انتحارا ودهسا وغرقا.. وفيات غامضة لسياسيين وعسكريين مغاربة قبل بلفقيه لا زالت لغزا إلى اليوم

فوجئ المتتبعون للشأن السياسي المغرب، صباح أول أمس الثلاثاء، بخبر وفاة البرلماني السابق والمستشار بمجلس جهة كلميم واد نون، عبد الوهاب بلفقيه، بطلق ناري تزامنا مع انتخاب مباركة بوعيدة رئيسة للجهة نفسها، حيث بدأت علامات الاستفهام تنتشر بخصوص حقيقة ما جرى، خاصة في ظل الحديث عن إصابته بطلق ناري في بطنه، أياما فقط بعد إبعاده من طرف حزب الأصالة والمعاصرة، الذي ترشح باسمه، عن سباق الرئاسة.

 ورغم أن النيابة العامة أصدرت بلاغا يتحدث عن أن التحقيقات الأولية كشفت أنه مات منتحرا بواسطة طلقة من بندقية صيد، إلا أن الكثيرين لا زالوا يؤمنون بأن الأمر أعقد من ذلك، خاصة وأن الراحل نشر قبل أيام فقط من نشره رسالة يقول فيها "أتأسف للغدر الذي صدر من جهة وضعت ثقتي فيها"، لتنضاف وفاته إلى سلسلة طويلة من قصص الوفيات الغامضة لمسؤولين سياسيين وعسكريين، لا تزال لغزا إلى اليوم.

أوفقير: "انتحار" بخمس رصاصات في الظهر!

وتاريخ مغربِ ما بعد الاستقلال مع الوفيات الغامضة بدأ مبكرا، وكان ضحاياه أشخاص ظلوا لسنوات يشكلون جزءا من النظام بل كانوا يمثلون قبضته القوية، وأبرزهم الجنرال محمد أوفقير، الرجل الذي وثق به الحسن الثاني وقربه منه إلى درجة أن أبناءه تربوا مع الأمراء في القصر الملكي، وأصبح ظله بعد انقلاب 1971، بل إنه هو نفسه المشتبه الأول في التورط في العديد من جرائم القتل والاختفاء الغامضة للمعارضين، وعلى رأسها المهدي بن بركة سنة 1965 في باريس.

لكن نهاية أوفقير كانت مأساوية بكل المقاييس، وذلك بعد أن ثبت للملك الراحل الحسن الثاني تورطه في التخطيط للمحاولة الانقلابية الثانية في 16 غشت 1972 والتي كانت تتضمن إسقاط الطائرة التي كان العاهل المغربي على متنها عائدا من فرنسا، لكن الملك نجا من الموت الذي بات يلاحق من كان يفترض أن يكون القاتل، حيث تلقى دعوة للحضور إلى قصر الصخيرات الذي دخله على رجليه وخرج منه جثة هامدة، ليُعلن في المنابر الإعلامية الرسمية أنه انتحر.

إلا أن زوجة أوفقير فاطمة صاحبة كتاب "حدائق الملك" وابنته مليكة، التي وثقت لهذه المرحلة في كتاب "السجينة" أكدتا أن الجنرال الذي ذهب إلى القصر خائفا وهو يتوقع مصيره، جرت تصفيته أمام الملك الحسن الثاني بخمس رصاصات في الظهر، لتظل قصة وفاته الحقيقية غامضة إلى اليوم.

الدليمي: حادثة لم تستسغها العائلة

وخلال لحظة الموت الغامض أوفقير كان من بين الحاضرين اسم آخر يصنف في خانة أقوى الشخصيات في تاريخ المملكة، ويتعلق الأمر بأحمد الدليمي، الكولونيل وقتها الذي سيصبح فيما بعد جنرالا وسيكون أبرز القادة العسكريين الميدانيين في حرب الصحراء، لكن حضوره في قصر الصخيرات ارتبط بشيء آخر، إذ لغاية اليوم يعتقد كثيرون أنه الشخص الذي أطلق الرصاص على وزير الداخلية والدفاع الأسبق، وهي رواية جاءت في كتاب "صديقنا الملك" لجيل بيرو.

ولمدة تزيد عن عقد من الزمن، ظل ابن منطقة سيدي قاسم ثاني أقوى رجل في المملكة بعد الملك الحسن الثاني، وقبل وزير الداخلية إدريس البصري، خاصة بعد تمكنه من حصد عدة انتصارات في الصحراء خلال السبعينات، وحسم الحرب تدريجيا لصالح المغرب بتطبيق فقرة الجدار الأمني، قبل أن تبث أمواج الإذاعة وقناة التلفزيون الرسمي خبر وفاته في 17 يناير 1983، والتي قيل حينها إنها ناتجة عن حادث سير بعدما اصطدمت شاجنة بسيارته.

