في قَبضَةِ الرّيع!

ما زِلنا في قَبضَةِ الرّيع.. فلاَ ولاَ للاقتِصَادِ الرّيعِيّ.. ونعَم للاقتِصادِ الإنتَاجِي! وهذا هو المُختَصَرُ المُفِيد: الرّيعُ مَرفُوض، والإنتاجُ هو البَدِيل..
وعلينا بالإنتَاج..
أن نكُونَ مُنتِجِين، لا فقط مُستَهلِكِين..
وألاّ نمُدُّ اليدَ إلى دُوَلٍ يُقالُ إنها كُبرَى، وهي "كُبرَى" فقط بمَقعَدٍ نَوَوِيّ في "مَجلسِ الأمنِ الدّولي"..
والنّوَوِي في العَصرِ الحدِيثِ ليسَ هو المِقيَاس..
المِقياسُ هو القانُونُ المَدَنِي، والأمنُ الاجتِماعِي، والغَذائي، والتّشغِيلي، والصّحّي، والعِلمِي، والدّبلوماسِي، واستِقلاليةُ المُؤسّسات، والاستِقرارُ التّنمَوي والسّياسي…
وعِندَنا أيضًا، نحنُ مَغاربةُ الدّاخِلِ والخارِج، ثَروَةٌ بَشريّةٌ إبداعيّةٌ مُتنوّعة…
وينقُصُنا المزيدُ من الجُهد، لإنقاذِ بلَدِنا من شَبكاتٍ حِزبيّةٍ ونِقابيّةٍ ونُخبَويّة، سياسيّا واقتصاديّا واجتماعيّا وثقافيّا…
شبَكاتٌ انتِهازيّةٌ ريعيّةٌ ما زالت تَصُولُ وتَجُولُ وتَخُوضُ في المالِ العام، بما فيه اقتِصادُ الرّيع.. ومَسحُ الأدمِغة.. وشِراءُ الضّمائر…
ولا اعتِمادَ إلا على أنفُسِنا، وعلى كَفاءاتٍ وَطنيةٍ حَكِيمة، تَشتَغلُ بصَمتٍ وهُدوءٍ وفعَاليّة..
والنّتيجةُ واضِحةٌ في "المَغرِبِ الجدِيد"..
واضِحةٌ في الصّورةِ التي نراها، ومعَنا يرَاها العالَم..
وعلينا بالاعتِمادِ على ضمائرَ حيّةٍ تعمَلُ ولا تكُفّ عن بَذلِ المُمكِن، والرّهانِ حتّى على المُستَحيل..
ولا وجُودَ للمُستَحِيلِ في "المغربِ الجديد"..
ولا اعتِمادَ إلاّ على مُواطِناتٍ ومُواطِنين.. مَغاربةٌ من مُختلفِ الفئاتِ والأقلّيات والأديانِ والإيديواوجيات…
هذا المُجتمَعُ المُتنوّعُ المُتَعايِش، هو الدّرعُ الواقِي لبِلادِنا.. وعندما يَحتاجُهُ الوطنُ، يكُونُ في المُقدّمة..
ومعًا في رُبُوعِ هذا الوَطَن، رِهانُنا المُشترَكُ يَكمُنُ في اقتِصادٍ إنتاجِيّ، بَدَلَ الاقتِصادِ الرّيعِي.. وهذا هو المَخرَج..
فمَن يُساعدُنا باليَدِ اليُسرَى، قد يَأخُذُ بقيّةَ ما نَملِكُ بيَدِهِ اليُمنَى.. إنه مَنطقُ الرّيع..
والحَذَرُ كلٌُ الحَذَرِ من اقتِصادِ الرّيع..

  • ولا مَجّانيّةَ في الرّيع!
    ومُجتَمعاتٌ كثيرةٌ تَحلُمُ بما نَحلُم.. ومِثلَنا وقَعَت وتقَعُ في أفخاخٍ رِيعيّة.. يجبُ الحذَرُ من "اقتصادِ الريع"، وهذا يتَلخّصُ في نصيحةٍ قديمة: "لا تُعطِنِي سَمَكًا، عَلّمْنِي كيفَ أصطَادُ السّمَك!"..
