إضراب وطني لناقلي البضائع بسبب أزمة التأشيرات.. اختناق على حدود "شنغن" يهدد تنافسية الصادرات المغربية وسلاسل الإمداد مع أوروبا

 إضراب وطني لناقلي البضائع بسبب أزمة التأشيرات.. اختناق على حدود "شنغن" يهدد تنافسية الصادرات المغربية وسلاسل الإمداد مع أوروبا
الصحيفة - خولة اجعيفري
الثلاثاء 5 ماي 2026 - 21:15

استهل مهنيو النقل الدولي عبر الشاحنات اليوم الثلاثاء، إضرابا وطنيا غير مسبوق لمدة 24 ساعة، احتجاجا على ما وصفوه بـ "تعقيدات" الولوج إلى تأشيرات شنغن والقيود المفروضة على تنقلهم داخل الفضاء الأوروبي، منددين بحجم الاختناق الذي يواجهه قطاع النقل الطرقي الدولي ويضع سلاسل الإمداد بين المغرب وأوروبا على محك الاضطراب، وسط تحذيرات مهنية من تداعيات مباشرة على تنافسية الصادرات واستمرارية المبادلات التجارية.

ويمتد هذا الإضراب، الذي انطلق في الساعة الثامنة من صباح اليوم إلى غاية صباح غد الأربعاء، بعد مسار من التوتر المتصاعد داخل قطاع يُعد أحد الأعمدة الحيوية في منظومة التبادل التجاري المغربي خاصة مع الاتحاد الأوروبي، سيما وأن النقل الطرقي الدولي يشكل حلقة مركزية في دورة اقتصادية متكاملة تتقاطع فيها مصالح المنتجين والمصدرين وشبكات التوزيع، ما يجعل أي اضطراب فيه يتجاوز حدوده المهنية ليطال التوازنات الاقتصادية الأوسع.

ويأتي هذا التحرك الاحتجاجي تتويجا لسلسلة من المشاورات التي أجراها مهنيّو القطاع في عدد من المدن الكبرى من بينها أكادير وطنجة والتي أفضت إلى توافق واسع حول ضرورة الانتقال إلى أشكال احتجاجية أكثر وضوحا، بعد ما وصفه الفاعلون بـ"استنفاد قنوات التنبيه التقليدية" دون تحقيق نتائج ملموسة ما يعكس حجم الضغط الذي يعيشه القطاع، ويؤشر على أن الأزمة لم تعد ظرفية، بل تحولت إلى معطى بنيوي يهدد استمرارية النشاط.

ويتمثل جوهر هذه الأزمة في ما يعتبره المهنيون عراقيل إدارية متراكمة، على رأسها صعوبة الولوج إلى تأشيرات شنغن إلى جانب القيود المفروضة على التنقل داخل الفضاء الأوروبي والتي تؤثر بشكل مباشر على مرونة العمليات اللوجستية وسرعة تنفيذها في قطاع يعتمد أساسا على الزمن والدقة في التسليم، وتتحول كل ساعة تأخير إلى كلفة إضافية وكل إجراء إداري معقد إلى تهديد مباشر لاستمرارية النشاط.

تتصدر مسألة التأشيرات قائمة المطالب، حيث يصف سائقو الشاحنات آجال الحصول على المواعيد بأنها "مفرطة وغير متناسبة مع طبيعة النشاط"، في وقت تتطلب فيه العمليات اللوجستية مرونة وسرعة في التنقل، فيما هذه التأخيرات تؤدي إلى تعطيل الرحلات وتُربك سلاسل التوريد بكاملها من تحميل البضائع إلى تسليمها، مرورا بتدبير المسارات.

وتزداد تعقيدات الوضع مع القيود المرتبطة بمدة الإقامة داخل فضاء "شنغن" والتي تُحدد في 90 يوما خلال فترة 180 يوما، فيما ورغم أن هذا السقف يفرض على المقاولات أنماط تدبير أكثر تعقيدا من خلال إعادة توزيع الرحلات بين السائقين أو إعادة جدولة العمليات، ما يرفع الكلفة ويقلص النجاعة.

