التّطرّفُ السّياسي!

أحزابٌ نَشأت على فكرةِ التّطرّف.. وأصبحَ التّطرّفُ مؤسّسَها الحقيقي.. وكلٌّ منها يَحسِبُ نفسَهُ أفضَل.. وفِكرَهُ ورأيَهُ أفضَل.. وسُلوكَهُ وعِرقَهُ وقبِيلتَه... وعلى "الأفضَليّةِ" المَزعُومة، أنشَأت فئاتٌ "مَرمُوقةٌ" أحزابًا عائليّة، زُبونيّة، مَصلَحيّة، وقادَتْها على مَنهَجيّةٍ مُتطَرّفة، إلى أهدافٍ شديدةِ التّطرّف..
والتّطرّفُ ليسَ دينيّا فقط، إنهُ سياسِي، وفكرِي، واقتِصادي، واجتِماعي...
التّطرّفُ في السياسةِ عُنصُريّة..
وأحزابٌ مُتطرّفةٌ لا تخدُمُ الوطنَ والمُواطن.. إنها تخدُمُ قادتَها ومن هُم أقوياءُ بداخلِها..
لقد نشأت هذه الأحزابُ على الطاعةِ العمياء..
وهذا حالُ "تُجّار الدين".. وعندما يَلتقي التّطرّفُ الدّيني بالتّطرّف السياسي، "تَشتَعلُ" البلادُ بالتناقُضات..
لصُوصٌ يَرتَدُون بذلةَ "التّقوَى"، وآخرون عَباءةَ "النّضال".. وفي زمن السّلمِ يَتقاتَلون.. وفي مَوسمِ الحَصادِ يأتُون على الأخضرِ واليابس.. وكأن مَدلُولَ "التّقوَى والنّضال" لا يعنِي خِدمةَ البلاد، بل خِدمةَ المَصالح!
وهذا حالُ التّطرّف السياسي.. تَطرّفٌ قيادي - في الحزب - يُسرّبُ التطرّفَ النّضالي إلى الناشئة..
وها هو التّطرّفُ يُنتِجُ التّطرّف..
ويتَحالفُ الاثنان.. يتَحالفانِ ضدّ من؟ ومن أجلِ من؟
  - الجوابُ عندَ "المَصالحِ المُشترَكة"..
  وهذا حالُ كلّ استِبدادِيّاتِ العالم: التّطرّفُ الحِزبي لا يَقُودُ السياسةَ إلى مَصالحَ عمُوميّة، بل إلى مَصالحَ خاصّة..
وكلٌّ من أحزابِ التّطرّف، يَتَفَنّنُ في تلقينِ التّطرّف السياسي إلى النّاشِئة..
وتَرَى الحزبَ يرفعُ شعاراتٍ رنّانة..
وفي سلوكاتِها "النّضاليّة"، ليست سوى شعارات.. ويُعلّم "الحزبُ" ناشِئَتَهُ أنّه هو أحسنُ حزب، وأن مُناضِليه هُم أفضلُ مُناضلين..
وبَونٌ شاسِعٌ بينَ الشعاراتِ والفِعل..
والحزبُ يُلقّنُهُم أنّهُم هُم المؤهّلون للحُكمِ وتدبيرِ شؤون البلد، وأنّ الأحزابَ الأخرى ليسَت إلاّ صورية، وخائنة، وعِمِيلة، وأنّ أتباعَها أعداء، ويَجبُ الاحتراسُ منهم...
وهكذا يتراشقُون بالاتّهامات.. ويَتبادلُونَ اللاّأخلاق..
  - فأينَ الأخلاقُ في أحزابِ السياسةِ التّطرّفيّة؟ وهل للتّطرّفِ السياسي أخلاق؟
  أحزابٌ تبنِي تألّقَها على أنّ أعداءَ يتَرَبّصون بنَجاحاتِها.. والأعداءُ المَوهُومةُ ليسوا بداخلِ هذه الأحزاب.. إنهُم يُصدّرون الخطرَ إلى اعتبارِه مَوجودًا في الخارج.. ويقولون: "الخطرُ ليس بداخلِنا، هو خارجَنا"..
وهذه اللغةُ التآمُريّة طالما ردّدَها قادةُ أحزابٍ سياسيةٍ مُتطرّفَة..
وفي هؤلاء "الزّعماء" من كانُوا يُشِيرُونُ بأصابِعِهم إلى جَمهُورِ المُناضلين، ويُنبّهونَهم: "انتَبِهُوا! العُملاءُ الخَوَنةُ الجواسيسُ موجودُون هُنا، بينَكُم، وسيُبلغُون أخبارَكُم ومعلُوماتِكم إلى الجهاتِ المَعلُومَة...!"..
وهذه النظرةُ السّوداديةُ كوّنَت بعضَ "المُناضِلين" على اعتبارِ أنفُسِهم مُهدَّدِينَ بالمُخبِرين والجواسِيس، وأنّ "مُناضِلي الحزب"  هُم أحسنُ من غيرِهم، وأنّ غيرَهُم مُتخلّفون مُتسلّطون مُترامُون..
ومِن هذه "الأفضَلية"، تَسرّبَ الوَسواسُ الخنّاسُ إلى نُفوسِهم، وأنهُم هُم لا أصدَقَ ولا أَوفَى ولا أحسنَ منهُم..
وأصبحَت في بعضِ الفئاتِ "النّضالية" عقلياتٌ مُتطرّفةٌ فكريّا وسياسيّا وسلوكيّا..
