"الشيخ" أخنوش "والشيخة" أفريقيا

أضحى موضوع "الشيخ والشيخة" النقاش الرمضاني الأول للمغاربة، واستطاع أن يحتكر تقريبا فضاءات التواصل الاجتماعي دون منافس، كما استطاع التسلل إلى وسائل الإعلام ليتحول إلى "قضية رأي عام" تستحق الاستماع إلى آراء "الفاعلين في الأزمة" و"المتخصصين" وأن ينزل الصحافيون للشارع لإجراء "ميكرو طروطوار" يدلي فيه المواطنون بدلوهم، وكأن الأمر لا يتعلق بخطاب صادر من "داعية" يقدم "الفرجة" أكثر مما يقدم "علما شرعيا"، تحدَّثَ عن مسلسل لم يشاهده وجرى السطو على فكرته أساسا من الدراما التركية.

لكن الأدعى للاستغراب، هو أن يستبد هذا النقاش بالإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، بل وأن يصل إلى المنازل والمقاهي والشوارع، في عز معاناة المغاربة من أزمة تضخم الأسعار التي لا يبدو أن نهايتها قريبة، والتي عجزت الحكومة عن إيجاد حل لها أو حتى التخفيف الملموس من وطأتها، بل إن كل هذا يجري والقضايا التي تستحق الاهتمام تمر أمام أعيننا جميعا مرور الكرام، وفي مقدمتها دور عزيز أخنوش، الشخص الذي يحمل صفة رئيس الحكومة، في الأزمة الاقتصادية ذات التأثيرات الاجتماعية المُنذرة بالخطر التي نعيشها اليوم.

وفي الوقت الذي كان فيه الكثيرون منشغلين بنقاش الشيخ والشيخة، دون أن تلفت انتباههم الأخبار والتقارير التي نشرتها الصحافة المغربية التي لا زالت تنأى بنفسها عن "البيترو – أخنوش" حول العلاقة غير الطبيعية بين رئيس الحكومة وسوق المحروقات والتي عززتها تبريراته أمام البرلمان التي حاولت الانتقاص من أهمية الأرباح التي يجنيها أغنى رجل أعمال في المغرب عن طريق "أفريقيا" في زمن تكالب الأزمات، من كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، كان الأجانب يحلون محل المغاربة في محاولة وضع النقاط على الحروف وتسمية الأشياء بمسمياتها.

لذلك، لم يكن مستغربا أن تنشر وكالة الأنباء الفرنسية وصحيفة "لوموند" تقريرا عن هذا الأمر، لم تتوانَ فيه عن الاستغراب من جمع أخنوش بين صفته رئيسا للحكومة وبين مُلكيته لشركة "أفريقيا" باعتبارها الفاعل الأول في مجال المحروقات بالمغرب، وبالتالي المستفيد رقم واحد من الارتفاع الصاروخي للأسعار، مستحضرة أنه حاليا واقع في حالة من "تضارب المصالح" ما دام عليه أن يجد حلا لأزمة ارتفاع الأسعار التي يعاني منها المواطنون الذين أوصلته أصواتهم لمنصبه الحكومي، في حين أن شركته مستمرة في الاستفادة من الوضع الحالي.

ولأن أخنوش والمتحدث الرسمي باسم حكومته مصطفى بايتاس، يكتفيان عادة بالتعلل بأن الأمر يتعلق بـ"سياق عام" خارج عن إرادة السلطة التنفيذية دون اقتراح أي حلول ملموسة، ذكر التقرير المغاربة بأنهم يعيشون في بلد لا يزيد الحد الأدنى للأجور فيه على 260 أورو إلا قليلا، وهو مربط الفرس عند التطرق إلى موضوع المحروقات، لأن لهيب الأسعار الذي لم يعد يطيقه مواطنو الدول الأوروبية حاليا، لا يَحسُن بالحكومة المغربية أن تدعو مواطنيها للصبر عليه وهم الذين كانوا يتوقعون من الحزب الأول الوفاء بشعاره الانتخابي: "تستاهلوا أحسن".

والحق، أن كلمات أخنوش في البرلمان، التي أثارت بدورها انتباه الصحافة الفرنسية، ساقت أمورا أقرب للاستفزاز منها إلى التعامل السياسي والإعلامي الحصيف مع أزمة حقيقية ملموسة تضرب جيب المواطن وتهدد استقراره الاجتماعي، فالرجل احتقر الحديث عن أرباح الشركات ونفى عن نفسه جريرة الـ17 مليار درهم التي نبّه تقرير اللجنة البرلمانية الاستطلاعية إلى أن الفاعلين في مجال المحروقات جنوها بشكل غير أخلاقي، ثم رفض بشراسة فكرة تسقيف الأسعار، رغم أن الأمر يتعلق بحل وسط ومؤقت في الآن نفسه، لا يمنع شركته وزميلاتها من الربح لكنه يُخفض حرارة الغلاء على المواطن.

إن أخنوش، أو "قطب النفط" في المغرب، كما وصفته الصحافة الفرنسية، أضحى هو "الشيخ" الذي يجب على المغاربة الحديث عنه، ليس فقط لأنه أبان خلال 6 أشهر فقط على أنه أبعد ما يكون عن وصف السياسي فما بالك برئيس الحكومة، ولا لأن خرجاته تنقلب عليه وبالا كل مرة وآخرها عندما حشره رئيس الحكومة الأسبق، عبد الإله ابن كيران في الزاوية ليسقطه بالضربة القاضية في مباراة الملاكمة الكلامية، ولكن أيضا لأنه أقرب إلى طائفة "الشيوخ" الذين يمارسون "السماوي" فيرسمون للضحايا أحلاما وردية تُدخلهم في غيبوبة مؤقتة ما يلبثون أن يستفيقوا منها، لكن بعد فوات الأوان.

أما "الشيخة" التي تبدو مناقشة أمرها أولى وأدعى حاليا، فليست إلا "أفريقيا"، التي كان المفروض أن تُؤدي غَرامة ثقيلة للمغاربة بسبب ممارساتها الاحتكارية التي كشف عنها تقرير مجلس المنافسة سنة 2020، قبل أن تتحول بقدرة قادر إلى جمع "الغْرامة" (بتسكين الغين) قسرا من جيوب المواطنين في عز زمن الأزمة التي لم يظهر عليها شيء من آثارها السلبية!

الثلاثاء 21:00
غيوم متفرقة
C
°
20.99
الأربعاء
21.57
mostlycloudy
الخميس
20.98
mostlycloudy
الجمعة
22.16
mostlycloudy
السبت
22.37
mostlycloudy
الأحد
21.8
mostlycloudy