بنكيران.. "بلدوزر" في التواصل خَفّف العلاقة المتباعدة بين المجتمع والسياسة

يوصف من طرف بعض أصدقائه بالسياسي المشاكس، والبعض الآخر يعتبره استثناء في عالم السياسة، وآخرون يلقبونه بـ "البيلدوزر السياسي"، فيما لا يرى فيه خصومه سوى مجرد مستغل للدين ولأحداث 20 فبراير ومطالبها ليحقق له ولـ"عشيرته" مكاسب التقرب من السلطة ومراكز القرار السياسي والاقتصادي. فيما يذهب خصومه الأكثر راديكالية إلى كيل الاتهامات إليه وإنزاله إلى قاع "العمالة" لإدريس البصري اليد الطولة للراحل الحسن الثاني.

لكن المؤكد أن عبد الإله بنكيران لم يأت من عدم، وإن لم يكن يتوقع أن المتغيرات التي عاشها في مساره ستوصله إلى المشور السعيد بصفته رئيسا لأول حكومة عقب دستور 2011. فقد أكد الرجل في أكثر من مناسبة أنه كان مفتونا بالتنظيمات اليسارية في سبعينيات القرن الماضي، ولأن "المناضل اليساري" يحمل مبادئه في يمناه وقصة عشق عميق في يسراه، فقد جعل قلبه يحدد "مساره النضالي".

فعشقه لإبنة عمه نبيلة ورفض والدها زواجه منها بسبب ميولاته اليسارية دفعته إلى التخلي عن "دربالة" المناضل والالتحاق سنة 1976 بتنظيم "الشبيبة الاسلامية" السري. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح لبنكيران زوجة وجماعة ومصالح يناضل من أجل حمايتها.

الذين يعرفون عبد الإله بنكيران عن قرب من أصدقائه يؤكدون أن للرجل مسار طويل في عوالم الدعوة والإرشاد، إذ كانت له بصمته في لقاءاته الخاصة مع إخوانه وأيضا خلال دروس الوعظ والإرشاد التي كان يقدمها بعدد من مساجد سلا، كما أنه أظهر أسلوبا جاذبا وهو يعتلي منبر الخطابة في زمن مضى.

ومنذ ذلك الوقت استقر الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية على أسلوب خاص به يمزج فيه بين لغة عربية فصحى بسيطة، ودارجة مغربية عامية ونكت وأمثلة شعبية ظاهرها ضحك ومرح لكن باطنها رسالة يوجهها الرجل في أكثر من اتجاه.

بنكيران .. مَكرُ السِّياسي

ميلود بلقاضي، الأستاذ في العلوم السياسية، وفي تصريح خص به موقع "الصحيفة" يرى أن الرجل كائن استثنائي، سواء على مستوى الخطاب والتواصل أو على مستوى المواجهة أو حتى على مستوى قدرته على استيعاب واحتواء المحيطين به.

بلقاضي وفي مقارنة منه للمشهد السياسي بين مسار بنكيران البرلماني والأمين العام لحزبه ورئيس الحكومة وفترة العثماني الذي ذاق طعم نفس المناصب، فإن بنكيران يبقى "ظاهرة سياسية يعرف كيف ينشط الحقل السياسي عموما والبرلمان بمجلسيه على وجه التحديد، والمغرب في حاجة إلى سنوات لإنتاج ظاهرة تواصلية شبيهة ببنكيران"، يضيف بلقاضي. 

من جهته، توقف محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية عند ما تركه بنكيران من بصمات وما احدثه من حيوية في الحقل السياسي، وما هو ما يلمسه بنعبد الله في الوقت الراهن من فراغ وفتور على مستوى الساحة السياسية.

بنعبد الله أكد لـ"الصحيفة" أن الساحة السياسية في حاجة "إلى نفس سياسي وديمقراطي جديد، بمعنى أن يكون الحضور السياسي مؤطر لأي عمل خاصة منه العمل الحكومي. والعمل الحكومي غير المؤطر بنفس سياسي قوي، لا بعد له ولا آفاق له"، يقول الصديق الوفيّ لبنكيران.
ويرى الأمين العام لـ PPS يرى أن بنكيران يتوفر على حس سياسي مميز يكاد يكون متفردا، يبرز أكثر من خلال قدرات تواصلية خارقة للعادة، وعلى هذا الأساس كان من الطبيعي أن يكون للرجل حضور خاص على مستوى الساحة السياسية.