وبحسب مهنيين في القطاع، فإن هذه القيود تفرض "هندسة لوجستية قسرية" لا تنطلق من منطق الكفاءة الاقتصادية بل من محاولة التكيف مع إكراهات تنظيمية، ما يضع المقاولات المغربية في موقع أقل تنافسية مقارنة بنظيراتها الأوروبية.

في هذا الإطار، يعتبر عبد الحميد الزرهوني، عضو الجمعية المغربية للنقل الطرقي الدولي للبضائع، أن المشكل تحوّل إلى عائق بنيوي يهدد استمرارية النشاط برمته حيث أكد أن "سائقا واحدا قد ينتظر أسابيع فقط للحصول على موعد لإيداع ملف التأشيرة، في وقت تُفرض علينا فيه آجال تسليم دقيقة لا تحتمل التأخير، ثم نجد أنفسنا مقيدين بقاعدة 90 يوما خلال 180 يوما داخل فضاء شنغن، وهو ما يفرض علينا إعادة تنظيم الرحلات بشكل قسري يرفع الكلفة ويقلص عدد الدوريات التي يمكن لكل سائق إنجازها".

المشكل لا يقف هنا، حسب ما أكده الزرهوني لـ "الصحيفة"، بل يمتد إلى تأثير مباشر على سلاسل الإمداد فالحديث عن شاحنات محمّلة بمنتجات فلاحية وصناعية موجهة للتصدير وكل ساعة تأخير قد تعني خسارة زبون أو إلغاء عقد، موردا: "اليوم، بسبب هذه التعقيدات أصبحنا نعيش ارتباكا يوميا في البرمجة اللوجستية وتأخيرات في عمليات الشحن والتفريغ ما ينعكس على تنافسية الصادرات المغربية ككل".

وتابع المهني في حديثه لـ "الصحيفة": "بصراحة، نحن لا نخسر فقط الوقت بل نخسر السوق تدريجيا، فالمقاولات الأوروبية تبحث عن شركاء قادرين على احترام الآجال، وإذا استمرت هذه العراقيل فإننا سنجد أنفسنا خارج المنافسة ليس بسبب ضعف في الأداء بل بسبب قيود إدارية لا تتماشى مع طبيعة النقل الدولي".

ولا تتوقف تداعيات هذه الأزمة عند حدود القطاع، بل تمتد إلى عمق العلاقات التجارية بين المغرب وأوروبا، إذ أن النقل الطرقي الدولي يشكل شريانا حيويا في تدفق السلع خاصة في قطاعات كالفلاحة والصناعة الغذائية والنسيج، حيث تلعب سرعة التسليم واحترام الآجال دورا حاسما في الحفاظ على الأسواق.

وأي اضطراب في هذا الشريان، كما هو الحال مع الإضراب الحالي أو المرتقب مع ترشح الازمة للأستمرار أو حتى مع التعطيلات الإدارية، يهدد بتقويض هذه التوازنات ويضع الصادرات المغربية أمام مخاطر فقدان التنافسية، خاصة في سوق أوروبية تتسم بشدة المنافسة وحساسية عالية تجاه عامل الزمن.

وفي هذا السياق، يحذر المهنيون بمن فيهم الزرهوني من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى إعادة توجيه بعض التدفقات التجارية نحو فاعلين آخرين أكثر قدرة على الالتزام بالآجال، ما يعني خسارة تدريجية لحصص السوق.

ويرى فاعلو القطاع أن ما يحدث اليوم يسائل موقع المغرب داخل سلاسل القيمة العالمية ومدى قدرته على ضمان انسيابية مبادلاته في ظل تعقيدات خارجية متزايدة، إذ أن الولوج إلى الأسواق مرتبط بإجراءات إدارية غير متكيفة مع طبيعة النشاط فإن الأمر يتعلق بمستقبل التموقع الاقتصادي ككل.

كما أن التحذيرات التي أطلقها المهنيون لا تخلو من بعد استشرافي، إذ يشيرون إلى أن غياب حلول ملموسة قد يؤدي إلى تصعيد أكبر في الأسابيع المقبلة سواء عبر تمديد الإضرابات أو اللجوء إلى أشكال احتجاجية أكثر تأثيرا، ما قد يعمّق الاضطراب في سلاسل الإمداد.

في مواجهة هذا الوضع المتفاقم، رفع مهنيّو النقل الطرقي الدولي سقف مطالبهم، داعين إلى تدخل عاجل ومباشر من طرف السلطات المغربية لتبسيط مساطر الحصول على التأشيرات وإعادة طرح هذا الملف في صلب الأجندة الدبلوماسية مع الشركاء الأوروبيين، فالمسألة في نظرهم أصبحت ذات أبعاد اقتصادية استراتيجية تمس قدرة المغرب على الحفاظ على انسيابية مبادلاته وعلى موقعه داخل سلاسل التوريد الأوروبية.

وأكد الفاعلون في القطاع أن التعاطي مع هذا الملف بمنطق "تدبير الطلبات" لم يعد كافيا في ظل تزايد القيود وتعقّد المساطر ما يستدعي انتقالا نحو مقاربة أكثر شمولية، تقوم على التفاوض المؤسساتي مع الدول الأوروبية المعنية، بهدف إرساء آليات أكثر مرونة تراعي خصوصية مهن النقل الدولي التي لا يمكن إخضاعها لنفس شروط التنقل الفردي أو السياحي.

وفي هذا السياق، شدد المهنيون على ضرورة فتح حوار مؤسساتي منظم يمتد إلى إعادة التفكير في الإطار القانوني والتنظيمي الذي يؤطر تنقل السائقين المهنيين، بما يضمن تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن والهجرة من جهة، وحاجيات الاقتصاد وسلاسل الإمداد من جهة أخرى، خاصة وأن النقل الطرقي الدولي يظل أحد الأعمدة الأساسية في المبادلات التجارية بين المغرب والاتحاد الأوروبي.

وفي تصريح يعكس عمق القلق داخل القطاع، قال سعيد لمهيني، نائب رئيس الفيدرالية الوطنية للنقل الطرقي الدولي للبضائع "اليوم أمام وضع غير قابل للاستمرار، لا يمكن لقطاع يُؤمّن جزءا كبيرا من الصادرات المغربية نحو أوروبا أن يظل رهين مواعيد تأشيرة قد تمتد لأسابيع، أو لقيود إقامة لا تأخذ بعين الاعتبار طبيعة عمل السائق المهني".

وشدد في حديثه لـ "الصحيفة" على أن "المطلوب اليوم ليس فقط تسريع المساطر، بل الاعتراف بخصوصية هذا النشاط في إطار شراكة اقتصادية متقدمة مع الاتحاد الأوروبي"، موردا: "نحن نتحدث عن سلاسل إمداد مترابطة وعن التزامات تعاقدية دقيقة، وأي اختلال في حركة السائقين ينعكس مباشرة على الثقة في الفاعل المغربي، وإذا لم ننجح في إيجاد حلول مؤسساتية، فإننا نخاطر بإضعاف موقع المغرب داخل السوق الأوروبية".

The comments are closed in this post

لماذا يفضل أثرياء المغرب "المناطق الآمنة" لجمع الثروة؟

مع صفقة استحواذ مجموعة "هولماركوم" المملوكة لعائلة بنصالح على فرع البنك الفرنسي "BNP Paribas" في مصرف "BMCI" المغربي، يتعزز التوجه للعقيدة الاستثمارية لكبار الفاعلين الاقتصاديين في المملكة. فالصفقة ليست مجرد انتقال ملكية بين شريك أجنبي ...

استطلاع رأي

هل تتوقع أن تخسر إيران الحرب ضد الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل؟

Loading...