هِجرَةُ اللُّغة.. في قاطِرَاتِ التّوعيّة!

اللّغةُ والتّوعيّة جَنبًا لِجَنب.. معَ بعض.. مُتَكامِلاَن.. مُتَرابِطان.. جَسَدٌ واحِد.. اللُّغةُ بَوّابةُ المَعرفةِ والوَعي.. أساسُ التّوعية العلاقاتيّة..
منَ المَحلّي تَنطلِق.. وتُصبحُ عالَمية..
تَنقلُ الوعيَ الفَردِي والعائلي والاجتِماعي من بلدٍ لآخَر.. وقارّةٍ لأخرى..
وقد يَبدأ الوَعيُ بأيةِ قَضيّة، من قَريةٍ صغِيرة، وبأخبارٍ ومعلُوماتٍ ومَعارِفَ ومَهارات، وتَحمِلُه قاطِرةٌ لُغويّة، ملفُوفةً في أفكار ومَشاعِرَ وخِبرات، إلى لُغاتٍ أخرى..
وتَحصُل التّوعيةُ المُتبادَلة بين سُكان المَعمُور، بفضلِ تبادُلِ المعلُوماتِ والآراءِ والتّحليلاتِ والاستِنتاجات..
ويتمُّ استيعابُ أهمّيةِ تحويلِ الفكرِ البَنّاء إلى واقعٍ مُعاشٍ بنّاء..
ومن هذا التّبادُلِ الفِكرِي، بين شعُوبِ العالَم، برَزت قِيّمٌ إنسانيةٌ كَونيّة، منها حقوقُ الإنسانِ والبيئةِ الطبيعيّة التي تَحوّلت إلى قوانينَ دولية..
إنّنا في زمَنٍ آخَر: زمنِ هجرةِ التّوعيةِ على مَتنِ اللّغة، لإثارةِ انتباه الرأيِ العام، المحلّي والعالَمي، إلى قَضايا الحياةِ والإنسان..
ومِنَ اللّغة، تَنطَلقُ التّوعيةُ من الداخلِ إلى الداخل، ثم إلى الخارج، فإلى أيّ مكانٍ في العالم..

  • هِجرةُ الوَعي.. على مَتنِ اللغة!
    وهِجرةُ اللغة من أجلِ التّوعية!
    وهذه من عَجائبِ اللغة.. وفي هذه نجدُ أن طُفولتَها تُشبهُ طُفولةَ الإنسان.. وأنّ كلَّ الطّفولاتِ تتَشابَه..
    وعلى العُموم، تبدأ طفولةُ أيّة لُغة، في شكلِ إشاراتٍ وأصواتٍ وكلمات، ثم تَتطورُ إلى لهَجات فإلى لُغةٍ ذاتِ قَواعِد، وإلى تَراجُعِ عُمرِ اللغة، نتيجةَ لامُبالاةِ أبنائِها..
    وكالإنسانِ تَكبُرُ اللغةُ وتَستَهلكُ نفسَها، وتُصبِحُ عُرضةً لسِنّ اليأس..
    وقد تَنقرَضُ وتتَحوّلُ إلى لهجات..
    وبعدئذٍ تُبعَثُ من جديد، وتنمُو فتكُونُ لغةً ورُبّما تُصبِحُ لُغات..
    دورةٌ لُغَويةٌ غيرُ مُستَبعَدةٍ في عُمرِ اللغة..
    دورةٌ عُمُرِيّةٌ تَستغرقُ سنِينَ طويلة.. ورُبّما مئاتِ السّنين…
    وكم من اللغاتِ تَحرَّرت عن أصلِها اللّغوي، وتطَوّرت ثم تَراجعَت، وها هي تَدخُلُ في سنّ اليأس..
    هي نِهايةٌ مَحتُومةٌ لأية لُغةٍ لا يُنشّطُها أبناؤُها..
    وفي أوربا، تَختلفُ فرَنسيةُ اليوم عن فَرنسيةِ "مُوليِير"..
    واللغاتُ الغَربيّةُ - في مُجمَلِها - تَشتركُ في أصلٍ لُغويّ واحِد هو اللاّتينيّة..
    إن اللغة التي لا تتَقدّم، تتَراجَعُ وتَدخلُ في مَدارِ "بدايةِ النهاية"..
    وهذا حالُ "اللّغةِ العربية" التي تتَوقعُ مُنظمةُ "اليونسكو" أنها مُعرّضةٌ للانقِراض..
    والانقراضُ يعنِي التّحوُّلَ إلى لهجةٍ لا تُماشِي ظرُوفَ العصر..
    ثم تسقطُ اللغةُ المُنهارةُ في دوّامة النّهاية..
    وهذا يقعُ في الكَونِ، حتى للنّجوم!
    الشمسُ نفسُها سوف تستَهلكُ آخِرَ أضوائِها قبلَ بضعةِ ملاييرِ السّنوات، ثم تَسقطُ في "ثُقبٍ أسود".. وتنتَهِي..
    هكذا تتَوقّعُ التّكهّناتُ الفلَكيّة..
    لا شيءَ يدُوم!
  • ومن لا يتَقَدّمُ يَتراجَع..
    هذه هي سُنّةُ الحياة.. تنطبِقُ على الكَون، كما تنطبقُ على الكواكبِ والنّجوم..
    وحتى على لُغاتِ البشَر.. وهذه لا تَستَثنِي أحدًا.. إمّا السّيرُ إلى أمام، أو السّقوطُ إلى خَلف..
    والمِقياسُ لتَنشيطِ أيةِ لُغة، في الوقت الراهِن، هو أن تكُونَ وتبقَى لُغةَ عُلُوم، وثقافةَ فَصاحَةٍ في البيتِ وكُلِّ الحَياةِ العامّة..
