الأطعمة الفاسدة والمواد الكيميائية تهدد المغاربة أمام عجز "أونسا"

أعاد إدريس جطو، رئيس المجلس الأعلى للحسابات، إلى الأذهان مرة أخرى "خطايا" المكتب الوطني للسلامة الصحية "أونسا"، ولكن هذه المرة من موقع المدافع عنه، وذلك خلال عرضه للتقرير الأخير لقضاة المجلس أمام لجنة مراقبة المالية العامة بمجلس النواب، أول أمس الثلاثاء، حين اعتبر أن عدم قيام المكتب بأدواره راجع إلى ضعف الوسائل التي يمتلكها لا إلى مجهودات العاملين به التي وصفها بـ"الكبيرة".

واعتبر جطو أن الوسائل التي يملكها المكتب المسؤول عن الصحة العامة في المغرب "قليلة" كما أن سلطاته "محدودة" حينما يتعلق الأمر بإنزال العقوبات على المخالفين وفرض إغلاق المحلات، بل إنه يعجز أعيانا حتى على مراقبة بعض الفضاءات مثل المطاعم الخاصة لمراقبة الجماعات المحلية.

خصاص وغياب للاستقلالية

لكن عرض جطو استحضر أيضا سلسلة من النقائص والاختلالات التي رصدها المجلس الأعلى للحسابات من خلال تقريره الذي قُدم للملك محمد السادس شهر شتنبر الماضي، وفي مقدمتها الاستقلالية غير كافية للمكتب عن سلطة الوصاية المتمثلة في وزارة الفلاحة، إذ اعتبر أن تحقيق هدف الرفع من المردودية المكلَّف به من لدن الوزارة الوصية قد يتعارض أحيانا مع حرص المكتب، في إطار ممارسة اختصاصاته، على الاستعمال المعقلن للمواد العضوية والكيماوية ومراقبة بقاياها في المواد الغذائية.

واعتبر التقرير أن نمط الحكامة الحالي الذي يضطلع فيه وزير الفلاحة بمهمة رئاسة مجلس إدارة المكتب، يمكن أن يخلق حالة تعارض بين هاجس الحفاظ على النظام العام من جهة، وقدرة المكتب على تقديم آراء شفافة تستند حصريا على الحقيقة العلمية، من جهة أخرى.

ولاحظ المجلس أيضا وجود خصاص كبير في الموارد البشرية لـ"أونسا" بالنظر لحجم المهام الموكلة إليه، خصوصا أن عددا كبيرا من موظفيه أحيلوا على التقاعد في السنوات الأخيرة فمنذ سنة 2013 تقاعد 562 شخصا بوتيرة تصاعدية، ما جعل نسبة التأطير البيطري في المغرب لا تتجاوز 0,1 لكل 10 آلاف نسمة، في الوقت الذي يصل فيه المعدل في أوروبا إلى 1,1 لكل 10 آلاف نسمة، أما نسبة التأطير في مجال مراقبة المنتجات النباتية فلا تتجاوز مفتشا واحدا لكل نصف مليون نسمة في المغرب، مقابل مفتش لكل 17 ألف نسمة في فرنسا ومفتش لكل 5 آلاف شخص في كندا.

وإلى جانب ذلك سجل المجلس أن نظام المراقبة الصحية للمنتجات الغذائية في المغرب يرتكز على آليات إدارة المخاطر "Management Risk"، والتي تعتمد على المعطيات العلمية والبيانات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وكذا على نتائج عمليات المراقبة والتفتيش للمنتجات والأنشطة الفلاحية الغذائية، لكن هذا النظام أغفل جانب تقييم المخاطر الصحية "Assessment Risk".

وأبرز التقرير أن المكتب حاول استدراك الأمر بإنشاء قسم خاص بتقييم المخاطر الصحية والصحة النباتية بالإدارة المركزية سنة 2017، غير أن هذا القسم لا يتوفر على عدد كاف من الأطر من أجل الاضطلاع بمهامه، إذ لا يشتغل به سوى موظفان فقط.