"بيلدوزر" التواصل الشعبوي

يؤكد ميلود بلقاضي أن بنكيران ذلك فاعل سياسي أسس لما يسمى بـ "الشعبوية"، بالنظر لطبيعة ومضامين الخطاب الذي يتقنه، مرجعا له الفضل في تنشيط الفضاء العمومي السياسي بصفة عامة والإعلامي بصفة خاصة، مما دفع بالناس إلى التصالح مع القنوات العمومية وجلسات البرلمان، إذ لا أحد يمكنه أن ينفي نوعية وكاريزمية بنكيران على هذا المستوى. 

فيما لا يرى الوزير السابق في إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في بنكيران ذلك الكائن الشعبوي، حيث يعتبره ممن كان يتقن اللجوء إلى لغة شعبية واضحة تصل إلى الأعماق، إذ كان رجلا يدافع عن المؤسسات وعن الحق، على الأقل كما كان يراه هو نفسه، وكان يسعى إلى الدفاع عن "المحرومين" وعن الديمقراطية، وهذا ما جعلنا نلتقي، ونربط هذه الصداقة الموجودة بيننا اليوم.

وزاد بالقول: "أكيد أنه في بعض الأحيان كان يصيب، ومرات أخرى كنت من الذين يتوجهون إليه بالقول بأن يمتنع في بعض الحالات عن التفاعل بتسرع مع بعض التصريحات التي تأتي من خصوم سياسيين، لكن بنيكران من الرجال الذين لا يقدرون على الاحتفاظ بما يرغبون في قوله.

وعن الاصطدامات التي كان بنكيران يدخل نفسها فيها، أرجعها الأستاذ في العلوم السياسية، ميلود بلقاضي، إلى طبيعة شخصية بنكيران الذي كان له نمط خاص في التواصل من خلال اتقانه لفن التصادم السياسي المجاني في كثير من الأحيان مع خصومه، وهو ما يندرج، بحسب رأي بلقاضي، في إطار استراتيجية وضعها بنكيران لنفسه ولحزبه تجعل منه مؤثرا بحضوره  في الساحة السياحة، ومخلفا نوعا من الرتابة والروتينية في غيابه.

بنكيران، الحاضر.. الغائب

وبخصوص الحضور السياسي لبنكيران، ينطلق ميلود بلقاضي في التحليل من كون "السياسي الذي يعمل ويتواصل لا بد من أن يخطئ، وبنكيران اختار أن يكون في قلب الحدث". معتبرا أن كل فاعل سياسي له خطايا ومزايا، وكل عملية تواصلية فيها أمور ايجابية وأخرى سلبية، لكن المؤكد من وجهة نظر بلقاضي أن بنكيران كان يخلق الحدث وكان يواجه أعداءه وخصومه بطريقة فيها نوع من العنف الرمزي والقساوة اللفظية، وهو ما تسبب في مشاكل متعددة له ولحزبه، بل وحتى لحلفائه في الحكومة، مما يفسر أن أكثر الإصطدامات والإختلافات والتصدعات السياسية التي وقعت، كانت داخل أغلبيته الحكومية.

وبحسب ذات المتحدث فحضور بنكيران أو غيابه يشكل حدث في حد ذاته، وتبقى لكل خرجة من خرجاته التواصلية تأثير على الرأي العام وفي سير مؤسسات الدولة، وهو ما حدث مؤخرا من خلال الفيديو الذي نشره على مواقع التواصل الاجتماعي يتحدث فيه عن ضرورة رفض صيغة مشروع القانون الإطار الخاص بالتعليم المعروضة على البرلمان والتي كانت قد حققت توافقا بين جميع فرق ومجموعات البرلمان أغلبية ومعارضة، ليصطدم المشروع بتراجع على التوافق ودخوله إلى قاعة الانتظار.

بنعبد الله حاول استحضار مسار صديقه الاسلامي معتبرا إياه ممن ناضلوا من أجل جعل جزء من الحركة الإسلامية تدخل المؤسسات وتقبل بقواعد العمل المؤسساتي، مسجلا مساهمته في جعل الناس يهتمون أكثر بالسياسة.

ويضيف بنعبد الله، أن الكثير من الناس كانوا يلمسون في خطابه الصدق، فعلى الرغم من فقدان الثقة الموجودة في الساحة السياسية وفقدان المصداقية، وبالنظر أيضا لقدر التبخيس الذي يعرفه العمل السياسي، فإن بنكيران كان يعاكس ذلك واستطاع وهو رئيس للحكومة أن يخفف كثيرا من هذه العلاقة المتباعدة بين الناس والسياسية.

السبت 6:00
سماء صافية
C
°
17.04
الأحد
18.66
mostlycloudy
الأثنين
19.18
mostlycloudy
الثلاثاء
19.82
mostlycloudy
الأربعاء
20.88
mostlycloudy
الخميس
21.97
mostlycloudy