    يجبُ أن نتَخلّصَ منَ الرّيع!
    والرّيعُ هو الحُصُول على تَراخيصِ سياراتِ النقل، صغيرةً وكبيرة، وعلى الحافلات وغيرِها، وعلى الاحتِكار لبَيعِ موادّ غَازِيّة، ومَحرُوقاتيّة، وإسمَنتيّة، وامتِلاكِ عَقاراتٍ وأراضٍ وأموالٍ ومَعادِنَ وغيرِها…
    أموالٌ تدخُلُ إلى بعضِ الجيُوب، بدُونِ أن يَبذُلَ "صاحبُها" أيَّ مَجهُود..
    ونحنُ من الدّول التي ما زالَت تُمارِسُ اقتصادَ الرّيع، ويَجِبُ أن نَطويّ الصّفحاتِ الرّيعيةَ السّوداء، ونَدُخُلَ في زمنٍ آخَرَ قِوامُهُ اللاّرِيع..
    الرّيعُ فخُّ لِمَن يُعطِي، ومَن يأخُذ..
    مَن يُعطِي الرّيعَ النّفطي - مثلاً - قد يَجدُ نفسَه في ورطة، عندَ انخِفاضِ الأسعار.. وعندَها يَحدُثُ العجزُ في مَقدُراتِ مَن يُعطِي، ومَن يأخُذ.. وتَعجِزُ المجّانيةُ عن إنقاذِ الطّرفَيْن..
    وحتى مَن يأخُذ، يكُونُ هو الآخرُ أكبرَ خاسِر، لأنهُ يكُونُ قد تَعلّمَ مَدَّ اليَد، والاستِنجَادَ بالغَير، ولا يُفِيدُه هذا الغَير، لأنهُ هو نفسُه أصبحَ في أزمةٍ ماليّة..
  • الرّيعُ فخٌّ بلاَ حدُود..
    حتى على الصعيدِ الدّولي..
    سياساتٌ مُتَتاليةٌ في جِهاتٍ منَ العالَم أنشَأت مُجتَمعاتٍ رِيعِيّة.. مُجتَمعاتٌ تَعتَمِدُ على غَيرِها، لا على نفسِها في قُوتِها اليَومي..
    وَبدَلَ سياسةِ الإنتاج، تسقُطُ في سياسةِ التّريِيع..
    والرّيعُ هو الحصُولُ على أموال، بدُونِ بذْلِ أيّ مَجهُود..
    وهذه المَجّانيّةُ فخٌّ في مَسارِ الدّولِ التي تتَلقّى المُساعَدات، والتي تُقدِّمُ المُساعَدات..
    هُما معًا تُمارِسَان الاقتِصادَ الرّيعِيّ على مُجتَمَعٍ رِيعِيّ..
    كلاهُما رِيعِيّان..
    و"النّظامُ العالمِي" قد تَرَيَّع..
    يُحرّضُ الدّولَ الكُبرَى على تقديمِ مُساعَدَاتٍ للدّول الفقيرة، وهذه من جِهتِها تُمرّرُ هذه المُساعداتِ إلى اتّجاهاتٍ أخرى، قد يكونُ بعضُها سليمًا، وقد لا تَكُونُ خاضعةً لمُراقَبة.. وعلى العموم، المُساعَداتُ فيها وفيها.. وقد يكونُ فيها ما يَذهبُ إلى الرّيع..
    ومن أمثلةِ ذاك، المُساعداتُ الإنسانيةُ التي تُرسَل إلى مُخيّم اللاّجئِين، في "تيندُوف"، بالصّحراءِ الشّرقية، وهي صَحراءُ مغربيةٌ تَحتَلُّها جَبهةُ "البُوليزاريُو" الانفِصالية التي يقفُ خلفَها - بالمال والعَتاد - النّظامُ العَسكري الجزائري..