ولم يكن أحد يتوقع صدور رواية أخرى غير الرواية الرسمية، خاصة بعد حضور الملك العزاء بنفسه في منزل الجنرال، إلى أن تحدث والده الذي كان عضوا في مجلس النواب، الحسن الدليمي، خلال كلمة نعيه، ليؤكد أن ابنه "قُدم هدية للشعب المغربي من عائلة الدليمي"، لتظهر رواية جديدة أكثر غموضا وإثارة، مفادها أن الدليمي اغتيل بعد أن حامت الشكوك حول إعداده لانقلاب جديد، وفي 2019 أكد شقيقه فريد، في حوار مع مجلة "زمان" أن شقيقه "تعرض للاغتيال".

يعتة: دهسته سيارة أمام جريدة حزبه

إلى غاية اليوم، يرافق الغموض وفاة أحد أبرز قادة الأحزاب اليسارية المغربية، ويتعلق الأمر بعلي يعتة، زعيم الحزب الشيوعي المغربي ثم حزب التقدم والاشتراكية.

الرجل الذي كان من مؤسسي الكتلة الوطنية مع حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، صدمت وفاته المغاربة عند إعلانها في غشت من سنة 1997، والساحة السياسية حينها كانت تستعد للانتخابات التشريعية التي جرت نونبر من العام نفسه، والتي أفرزت بعد ذلك حكومة التناوب التوافق التي شارك فيها حزبه.

ويعتة، الذي ولد سنة 1920 في طنجة من أب جزائري، كان أحد أبرز المعارضين الوطنيين، لكن الغريب أن وفاته في الدار البيضاء وهو في سن السابعة والسبعين، جاءت في فترة يستعد فيها الملك الحسن الثاني لبدء مرحلة جديدة من العمل السياسي تقود فيه المعارضة الحكومة، قبل أن يفاجأ الجميع بوفاته مباشرة بعد خروجه من مقر جريدة "البيان" التابعة لحزب التقدم والاشتراكية بعد أن صدمته سيارة، وتقول بعض الروايات إنها لاحقته إلى الرصيف.

وبالنسبة لخليفته على رأس الحزب ووزير التربية الوطنية في حكومة عبد الرحمن اليوسفي، إسماعيل العلوي، فإن "اقتناعه الشخصي" هو أن وفاة يعتة ما زالت تحوم حولها "علامات استفهام"، الأمر الذي أكده في حوار مع جريدة "المساء" في 2015، مبرزا أن جميع أعضاء التقدم والاشتراكية تساءلوا عن ظروف وفاته، لكن دون الحديث عن احتمال "اغتياله".

الزايدي وباها ولعنة "واد الشراط"

لكن أبرز حالات الموت الغامضة للزعماء السياسيين في التاريخ الحديث للمملكة، تبقى ثنائية وفاة البرلماني أحمد الزايدي ثم وزير الدولة عبد الله باها في المكان نفسه، وهو واد الشراط في إقليم ابن سليمان، الأول بعد أن غرقت سيارته والثاني بعد أن صدمه قطار، والأغرب أن الفارق الزمني بين وفاتهما لم يتجاوز شهرا واحدا.

ففي غمرة قيادته للمعارضة داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي كان رئيسا لفريقه البرلماني ما بين 2007 و2014، أُعلنت وفاة الزايدي في 9 نونبر 2014 بعد أن غرقت سيارته في واد الشراط، وكان حينها أبرز الرافضين لتولي إدريس لشكر قيادة حزب الوردة حيث أسس تيارا داخليا باسم "الانفتاح والديمقراطية"، وفي 2017 قالت ابنته سعاد إنها قدمت طلبا للنيابة العامة في الرباط للتحقيق في وفاته، بعد أن نشر موقع حزب الاستقلال مقال يلمه إلى تعرضه للاغتيال.

وقبل أن يستفيق الفاعلون والمهتمون بالشأن السياسي المغربي من صدمة وفاة الزايدي، باغتتهم صدمة أكبر، حين أُعلن عن وفاة باها في المكان نفسه يوم 7 دجنبر 2014، الذي كان الذراع اليمنى لرئيس الحكومة عبد الإله بن كيران، وقيل حينها إن قطارا باغثه عندما كان يتفقد مكان وفاة الزايدي، ومنذ ذلك الحين بدأت تُتداول أحاديث عن أن الأمر "مدبر" لكن لم يكن أحد من المحيط القريب للراحل يتطرق إلى ذلك علانية، إلى أن قال ابن كيران، خلال لقاء مع الصحافيين في 2019، إن لديه شكوكا بخصوص وفاة رفيق دربه وإنه سيحملها معه إلى قبره.

السبت 9:00
مطر خفيف
C
°
10.82
الأحد
13.53
mostlycloudy
الأثنين
12.58
mostlycloudy
الثلاثاء
12.73
mostlycloudy
الأربعاء
12.04
mostlycloudy
الخميس
12.95
mostlycloudy