    واللغةُ العَرَبيّةُ بحاجةٍ عاجِلةٍ إلى حرَكِيّةِ ثقافيةٍ تسُودُها
    الفَصاحةُ اللغوية..
    وهذا نفسُ ما يقعُ لأيّ إنسان..
    الإنسانُ بحاجةٍ إلى "رياضةٍ" فِكريةٍ لإنعاش ثقافةِ "الحياةِ الإيجابية"، لكي يَتغلبَ على ما قد يَعترِضُه من ظُروفٍ نفسيةٍ وعقليةٍ وعَصبيّةٍ وغيرِها…
    وعلى هذا المِنوالِ تتَناسلُ اللّغاتُ كالبَشر، وتُخرِجُ من صُلبها لغاتٍ هي الأخرى تمرُّ بالطفولة والمَراهَقة والشبابِ والشيخُوخة…
    وكلُّ لغةٍ قد تَزرعُ في حياتِها "بُذُورَ" لهجاتٍ مُؤهّلةٍ لأن تَرقَى - فيما بعدَ - إلى لُغات..
    وهذا هو نفسُ ما يَنطبقُ على الزّراعة: بُذُورٌ تُنثَرُ في التُّربة.. ثم تنمُو.. وفي فَصلٍ قادِمٍ تَأتِي المَحاصيل..
  • وكلُّ ما هو حياةٌ هو مُتَحرّك.. مُهاجِر..
    وبالرجُوعِ إلى أيةِ لُغةٍ مُتطوّرة، تجدُ كلِماتٍ ذاتَ أصلٍ مُرتبطٍ بحَركةٍ مَهجَريّة، نتِيجةَ التّلاقُحِ بين العَلاقاتِ التّواصُليةِ البَشرية ..
    وقد تجدُ مُصطلحًا عِلميا يقفُ على جِذرٍ واحدٍ هو أصلُها، وهو كلمةٌ أو كلماتٌ تتَداوَلُها لهَجاتٌ أتى بها مُهاجِرُون من دُول الجنُوب إلى أقطارِ الشّمال..
    وكأنّها تسميّاتٌ لشَرِكات..
    وهكذا تَدخلُ إلى لُغاتِ التّطوّر التكنولوجي تسمياتٌ مَنطُوقةٌ في أوساطٍ شعبيةٍ لأفرادٍ قَدِمُوا من دُولٍ يسُودُها الفَقرُ والجَهل..
    إنه التّلاقُحُ التواصُلي بين الشّعوب على مُستوَى القارات الخمس..
    وتُستخرَجُ كلِمةٌ من لهجةٍ شعبية بمنطقةٍ شِبهِ مجهُولة، وتَحتّلَُ صدارةَ إحدَى الاختِصاصَات العِلمية الدولية..
    إنها من غرائبِ التواصُل اللغوِي بين الشعوب..
    وقد تجدُ في لُغةٍ مُتطوّرة مُصطلحاتٍ يَرجعُ أصلُها إلى أطفالٍ في مِنطقةٍ شبهِ مجهُولةٍ بالعالم، ونَقلَها مُهاجِرُون إلى بلدٍ من بُلدان التّطورِ العلمي، وأصبحت هذه المُصطلحاتُ تسميةً لابتكارٍ أو اختراعٍ مَنسوبٍ لأحدِ عباقرةِ الهجرةِ من أجل العَمل في دولةٍ مُتطوّرة..
    وهذه بدِيهيّاتٌ لا تَستَوجبُ استِصدارَ نَماذجَ من الكلماتِ العِلمية التي يعُودُ أصلُها التّواصُلي إلى لَهجةٍ في شبهِ جزيرةٍ لأقصَى جنُوب العالم..
    اللغاتُ أيضا تُهاجِرُ مع مَن يَحمِلون معهُم إلى بُلدانِ المَهجَر، سواءٌ من الجنُوب إلى الشمال، أو منَ الشمال إلى الجنوب، تُراثًا، وفنُونا، فتكُون في هذه الحُمولةِ الثقافيةِ مَصادرُ للتّلاقِي اللّغوِي في زمنِ الحضارات…
    هي ذي عبقريةُ التواصُل التراكُمي بينَ المُنتَجاتِ اللغوية بمُختلف القارات، على الصعيد الجغرافي، وبين مَحَطاتٍ في الذاكرة التاريخية.. وهذا نمُوذَجٌ للتّلاقحُ اللغوي بين التاريخ والجغرافية.. والتّلاقح بين أمكنةٍ وأزمنة.. وبين جاهليةٍ وعِلميّة..
    تَسميةٌ تِلقائية قد يَنطقُها شخصٌ جاهل - وبعَفوية - وينقُلها عالِمٌ إلى مُختبَره، فيُطلقُها على منتُوجه الاختِراعي، وتُصبِحُ كلمةً مشهورةً على مُستوَى دُولِ العالَم..
    وهكذا تُبنَى اللّغات..
    وتَنشرُ الوعيَ الذي يُحدّدُه أبناؤُها..
    ثم تَرحَل، فاسِحةً المَجالَ لغيرِها..
    هي تَرحَل.. وأخرَى تأتِي..
    والحَياةُ تَدُور.. وتَستَمِرّ…
    [email protected]
الأحد 18:00
مطر خفيف
C
°
15.55
الأثنين
16.27
mostlycloudy
الثلاثاء
17.37
mostlycloudy
الأربعاء
20.7
mostlycloudy
الخميس
16.79
mostlycloudy
الجمعة
16.14
mostlycloudy