80 في المائة من واردات حمض الفوسفوريك مصدرها المغرب.. دراسة إسبانية تكشف تبعية مدريد الاستراتيجية لموارد الرباط
كشفت دراسة إسبانية حديثة أن المغرب أصبح يشكل أحد الأعمدة الاستراتيجية للأمن الاقتصادي الإسباني، بعدما بات يؤمن نحو 80 في المائة من واردات مدريد من حمض الفوسفوريك، المادة الأساسية في صناعة الأسمدة التي تقوم عليها السلسلة الغذائية بأكملها، فيما أكدت أن الفوسفاط والمواد الأولية المعدنية المغربية تضع المملكة في قلب عدد من التبعيات التي تعتبرها إسبانيا حيوية لاستقرار قطاعات الزراعة والصناعات الغذائية والصناعات التحويلية، في مؤشر جديد على التحول المتسارع للمغرب من مجرد شريك تجاري إلى فاعل مؤثر في أمن الإمدادات وسلاسل القيمة الاستراتيجية الأوروبية.
ولم يعد الحديث في أوروبا عن أمن الطاقة وحده أو عن حماية سلاسل الإمداد التكنولوجية المتقدمة، بل امتد ليشمل المواد الأولية التي تقوم عليها قطاعات كاملة من الاقتصاد، من الزراعة والصناعة الغذائية إلى الصناعات التحويلية والتكنولوجية إذ كشفت دراسة حديثة صادرة عن مركز الأبحاث التابع لمجموعة "كايشابنك" الإسبانية أن المغرب أصبح يحتل موقعا استراتيجيا داخل منظومة الأمن الاقتصادي الإسباني، ليس فقط باعتباره شريكا تجاريا وجارا جنوبيا وإنما باعتباره أحد المزودين الرئيسيين لمواد أولية تعتبرها مدريد حيوية لاستمرار عمل قطاعات إنتاجية كاملة.
الدراسة التي خصصت لتحليل نقاط الضعف التجارية للاقتصاد الإسباني في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، خلصت إلى أن المملكة المغربية توجد في قلب عدد من التبعيات الاستراتيجية الإسبانية المرتبطة بالمواد الأولية المعدنية والفوسفاط وحمض الفوسفوريك وهي مواد لا تمثل مجرد سلع للتبادل التجاري بل تشكل مدخلات أساسية لسلاسل إنتاج تمتد من الحقول الزراعية إلى المصانع الغذائية والصناعية.
ويأتي هذا التقييم في سياق عالمي خاص، إذ تشير الدراسة إلى أن السنوات الأخيرة فرضت إعادة نظر شاملة في الطريقة التي تنظر بها الدول إلى علاقاتها التجارية الخارجية فقد أدت الحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط، والتداعيات الممتدة لجائحة كوفيد-19، إضافة إلى الاختلالات التي عرفتها سلاسل التوريد العالمية، إلى بروز مفهوم جديد للأمن الاقتصادي يقوم على تقليص المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على عدد محدود من الموردين الخارجيين.
ومن هذا المنطلق، سعت الدراسة إلى رسم خريطة دقيقة للمنتجات والدول التي تعتمد عليها إسبانيا بشكل كبير، مع قياس مستوى المخاطر التي يمكن أن تنتج عن أي اضطراب في تدفق هذه الواردات فيما وبينما برزت عدة دول في هذه الخريطة فإن المغرب ظهر كحالة خاصة بسبب تمركزه في قطاعات تصنفها الدراسة ضمن القطاعات الأكثر حساسية واستراتيجية.
ويتمثل أبرز ما ورد في التقرير في المعطى المتعلق بحمض الفوسفوريك، حيث أكدت الدراسة أن المغرب يؤمن ما يقارب 80 في المائة من إجمالي واردات إسبانيا من هذه المادة الحيوية ويعد حمض الفوسفوريك أحد المكونات الأساسية في صناعة الأسمدة الكيميائية التي يعتمد عليها القطاع الزراعي بشكل مباشر.