ثغرات في مراقبة المواد الغذائية

أما بخصوص المراقبة الصحية للمواد الغذائية، فقد خلص المجلس الأعلى للحسابات إلى محدودية النظام الحالي لمنح التراخيص والاعتمادات، نظرا لمعاناة نظام التراخيص من عدة إكراهات أبرزها تعدد المساطر، ووجود دفتر للتحملات موحد ومتطلب خاصة بالنسبة للفاعلين الصغار، إلى جانب الضغط الشديد على الموارد البشرية المحدودة للمكتب، ورصد نقصا في الإرشادات الموفرة للفاعلين الذين يتجه بعضهم لطلب الاعتماد في حين أن الأنشطة التي يعتزمون مزاولتها ال تستلزم إلا ترخيصا من المكتب، معتبرا أن كثرة القيود المفروضة في دفتر التحملات لا تشجع الفاعلين في القطاع الغذائي على أخذ المبادرة الامتثال للنصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالسالمة الصحية للمنتجات.

وفي المقابل لاحظ قضاة المجلس، من خلال فحص عدة تقارير لزيارات صحية متكررة أنجزت في إطار التتبع الصحي للمؤسسات المعتمدة، خصوصا تلك التي تنشط في مجال منتجات البحر، أن مفتشي المكتب يتحفظون بشكل عام بشأن سحب الاعتماد الصحي للمؤسسات المخالفة وذلك بالرغم من خطورة المخالفات المسجلة بحقها وطابعها المتكرر، ويكتفي مراقبو المكتب في أغلب الحالات بتوجيه الملاحظات المسجلة للمؤسسات المعنية مع حثها على "وضع جدول زمني لتصحيح الاختلالات وإرساله إلى المكتب في أقرب الآجال".

وسجل التقرير غياب المراقبة على المواد الغذائية التي تحتوي على عناصر معدلة جينيا، نظرا لغياب إطار قانوني لاستخدام هذه المواد، وذلك بالرغم من استمرار الجدل على الصعيد الدولي حول المخاطر التي قد يمثلها استعمالها على صحة المستهلك، علما أن استيراد المواد الغذائية المتضمنة لعناصر معدلة جينيا ممنوع في المغرب بحكم القانون، لكن مختبرات "أونسا" ليس لها القدرة على اكتشاف وجود هذه العناصر.

سلطات محدودة

ومن السلبيات التي أماط عنها تقرير مجلس جطو اللثام، محدودية السلطة الإدارية لمراقبي المكتب إذ أورد أنهم غالبا ما يعجزون عن ردع المخالفين الذين ينتجون أو يخزنون أو يوزعون منتجات غذائية غير مطابقة لمقتضيات القانون، ذلك أن هؤلاء المراقبين لا يتمتعون إلا بسلطة محدودة لفرض عقوبات إدارية على المخالفين، حيث أنهم لا يملكون صلاحية إقرار الإغلاق الكلي أو الجزئي لأية مؤسسة مخاِلفة، حكون أن القانون لا يخول لهم سوى إمكانية الحجز على البضائع غير المطابقة أو إخضاعها للإيداع القانوني في انتظار ظهور النتائج النهائية للمراقبة، موردا أن العديد من محاضر المخالفات الصادرة عن المكتب تبقى دون أثر كون أن قرار الإغلاق يبقى بيد السلطات المحلية.

ووقف المجلس على ضعف المراقبة الميدانية للمطعمة الجماعية، وهي التي تتم بشكل أساسي في إطار لجان المراقبة المختلطة المحلية، حيث تكون المصالح التقنية للمكتب ضمن هذه اللجان، ويقوم الوالي أو العامل بتحديد برنامج الزيارات الخاص بها، أما رخص استغلال هذه المحلات فتصدرها الجماعات المحلية دون أي رأي صحي مسبق من مصالح المكتب الوطني لسالمة المنتجات الغذائية، وفي حالة اكتشاف مخالفات تكتفي مصالح المكتب بحجز وإتلاف المواد غير المطابقة وتقوم باتخاذ التدابير التي تمليها النصوص التنظيمية المعمول بها كتحرير محضر أو اقتراح الإغلاق.

وإلى جانب ذلك رصد التقرير عدم توفر المكتب الوطني للسلامة الصحية على الوسائل الملائمة لإتلاف المواد المحجوزة خاصة ذات الأصل الحيواني، إلى جانب غياب مراقبة بقايا المبيدات في الفواكه والخضروات الموجهة للسوق المحلية، وغياب المراقبة الصحية في أسواق الجملة للفواكه والخضر، والعجز عن الحد من المخالفات المتكررة المرتكبة من طرف المطاحن الصناعية وشركات صنع ملح الطعام والمتعلقة بتقوية الأغذية عالية الاستهلاك، وعجز السلطات الصحية إزاء عدم احترام الأسواق الممتازة والمتوسطة لبعض المقتضيات التشريعية الصحية.

عجز أمام الخطر الكيميائي

ومن أخطر الأمور التي نبه إليها التقرير، تلك المتعلقة بمراقبة المدخلات الكيميائية، إذ أورد أن القسم المتخصص بها التابع للمكتب لا يتوفر على أية معلومات تخص عدد باعة هذه المواد أو الكميات التي يتم توزيعها عن طريق هؤلاء التجار والذين يمثلون أحد أهم مسالك البيع بالنظر الى عامل قربهم من الفالحين، موردا أن هذه الوضعية تشكل خطرا كبيرا على الصحة العامة، حيث أن هؤلاء الباعة غير المعتمدين، والمشكوك في توفرهم على الكفاءة اللازمة للاستعمال الأمثل لهذه المواد، يقدمون كذلك إرشادات للفالحين من أجل الرفع من مردوديتهم الفلاحية.

ولاحظ قضاة المجلس أن نشاط إعادة توضيب مبيدات الآفات المستوردة بأحجام كبيرة على شكل عبوات صغيرة تناسب احتياجات صغار المزارعين، لا يخضع لإشراف أو مراقبة مصالح المكتب، حيث أن مزاولة هذا النشاط لا تستوجب ترخيصا من طرف هذا الأخير، ما يحول دون توفره على معلومات حول الشركات التي تزاول هذا النشاط، وحول الكميات التي يتم إعادة توضيبها على المستوى الوطني.

وحسب الأرقام التي استقاها مجلس الحسابات من جمعية "كروب لايف ماروك" التي تضم 23 شركة للصحة النباتية معتمدة ومتخصصة في بيع مبيدات الآفات الزراعية، والتي تمثل 85 في المائة من سوق مبيعات المبيدات، فإن ما بين 35 و45 في المائة من المبيدات المستوردة يتم إعادة توضيبها في عبوات صغيرة، مما يعطي فكرة عن حجم هذا النشاط.

ووفق التقرير فإن هذا الوضع الناتج عن غياب مراقبة المكتب لمثل هذه العمليات، يعتبر مقلقا بالنظر إلى المخاطر الكبيرة التي ينطوي عليها التعامل المباشر مع المبيدات والممارسات الاحتيالية التي قد تحدث عن طريق تعديل تركيبة المبيد بإضافة منتجات أخرى إليه، أو إعادة توضيب منتجات منتهية الصلاحية وغير ذلك.

الثلاثاء 18:00
سماء صافية
C
°
24.8
الأربعاء
25.04
mostlycloudy
الخميس
25.42
mostlycloudy
الجمعة
25.56
mostlycloudy
السبت
24.09
mostlycloudy
الأحد
23.05
mostlycloudy