الجماهري: هناك مَدٌّ مُحافظ يُقابله عجز لدى قوى اليسار في التعبئة المجتمعية – الصحيفة

الجماهري: هناك مَدٌّ مُحافظ يُقابله عجز لدى قوى اليسار في التعبئة المجتمعية

أعلن إدريس لشكر الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية خلال لقاء تواصلي نظمه حزبه بمدينة الفقيه بنصالح نهاية الأسبوع المنصرم، أن الاحتفال بالذكرى الـ60 لتأسيس الاتحاد والمنتظر تخليدها هذه السنة، ستشكل محطة تاريخية هامة لتعزيز أواصر الوحدة والمصالحة بين مختلف مكونات الاتحاد، مؤكدا على حرصه على توجيه الدعوة إلى كل القيادات السابقة من أعضاء المكاتب السياسية والمجالس الوطنية، وكل المسؤولين السابقين والبرلمانيين، بما فيهم المخضرمين من عهد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وإلى غاية اليوم.

عبد الحميد الجماهري، عضو المكتب السياسي لحزب الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وفي هذا الحوار الذي خـص به موقع "الصحيفة" أكد على ان مبادرة "المصالحة" التي أعلن عنها الكاتب الاول للحزب يتجاوز أفقها وحدة الصف الاتحادي إلى الانفتاح على الكتلة الاتحادية التاريخية، وكل مكونات اليسار الوطني الديمقراطي أشخاصا وهيآت.
مشددا على أن المتغيرات الجيو استراتيجية التي تعرفها المنطقة تجعل العمل على تجميع قوى اليسار ضرورة اجتماعية وديمقراطية. 

وبالرغم من الإنطباع شبه السائد بخصوص محدودية الإمتداد الجماهيري للإتحاد وانكماش قوته الانتخابية، إلا أن مدير تحرير جريدة "الاتحاد الاشتراكي" يرى مثل هذه المبادرات الكبيرة والعميقة، ليس مهما من سيطلقها، لكن الأساسي هو من سيحملها ويجسدها، في أفق تعبئة مجتمعية شاملة لمواجهة المد المحافظ ولخلق التوازن داخل المجتمع.

- بداية، ماهي قراءتكم لمبادرة الكاتب الأول على المستويين السياسي والتنظيمي للاتحاد؟

أولا، دعني أُذكِّر أن المصالحة هي القيمة والمفهوم الذي تأسس عليه وعلى أسسه العهد الجديد، والإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كان من المساهمين الفاعلين منذ 1996 في تنزيل المصالحات الكبرى، واليوم الإتحاد لا يمكن أن يعفي نفسه من أسئلة المصالحة وتقديم الأجوبة لها.

ثانيا، دعني أقول لك أن هذه الرغبة والإرادة في تجميع القوى والإرادات كانت دائما موجودة، وهذا ليس فقط مطلب مناضلات ومناضلي الاتحاد، بل هو واحد من المطالب الراسخة في عمق القوى اليسارية والديمقراطية في البلاد، كما أنه أصبح حاجة وضرورة اجتماعية وديمقراطية.

فهو ضرورة اجتماعية، لأن قوى اليسار والإتحاد في صُلبها معبِّر أساسي عن الطبقة المتوسطة وفآت الدخل المحدود والفآت الهشة، وبالتالي لا بد من أن يكون الإتحاد، ومعه الصف التقدمي، منحازا للواقع وللعمل من أجل العدالة الاجتماعية، وهو ما يعني أننا مطالبون بأن نشكل قوة اقتراحية ووسائط حقيقية.

وهي ضرورة ديمقراطية، لأنه لابد أن يكون للصف اليساري الوطني التقدمي موطئ قدم داخل المؤسسات وفي المشهد السياسي، حتى لا يبقى مجال الحرية الوحيد للمغاربة هو الإختيار بين قوى الإسلام السياسي أو المقاطعة.

والرهان اليوم يتمثل في السعي بكل جدية في الوسائل ونبل في الغايات للخروج من هذه الثنائية، والخيار الديمقراطي التقدمي هو الذي يمكن أن يشكل هذا التوجه، حتى لا تُخلق تناحرات مجتمعية لا يمكن التكهن بمآلاتها.

أصدقك القول إن الإتحاد ولاعتبارات فيها الشرط الذاتي والموضوعي، فقد الكثير بغياب مثل هذه المبادرات، وليس سرا أنه حينما تكون هناك دعوة للمصالحة فكلفتها السياسية والبشرية والانسانية تكون كبيرة. ولتجاوز هذا الوضع تم الاعلان عن هذه المبادرة والتي تعبر عن مطمح داخل نفوس الاتحاديات والاتحاديين ومؤسسات الحزب، وهي مبادرة لها مقابلها خارج التنظيم. فالمطلوب في هذا الجانب هو تأمين شروط إنجاح هذه المصالحة بمشاريع تنظيمية وفكرية ومجتمعية.