ونشأ عِندهُم تَقديسُ الحزبِ على الوَطن..
كما نشَأت الكراهيّةُ لكلّ الاختِلافات.. الكراهيّةُ للأحزاب الأخرى.. والمُناضِلين الآخَرِين..
وتكوّنَت في هذا المُناخِ المُتطرّف ثقافةٌ خاصّة، ومَرجِعيّاتٌ يَختلطُ فيها الصّحيحُ بالخاطِئ..
وأصبَحت لأحزابِنا ثقافةّ خاصّة، تُقدّسُ الأَنَا، وتتَزَلّفُ وتتَقرّبُ إلى "أصحابِ القَرار"..
وتَشِي "النّضالاتُ" ببَعضِها..
وتتَظاهرُ بما ليس فيها..
والنتيجة: النّفخُ في فئةٍ من "المُناضِلين المُزوَّرِين"، وتَصنَعُ مِنهُم نُجومًا، ثم مسؤولين مَحلّيّين وجِهويّين ومَركزيّين، ثم برلمانيّين، ووُزراء، وفي مناصبَ عُليا، ثمّ من كبارِ الأثرياء..
  - وهل عندنا حزبٌ غيرُ مُحاطٍ بمُهرِّبِينَ واحتكاريّين؟
ولا يتَوَقّف التواطُؤُ عن هذا الحدّ..
الأحزابُ مِثلَ العصابات، تتَقاتلُ ظاهريًّا، وفي الخفاء هي مَسقيّةٌ بمِغرفَةٍ واحدة، وتقودُها عيُونٌ واحدة، وتتَبادلُ مَعلوماتٍ واحدة..
ثمّ تَحتَرِقُ القياداتُ وشبكاتُ "المالِ والأعمال"..
ولا تَنسَى تِردادَ نفسِ أسطواناتِها القديمة: "العَميلُ هو الآخر.. الجاسُوسُ هو الآخَر.. الشّرّيرُ هو الآخَر"...
أصابعُهم لا تُشيرُ بالاتّهامِ إلا للآخَر..
وعندما يتَحالفُ حتى حزبٌ "يَسارِي" مع حزبٍ "دِينِي"، في حُكومةٍ واحِدة، يقودها مُختَلّ نفسيّا وعَقليّا، يُضيفُ "الزّعَماءُ" لتطَرّفِهم السّياسِي تطرّفًا دينيّا، فيُصبحُون هُم أيضا مُتشبّعين بالعُنف اللّفظِي والفِعلي..
ويُصبحُ التّواطُؤُ اليساري الدّينيّ خطرا على كل البلد، لأنه يُحدِثُ بَلبلَةً في النّفوسِ والعقُول وفي كل الرصيدِ "النّضالي" الثقافي..
  - ويختَلطُ الحابِلُ بالنّابِل..
  ويَنشأ عندَنا مُجتمعٌ لا يثقُ في أحد.. لا الأحزاب، ولا النقابات، ولا المؤسّسات، ولا في الحاضِر ولا المستقبَل..
الكُلُّ "دَكاكِينُ" انتِفاعيّة..
 "دَكاكِينُ" سياسية، دينيّة، يمِينيّة، يساريّة، وسَطيّة..
 "دَكاكِينُ" لا يثقُ الناسُ في سِلعَتِها..
ولا يَتعاملُون معها..
 "دَكاكِينُ" قد أحرَقَت آخرَ أوراقِها..
وهذه نتيجةُ التّحالُفِ بين السّياسة والدّين.. تحالفٌ يَنحرفُ بالسياسة، وينحرفُ بالدّين..
- ويَزيغُ القِطارُ عن سكّتِه..
ويُصابُ القِطارُ بالغَثَيان..
والتّواطُؤُ السياسي الدّيني هو أكبرُ خطرٍ على سِكّةِ القطار الوطني..
تجمعُهُما المصالحُ المُوقتة، وفي أول فُرصةِ يُفجّرانِ بَعضَهُما..
وهذا ما يَجعل أحزابَنا "السياسيةَ الدَينية" أحزابًا مُتطرّفةً بالطّولِ والعَرض..
السياسيةُ مُقتنِعةٌ أنها بالفِكر تعرِفُ كلَّ شيء، والدينيةُ مُقتنِعةٌ أنها بالدِّين داخلةٌ إلى الجنّة، وأن تحالُفَها مع حزبٍ آخر يُخوّلُها الرّكُوبَ على ظهرِ غيرِها لكي تَصِلَ إلى الحُكم، وتُنفّذَ برنامجَ "دارِ الآخِرة"..
- وهذه كلُّها "أضغاثُ أحلام"..
أحزابٌ تَمَكّنت من إخراجِ فئاتٍ من المُجتمع الفاعلِ عن سِكّةِ العقل، وأزاحَتهُ إلى هاويةِ اللاّعَقل..
وبَنَت ما تُسميهِ "استراتيجيّةً مُستَقبليّةً"، على خُرافةٍ وشَعوَذة.. واستَبدَلَت الواقِعَ بالخُرافة..
وأقنَعَت البعضَ بأنّ الخلاصَ يَكمُنُ في أحلامِ الليل، لا في واقعِ النهار..
وهذا الخِداعُ الحِزبِي يُشكّلُ "رَصاصَةَ الرّحمة"..
لقد احتَضرَت أحزابُنا..
ولم يَعُد لها وجُود!


[email protected]