وتكتسب هذه النسبة أهمية استثنائية بالنظر إلى أن الحديث لا يتعلق بسلعة استهلاكية عادية يمكن استبدالها بسهولة، بل بمدخل إنتاج استراتيجي يقع في بداية سلسلة غذائية متكاملة فإنتاج الأسمدة يؤثر مباشرة على المردودية الزراعية وهذه الأخيرة تنعكس بدورها على إنتاج الغذاء وأسعاره واستقرار الأسواق الغذائية.
وترى الدراسة أن أي اضطراب محتمل في تدفق حمض الفوسفوريك المغربي إلى إسبانيا يمكن أن تتجاوز آثاره القطاع الكيميائي لتصل إلى الزراعة والصناعات الغذائية وسلاسل التموين المرتبطة بها. ولذلك تصنف هذه التبعية ضمن أكثر التبعيات حساسية بالنسبة للاقتصاد الإسباني.
وتؤكد معدة الدراسة كاتالينا بيكو، أن قيمة بعض المواد الأولية لا تقاس فقط بأهميتها داخل القطاع الذي تنتمي إليه، بل أيضا بقدرتها على التأثير في قطاعات أخرى مترابطة معها. وفي هذا السياق، يتحول حمض الفوسفوريك من مادة كيميائية إلى عنصر حاسم في الأمن الغذائي.
ولا تتوقف أهمية المغرب عند حمض الفوسفوريك وحده، إذ يبرز التقرير أيضا الدور المحوري للفوسفاط المغربي داخل الاقتصاد الإسباني فالمملكة تعد من الموردين الرئيسيين للفوسفاط الذي يستخدم بدوره في صناعة الأسمدة ويشكل إحدى الركائز الأساسية للمنظومة الزراعية.
وأشار التقرير إلى أن الجمع بين موقع المغرب كمصدر رئيسي للفوسفاط ومصدر شبه احتكاري لحمض الفوسفوريك يمنحه مكانة خاصة داخل سلسلة القيمة الزراعية الإسبانية كما يكشف في الوقت نفسه عن محدودية البدائل المتاحة أمام الشركات الإسبانية في حال حدوث اضطرابات في الإمدادات.
ويعتمد التقرير في تقييمه لمستوى المخاطر على مؤشرين رئيسيين أولهما درجة تركيز الموردين، وثانيهما الطابع الاستراتيجي للمنتج المعني فكلما ارتفعت نسبة الاعتماد على مورد واحد في مادة ذات أهمية كبيرة، ارتفع مستوى الهشاشة التجارية المرتبطة بها.
وبحسب هذه المنهجية، فإن حالة المغرب في قطاع الفوسفاط وحمض الفوسفوريك تعد من أبرز الأمثلة التي رصدتها الدراسة على التداخل بين الأهمية الاستراتيجية للمنتج ومستوى التركيز المرتفع للموردين.
وتوضح الدراسة أن هذه الوضعية تمنح المملكة موقعا فريدا داخل الفضاء الاقتصادي المتوسطي، إذ أصبحت استمرارية عدد من الأنشطة الاقتصادية الإسبانية مرتبطة بشكل مباشر باستقرار الإمدادات القادمة من المغرب.
ولا يقتصر الأمر على قطاع الأسمدة، إذ توسع الدراسة نطاق التحليل ليشمل المواد الأولية المعدنية التي تعتبر اليوم من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للاتحاد الأوروبي.
وفي هذا السياق، وضعت الدراسة المغرب ضمن قائمة كبار موردي المواد المعدنية الأولية التي تعتمد عليها إسبانيا إلى جانب دول إفريقية أخرى مثل غينيا ومدغشقر وهو ما يعكس الأهمية المتزايدة للقارة الإفريقية في تأمين حاجيات أوروبا من الموارد الطبيعية الضرورية للصناعة.
وأشارت الدراسة إلى أن أكبر نقاط الضعف التي تواجه الاقتصاد الإسباني اليوم تتركز أساسا في مجال المواد الأولية المعدنية والمنتجات الكيميائية الوسيطة، بالنظر إلى دورها المركزي في تشغيل عدد كبير من الأنشطة الصناعية.