    أنباءُ تتَحدّثُ عن أنّ مُساعَداتٍ يتِمُّ تحويلُ اتّجاهِها مِن قِبَلِ قيادةِ "البُوليزاريُو"، ولا تصِلُ إلى اللاّجئِين الذين أُرسِلَت إليهِم..
    وهذه من النّماذجِ السيّئة للمُساعَدات التي تسقُطُ في أيَادٍ غيرِ آمِنة، حتى في أرضٍ مَغربيةٍ تَحتَلّها الجزائر، وتُحرّك فيها الانفِصال..
    وإنّ "اقتصادَ الرّيع" له سلبياتٌ دَخلَت مع الاستِعمارِ القدِيم، وتَواصَلَت مع "الاستِعمارِ الجديد"..
    وكان على الرّيعِ أن يَرحَلَ مع المُستَعمِر.. لكنّ الاستِعمارَ أورَثَ الرّيعَ لأذنَابِه.. وصارَ الرّيعُ مُشكلةً مُتَوارَثَة..
    وعلينا باستِقلالٍ جديد عن التّبَعيّةِ الرّيعيّة التي تَسَلّلَت إلى أحزابِنا وحُكوماتِنا، وصَارَت مِحوَرَ اقتِصادِنا..
  • والرّيعُ له مَخاطِر..
    ومن مَخاطرِه الاستِيلاءٌ على الأراضي، وعلى الثّرواتِ البَرّيةِ والبحريةِ والمَقالِعيّة وغيرِها…
    ويُنتِجُ الاتّكالَ على الغَير..
    ولا مُستقبَلَ لِمَن يتّكِلُ على الآخَر..
    والرّيعُ الحديثُ يضَعُ ثروةَ البلدِ في قَبضَةِ من يتَحكّمُون في الدّيمُقراطية، والقانون، والمُؤسّسات، بما فيها العدالةُ ومَفهومُ التّساوِي في الحُقوقِ والواجِبات، والفَقرُ والتّفقير، والفَسادُ بما فيه الرّشاوَى..
    وهذا الخَللُ الاقتِصادِي، يُشكّلُ خطرًا على توازُناتِ الدّولة، وعلى استِقرارِ الدولة.. وهذه الدولةُ هي أنتَ وأنا ونحنُ جميعًا.. كُلّنا هذه الدّولةُ المُتضرّرة، والمُعرّضَة للمَخاطِر، بسبَب اقتِصادٍ ريعِيّ مَريضٍ يَنتَظِرُ الإنقاذَ من الغَير..
    والغَيرُ لا يأتِي بالتّغيِير المَنشُود..
    الغيرُ يَبحَثُ عن مَصالحِه..
    ومَصالحُنا ليست ريعيّةً فقط..
    وعَلَينا بالتّخلّص من "اقتِصادِ الرّيع"..
    وتَعويضِهِ بالاقتِصادِ الإنتَاجي.. يجبُ أن نكُونَ مُنتِجِينَ لا مُجرّدَ مُستَهلِكين.. نعتَمِدُ في مَردُودِيّتِنا على ما نُنتِج، لا على ما يَأتِينا بالمَجّان، من الدّاخلِ والخَارِج..
    الرّفضُ لأيةِ أموَالٍ تأتِينا على ظَهرِ مَن يَبذُلُون عَرقَ الجَبِين.. نحنُ أيضًا قادِرُون على الإنتاج، والمَزيدِ من الإنتاج..
    هكذا نعتَمدُ على أنفُسِنا، لا على غَيرِنا..
    ونَبنِي دولةَ القانون..
    دولةَ المُؤسّسات!
  • والاستِبدادُ أيضًا مِن مَساوِئِ الرّيع..
    فأينَما كان الريعُ، كان التّسلُّطُ على مَصادِرِ الدّخل، في غيابِ حياةٍ ديمُقراطيةٍ وتكافُؤٍ للفُرَص..
    وأينما كانت الثروةُ الغازيّة والنفطيةُ والمَعدنيّةُ وغيرُها، كان الرّيع.. وأينما كانَت خَدَماتٌ رسميّة، يكُونُ الريع..