- في إطار استحضار الشرط الذاتي والموضوعي لإنجاح هذه المبادرة، وبالنظر إلى الانطباع شبه السائد اليوم بخصوص محدودية الامتداد الجماهيري للاتحاد وانكماش قوته الانتخابية، هل ترى أن الاتحاد قادر على تملك مفاتيح هذه المبادرة وإنجاح شروطا؟

الأولوية الآن هي خلق الوعي العميق بالضرورات التي تفرضها المصالحة، مع استحضار النوايا السليمة طبعا. وبالاضافة إلى تحصين هذه المبادرة بنقاش طابعه الإرادة والإنسانية والعاطفة، فمن المهم حرص الجميع على توفير شروط وهياكل تسمح باستمرار هذا النقاش وترصيده، وتحصين الرأسمال الذي يمكن أن ينتج عنه. وهو ما يعني التفكير في أشكال تنظيمية جديدة وإبتكار طرق تنظيم الإختلاف والاتفاق على حـد سواء.

فالتفكير الجماعي في كيفية تشكيل الرافعات البشرية القادرة على تنزيل مخرجات هذه النقاشات والاتفاقات سيمكننا من الاجابة على السؤال المحوري وهو "كيف نخلق الإمتداد الجماهيري للمشاريع اليسارية الوطنية"، وهنا أقول إنه لا بد من النظر وإعادة النظر في المسألة النقابية والثقافية وأن نجعلها جوهر كل نقاش وقط رحاه.

كما أن الرهان اليوم ليس فقط من سيبرح المحطات الانتخابية المقبلة وإنما ما الذي سنفعله ونقدمه لربح المشروع الديمقراطي والتقدمي والتحديثي داخل المجتمع، حيث المسألة الثقافية هي المركز، فلا بد من إعادة تغذية تمايز السوسيو ثقافي داخل المجتمع، بحيث يكون الانتماء إلى الفكرة التقدمية واضحا وأن يكون على قاعدة ثقافية واسعة ورؤية واضحة.

- هل لكم أن تطلعونا على الطرف أو الجهات التي دعت إلى مبادرة "المصالحة" المزمع الكشف عن تفاصيلها بالتزامن مع الاحتفال بالذكرى الـ60 لتأسيس الإتحاد ؟

ليس مهما من سيطلقها، لكن الأساسي من سيحملها ويجسدها، وفي تقديري جوهر النداء الذي أطلقه الكاتب الأول يستجيب لروح موجودة في المجتمع ولدى النخبة التي تنتصر لقيم الحادثة والديمقراطية وحقوق الإنسان الكونية، وهذه الروح تعبر عن نفسها باستمرار عبر أشكال وكتابات كثيرة.

هناك نقاشات موضوعية تُقِر بوجود عجز حقيقي لدى قوى اليسار في التعبئة المجتمعية المواجهة للمد المحافظ ولخلق التوازن داخل المجتمع، وبالتالي لابد من انخراط واسع في المبادرة.

المشاريع السياسية الكبيرة تجد ضرورتها، من جهة، في إشراك وتوسيع القاعدة البشرية المؤهلة التي تغنيها وتقويها، ومن جهة ثانية، في توسيع دائرة الانحياز الشعبي خصوصا في الفآت الشعبية الوسطى والهشة، وحتى في الطبقات الميسورة ذات الحمولة التحديثية. وبالمحصلة أقول إن العملية ليست سطحية ولا بسيطة ولا ترفا لحظيا، كما أنها ليست أصلا تجاريا لطرف بعينه، بل هي مشروع ايديولوجي كبير وعميق يحتاج إلى قدر كبير من التواضع لتنزيله.

- هل لديكم الآن تصور واضح عن طبيعة الهيئات والأشخاص الفاعلين الذين ستتوجوهون إليهم أولا بهذه المبادرة ؟