فهذه المواد تدخل في الصناعات المعدنية والتحويلية، كما ترتبط بشكل مباشر بالتحولات الصناعية الكبرى التي تعرفها أوروبا، سواء في مجال الانتقال الطاقي أو التحول الرقمي أو الصناعات التكنولوجية الحديثة.
ومن هذا المنظور، صار المغرب بالنسبة لإسبانيا مصدر للمواد الخام، ومزودا لموارد ضرورية لاستمرار عمل سلاسل صناعية بأكملها، وتكشف الدراسة كذلك عن تحول نوعي في النظرة الأوروبية للمغرب فبعد سنوات طويلة كان ينظر خلالها إلى المملكة أساسا باعتبارها شريكا تجاريا وجارا جغرافيا ومصدرا للمنتجات الفلاحية، بدأت المؤسسات الاقتصادية الأوروبية تنظر إليه باعتباره فاعلا مدمجا في سلاسل القيمة الاستراتيجية للقارة.
وأوضحت الدراسة أن المغرب بات ضمن مجموعة محدودة من الدول التي تؤثر مساهمتها بشكل مباشر في قدرة بعض القطاعات الإسبانية على الصمود أمام الأزمات والاضطرابات الدولية.
وعند تحليل الخريطة العالمية للتبعيات الاستراتيجية الإسبانية، يظهر المغرب إلى جانب دول تشغل مواقع محورية في مجالات محددة من الاقتصاد العالمي وهو ما يعكس تحولا عميقا في مكانة المملكة داخل الحسابات الاقتصادية الأوروبية.
وتعتبر الدراسة أن الدور المغربي في قطاع الأسمدة والمواد الأولية المعدنية يمثل أحد أبرز النماذج على هذا التحول، حيث لم تعد العلاقة بين الرباط ومدريد تقتصر على التبادل التجاري التقليدي، بل أصبحت تمس قطاعات ترتبط بالأمن الغذائي والأمن الصناعي.
كما أشارت الدراسة إلى أن هذا الواقع يعكس أيضا الصعود المتواصل للموارد الإفريقية داخل النقاش الأوروبي المتعلق بالأمن الاقتصادي وتنويع سلاسل التوريد وتقليص الاعتماد على الأسواق البعيدة أو غير المستقرة جيوسياسيا.
وتكمن أهمية التقرير أيضا في كونه لا يكتفي بتحليل أرقام التجارة الخارجية بل يحاول فهم التأثيرات المحتملة لهذه العلاقات الاقتصادية على الاقتصاد الإسباني ككل فالمواد المرتبطة بالمغرب لا تدخل في قطاع واحد أو نشاط محدود، بل تتوزع آثارها على قطاعات مترابطة تشمل الزراعة والصناعة الغذائية والصناعات الكيميائية والأنشطة الصناعية المرتبطة بالمواد الأولية.
ولهذا السبب، ترى الدراسة أن بعض العلاقات التجارية تكتسب طابعا استراتيجيا عندما ترتبط بمواد يصعب تعويضها أو الاستغناء عنها، وعندما تكون هذه المواد ضرورية لاستمرار عمل سلاسل إنتاج كاملة.
وفي خلاصة التقرير، تؤكد الدراسة أن المغرب بات يحتل موقعا متقدما داخل منظومة الأمن الاقتصادي الإسباني، بفضل موارده من الفوسفاط وحمض الفوسفوريك والمواد الأولية المعدنية كما تشير إلى أن المملكة أصبحت تمثل أحد المرتكزات الأساسية التي تعتمد عليها إسبانيا في تأمين احتياجات قطاعات حيوية تشمل الزراعة والصناعة الغذائية وعددا من الصناعات التحويلية.
وخلصت الدراسة إلى أن أهمية المغرب بالنسبة للاقتصاد الإسباني تجاوزت اليوم منطق المبادلات التجارية التقليدية، لتصبح مرتبطة بشكل مباشر بقدرة إسبانيا على ضمان استقرار سلاسل إمدادها واستمرار عمل قطاعات تعتبر أساسية لأمنها الغذائي والصناعي وهو تحول يجعل من المملكة أحد الفاعلين الاقتصاديين الذين تتزايد أهميتهم داخل التوازنات الاستراتيجية الجديدة في أوروبا.




