في السنوات الأخيرة، تزايد حدوث اشتباكات مسلحة في المناطق الشرقية والجنوبية بين مجموعات قبلية من حين إلى أخر، حول آبار المياه والأراضي وقضايا الثأر بسبب توفر السلاح.

ويجعل انتشار قطع السلاح في أوساط المجتمع الموريتاني، الأمن القومي المغربي أمام تحديات خطيرة، حيث يمكن استعمالها من قبل الانفصاليين وتجار المخدرات والإرهابيين، بحكم الجوار والامتدادات القبلية  والعائلية  للموريتانيين داخل المجتمع في الصحراء المغربية.

*باحث في الدراسات الاستراتيجية والأمنية

الأربعاء 15:00
مطر خفيف
C
°
19.79
الخميس
18.95
mostlycloudy
الجمعة
18.71
mostlycloudy
السبت
18.88
mostlycloudy
الأحد
21.77
mostlycloudy
الأثنين
19.79
mostlycloudy