    والاقتصاد الريعي، في أية دولة، يجعلُ مِيزانيتَها المالية مَبنيةً على مُساعَداتٍ خارجيّة..
    وهذا الغِنَى لا يُخصَّصُ لكلّ أنماطِ المُجتَمع، هو يَجعلُ المُجتمعَ استهلاكيًّا مُعتَمِدًا على الاستِيرادِ الخارجِي، ويَتسبّبُ في هَشاشةٍ اقتِصاديّة تُفاقِمُ البِطالةَ والخُمُولَ الاجتِماعِيّ، وتُنشِئُ طبَقيّةً اجتِماعيةً غيرَ مُتَوازِنَة..
    وهذه الظاهِرةُ تُفرِغُ صناديقَ الدولة، وتُكثِرُ من العاطِلين، وتَجعلُهُم يُطالبُون بالعَمل، ومُحاسَبةِ الفاسِدين..
    ويُلاحَظُ في نفسِ الظاهِرة أنّ الرّيعَ يتِمّ تَوزيعُه على مُستَوياتِ القُربِ من السّلطة..
    وهذه تَحتَكِرُ توزيعَ الثّرواتِ الريعيةَ على المُقرّبين..
  • الدّولةُ الرّيعية لا تعبَأُ بالتّعليم..
    المُتعَلم قد يَمُرّ من القراءةِ إلى الوَعيِ فالتّوعيّة..
    والوَعيُ يقودُ إلى استِيعابِ ما يقعُ في البلاد.. وتحليلِ الأحداث.. واستِنتَاجِ الخَلفيات..
    وهذا ما يجعلُ المُجتمعَ الرّيعِي ينتهِي إلى احتِجاجَاتٍ ومُظاهرات، خاصةً إذا لم تَكتَرِث الحُكومةُ بتَحسِينِ الوَضعِ المَعِيشِي للمُجتَمع..
    المُجتَمعُ الرّيعِي شديدُ الحَساسية للبِطالة..
    ولا يُطالبُ إلاّ بأبسطِ الحُقوقِ الاجتِماعية، وخاصةً حقوق الشغل، لكي يَعتَمدَ على نفسِه في شؤون حياته اليومية، ولا يتّكِلُ على غيرِه..
    وإذا لم تُحَلَّ هذه المَشاكل، يحدُثُ تفَكّكٌ اجتماعي، بشكلٍ يَستوجِبُ إعادةَ بناءِ الاقتصادِ الوطني، لكي يكُونَ اقتصادًا في خدمةِ كلّ فئاتِ المُجتَمع..
    وهذا يعنِي أنّ مُجتَمعًا ريعيّا يتَطلبُ نِسبةً مَحدُودةً منَ الأمّيّة، وإلاّ تضَخّمَت المُظاهراتُ واحتَدّت المَشاكلُ الاجتِماعية..
    الهَشاشةُ تَجعلُ المُجتمَعَ قريبًا منَ الانتِفاضَةِ المُطالِبةِ بالمُراقَبةِ والمُحاسَبَة..
    ولهذَا تتَعاملُ الدّولةُ مع المُجتمَعِ تَعامُلَ إنفاقٍ للرّيع، بهدفِ سَدّ بعضِ احتياجاتِ هذا المُجتمَع، لكي تُحمّسَه على مزيدٍ من الرّيع..
    وهكذا تُنشئ مُجتمَعًا ريعيّا يتّكِلُ على غيرِه، لا على عَرقِ الجَبين..
    وهذا هو الفّخّ الذي قد وقَعنَا فيه..
    وعلينا بإنقاذِ بلادِنا مِن "اقتِصادِ الرّيع"!

[email protected]

السبت 9:00
مطر خفيف
C
°
10.82
الأحد
13.53
mostlycloudy
الأثنين
12.58
mostlycloudy
الثلاثاء
12.73
mostlycloudy
الأربعاء
12.04
mostlycloudy
الخميس
12.95
mostlycloudy