إذا كان التوجه الأساسي والمنطلق بالنسبة لنا هو الكتلة الاتحادية التاريخية، فأعتقد أن هناك تفكيرا يذهب أعمق من ذلك، فبالنظر إلى المحيط الإقليمي الذي نعيش في تفاعل معه كدولة، أو المحيط الأورو متوسطي، وما سينجم عنه في المستقبل من مستجدات، فهناك متغيرات جوهرية كبرى تتم أولا على مستوى بنيات الوعي في الدول التي نشترك معها سواء اقتصاديا أو استراتيجيا، وهنا أُفكر في أوروبا وفي تصاعد النزعات الشوفينية والعنصرية، كما أفكر في القلاقل التي تعرفها منطقة شمال افريقيا والمغرب الكبير بالأساس، وقوس التوتر الذي قد يفتح من جديد في هذا البلد والذي قد يهدد كيانات أخرى جديدة بالاضافة إلى الكيانات التي انهارت في 2011 و2012. ناهيك عن الظروف التي قد تكون أكثر صعوبة على الخاصرتين الشرقية والغربية للمغرب، وبالتالي فجميعها أوضاع لا تفرض فقط ترقيعا إيديولوجيا سريعا على المستوى التنظيمي والايديولوجي، مهيأ على عجل، فالأمر يتعلق بتصور ينبغي أن يكون عميقا مُستحضِرا لكل ما تحدثنا بشأنه.

نحن اليوم نريد فقط إطلاق هذه المبادرة وتحصين ظروف وشروط نجاحها، وحمل الرسالة وتسليمها إلى الأجيال الصاعدة ونحن نقول لهم أن هناك تراكم كبير للتراث والتاريخ، سواء النضالي أو الأخلاقي أو السياسي، من الممكن أن نخدم بها بلدنا، فإن لم تخدم جميعها الوطن فلا معنى لها.

- أحزاب سياسية، وتحديدا الفيدرالية والتقدم والاشتراكية، يشترطان على الإتحاد مراجعة اصطفافاته السياسية والقيام بنقد ذاتي قبل الجلوس معه على طاولة أي مبادرة، إلى أي حد قد يكون هذا الشرط عائقا لهذه المصالحة؟

إذا اعتبرنا أن المصالحة بشكلها الذي قدمناه الآن، وببعدها القيمي والأخلاقي والوطني وبأفقها المهيكل للسياسة الوطنية، إذا كانت المصالحة بهذا الأفق وهذا العمق، فاعتقد أنه لا مجال لاشتراطات قبلية لطرف على طرف آخر.

أما إذا كان المقصود مما طرحته في سؤالك، هي القراءات النقدية للتجارب، فأعتقد أن الجميع مطالبها، سواء الذين كانوا يعتبرون الإنتخابات مجرَّد وصفة تنويمية ومغالطة، بل وأحيانا مجرد إشاعة برجوازية، لكنهم التحقوا بها ودافعوا عنها وانخرطوا فيها، فهم أيضا مطالبون بالنقد الذاتي. أو الذين كانوا يعتبرون أن مخرج العالم هو ديكتاتورية البروليتاريا، فيجب أن يُقِرُّوا بأنه كان هناك خطأ وأن عليهم الدخول في نقد ذاتي. لكن لا أعتقد أن هذا هو المدخل الصحيح، لأن النقد الذاتي هو من مكونات الثقافة الانسانية.

كما أن مسألة النقد الذاتي قـام بها الإتحاد بقرار سيادي، سواء مع الشهيد المهدي في الأخطاء الثلاثة القاتلة أو مع الشهيد عمر بنجلون سنة 1975 أو من خلال المحاضرة التي قدمها الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي في بروكسيل سنة 2003، وأيضا سنة 2007 من خلال تقديمنا للنقد الذاتي لتدبيرنا الحكومي، وكان نقدا أشد حدة من الذي وُجِّه للإتحاد من طرف أشرس خصومه.

الاتحاد وطيلة مساره السياسي والنضالي، كان يقدم النقد الذاتي دون أن يُطلب منه ذلك، والنقد الذاتي إذا جاء استجابة لأمر خارجي لا يكون ذاتيا بقدر ما يكون استجابة لشرط.

الذي يجب أن يُطرح اليوم بقوة وبعمق هو جدوى بقاء اليسار بكل مكوناته، واليسار الوطني الديمقراطي بالأساس واليسار التقدمي التاريخي الذي استطاع بالفعل أن يخلق أجندة إصلاح قوية وواسعة هي اليوم من صميم ما تقوم به الدولة.

اليسار يجب أن يرتقي وأن يفكر اليوم من داخل منطق الدولة، كما يقول الأخ الأستاذ عبد الله العروي، خصوصا وأن الدولة اليوم اعتنقت جزءا كبيرا من أدبيات وشعارات ومن مشاريع اليسار، سواء في المجال الحقوقي أو الحداثة أو قضايا المرأة أو في الخطاب السياسي حول الحقيقة والسياسات العمومية والثروة.

تعليقات الزوار ( 1 )

التعليقات تعبر عن اراء ومواقف اصحابها
  1. مروان :

    لو استطاع اليسار بمختلف مكوناته الجلوس على ذات الطاولة وتغليب الايديولوجي على الذاتي، مؤكد أن التيارات المحافظة ستتحجم ويخفت بريقها المزيف

اترك تعليقاً

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .