التنخيب الإعلامي.. أي دور لوسائل الاعلام في إبراز كفاءات ونخب "مغمورة"؟

لم يعد للنقاش العمومي حول دور وسائل الاعلام في إبراز كفاءات ونخب لم تجد لها موقعا من داخل مؤسسات الوساطة الديمقراطية أو حتى داخل أجهزة وهياكل الدولة نفسها، ذلك الارتباط المباشر بمنتوج الاعلام العمومي أو الخاص أو حتى وسائل وتقنيات التواصل الجديدة بما توفره منصات التواصل الاجتماعي وفضاءات البث المباشر والمسجل لمضامين كثيرة ومتنوعة، لما لها من جاذبية متنامية وقدرة مروضيها على صناعة محتوى غير خاضع للرقابة ومفتوح على تقنيات كتابة وتصوير ومونتاج وبث لا حدود لها.

ففي الوقت الذي يحرص فيه البعض على التمسك بمضامين شبكة برامج الإعلامي العمومي من قنوات وإذاعات والعدد المحدود جدا من برامجها الحوارية باعتبارها الملاذ الأخير للنقاش الجاد والرصين، والضيوف الذين لا تُمكِّنهمُ فضاءات التواصل الأخرى من مساحات زمنية للظهور والتعبير عن مواقفهم وآرائهم ووجهات نظرهم بخصوص عدد من القضايا، يؤكد البعض الآخر على استحالة استرجاع "الاعلام التقليدي" لبعض مما كان عليه في الماضي، وأن المعول كليا اليوم على الإعلام البديل كآلية للتواصل والترافع على مختلف الواجهات والقضايا في تحرر تام من مقص الرقيب.

فإلى أي حد تسعى البرامج الحوارية إلى تعزيز تواجد نخب وكفاءات "مغمورة"، وهل الكفاءة مرتبطة بفصاحة اللسان والتعبير والبيان، وماهي نقط قوة وضعف الاعلام البديل كآلية لإبراز كفاءات ونخب جديدة؟

اعلاميون شباب في قلب إعلام تقليدي

يخلف عدد من الإعلاميين الشباب الذين يدبرون زمن النقاش الخاص بالبرامج الحوارية، انطباعا إيجابيا وسط متابعيهم، نظرا للمواضيع التي يحرصون على اختيارها كونها الامتداد للنقاش المجتمعي، وأيضا لطبيعة الضيوف الذين يغنون هذا النقاش كل بحسب مجال اختصاصه.

جامع گلحسن واحد من الاعلاميين الشباب الذين يمثلون الجيل الجديد للقناة الثانية، يرى أن "دور البرامج الحوارية مهم في التنخيب الاعلامي ولكنه لا يمكن أن يعوض بتاتا وسائل التنخيب الأخرى من أحزاب ونقابات وجمعيات"، منبها في ذات الوقت إلى أنه "قد يساهم الاعلام في بروز نخب جديدة، لكنه قد يصنع كذلك فقاعات إعلامية لا ترقى الى مستوى النخب".

مقدم البرنامج الحواري "مباشرة معكم" الذي تبثه بالمباشر أسبوعيا القناة الثانية، وفي معرض جوابه عن سؤال للموقع حول مدى حرص مقدم البرنامج وفريق الاعداد على دعوة كفاءات قد لا تكون معروفة كفاية، أكّد بالقول: "هذا هو رهاننا الأساس، أن نمنح الفرصة لوجوه جديدة وغير مستهلكة خصوصا من الشباب والنساء الذين لا يتوفرون دائما على بوابات لإبراز كفاءاتهم"، مشيرا إلى أن "التجديد لا يعني القطع مع الوجوه المعروفة التي تضفي أهمية على المواضيع التي يتم طرحها للنقاش".

وبخصوص دور وسائل الاعلام في التعريف بنخب "مغمورة" في مجالاتها، وإمكانية إبراز كفاءاتٍ لم تجد طريقها للريادة من داخل مؤسسات الوساطة الديمقراطية، يرى ذات المتحدث أنه من الممكن أن تقوم وسائل الاعلام بهذا الدور، "لكن لابد من عملية "كاستينغ" وإعداد حتى لا تنقلب الصورة وتعطي النخب "المغمورة" صورة سلبية عن نفسها وتصبح الشرعية مؤبدة للوجوه المعروفة".

إعلام مُنغلِق وسط عالم مُتحرِّك

من جهته يرى حسن بناجح أن "وسائل الاعلام الرسمية مغلقة ومعلّبة وتشترط مُسبقا سقفا في الخطاب وزاوية معينة في المعالجة، مما يجعل مسألة مساهمتها في انتاج نخب وجودة إعلامية غير ممكنة"، لأنها لا تقبل، بحسب ذات المتحدث، "إلا نوعا واحدا من الخطاب، وهو ما ينعكس على جودة المنتوج الإعلامي".

القيادي في جماعة العدل والإحسان وفي تصريح له للموقع أرجع النفور المسجل من المنتوج الإعلامي الرسمي إلى عاملين أساسين، أولهما الطفرة النوعية التي يعيشها العالم في مجال الاعلام والتواصل، مشيرا إلى أن "المتلقي أصبحت له حرية الاختيار بين مئات القنوات التلفزية العالمية التي توفر خدمة إعلامية نوعية بجودة أعلى ومساحة حرية أكبر مما يُغني منتوجها بشكل لافت"، وثانيهما "مستوى الانفتاح المتزايد على مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت منبرا لإبراز العديد الكفاءات من أبناء الشعب المقموعة والممنوعة من الاعلام الرسمي، وهو ما تحركت الدولة في اتجاه تكبيله من خلال المدونة المجحفة".

وبخصوص طرق تعريف جماعة العدل والإحسان بمواقفها، أكّد بناجح أن "الجماعة تعيش تحت وقع حصار إعلامي مطبق، وأعضاء الجماعة، وهم كفاءات ونخب من المجتمع ممنوعون من الاعلام الرسمي، كما أن محاولاتنا الإعلامية تتعرض للمنع والحصار، وذلك باستثناء ما يتم تسجيله من مساهمة بعض الهوامش الإعلامية التي تؤدي أدوارا مستقلة في الإطار".

الاعلام البديل.. مِن وإلى أين؟

وحول ما إذا كانت منصات التواصل الاجتماعي مؤهلة للتعريف وإبراز كفاءات ونخب لم تجد مكانا لها داخل مؤسسات الوساطة الديموقراطية، يرى منير ازناي الخبير في مجال التواصل والاعلام أن "وسائل التواصل الاجتماعي هي مجرد وسيلة تقنية يتم استخدامها للقيام بعملية تواصلية: إذاعة خبر، نشر موقف، تصحيح أكاذيب، وبالتالي فإعطاء وسائل التواصل الاجتماعي قيمة أكبر من قيمتها هو بالتأكيد أمر غير صحي يلغي صلاحية المؤسسات الموكل إليها إفراز النخب طبيعيا، كالمدارس والمساجد والجمعيات والأحزاب والنوادي الرياضية, وكل الفضاءات العامة التي تشكل فضاء لصناعة الإنسان المتفوق الذي بمقدوره تكوين مادة اقتراحية تساعد على حل المشكلات في مختلف المجالات".

في ذات السياق دعا ازناي، في تصريح للموقع، المؤسسات التي تمارس دور الوساطة الديموقراطية إلى القيام بدورها كما يجب، مع الانتباه إلى ضرورة تحيين "آليات اشتغالها حتى تصير أكثر قربا من المواطن المغربي في نسخته الحالية، وأن تستخدم في ذلك لغة قريبة منه وآليات تواصلية يفهمها"، ومن أهم هاته الوسائل، يضيف ذات المتحدث، "التقنيات الحديثة والسريعة في إيصال المعلومة وإشاعة الموقف والخبر، حتى لا يغلب على هاته الوسائط والوسائل طابع السلطة والرقابة التي لا ينبغي أن تعطى لها فيتغير دورها من مجرد وسيلة إلى مؤسسة موازية للمؤسسات الرسمية والعمومية والمدنية الموكل لها مهمة إفراز النخب وتأطير المواطنين وتوفير الفضاءات اللازمة لهم حتى تتحقق عملية إفراز النخب بجودة أفضل وبإنسانية أكبر، دون الحاجة إلى صناعة مشوهة لمحتوى معين أو مواد إعلامية تشكل مادة لتوجيه الرأي العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي".

مشيرا إلى أنه ينبغي على فضاءات التواصل الاجتماعي أن تكون البديل لوسائل الإعلام التقليدية فيما يتعلق بالتعريف وإبراز الكفاءات والنخب. مؤكدا على أن "وسائل الإعلام والتواصل، ومنذ العصور الوسطى، عرفت تطورا كبيرا، والإنسان دائم التجديد والتحيين فيما يخص الوسائل التي يستخدمها لتوثيق أفكاره وأخباره ونشرها، واليوم نعيش ثورة تقنية وفكرية تستلزم تغييرا جذريا في الوسائل المستخدمة في ذلك حتى يتسنى للعملية التواصلية بين هاته المؤسسات وبين الأفراد أن تمر بشكل سليم دون أن تشكل هوة كبيرة بين مختلف المتدخلين في العملية التواصلية".

ذات المتحدث يرى أن غياب إعلام مؤسساتي حقيقي في المغرب، في مقابل الحرص على إشاعة معلومات غير دقيقة أو خاطئة كليا والترويج لها على نطاق واسع، يخلق عبثا إعلاميا وصناعة رموز إعلامية لا تتجاوز كفاءتها الفصاحة والبلاغة الشفاهية. داعيا إلى "ضرورة استعجال مراجعة الخطاب الرسمي التواصلي للمؤسسات وتحديثه وإدخال التقنية الحديثة عليه حتى يمكننا معالجة كافة مكامن الخلل التي تشوب المشهد الإعلامي والتواصلي الرسمي بالمغرب".

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .