الطُّغيَان!

 الطُّغيَان!
أحمد إفزارن
الثلاثاء 31 ماي 2022 - 10:20

■ ما أحوجَ أيَّ إنسانٍ في هذا الزّمنِ المُضطَرِبِ إلى سَلاَمٍ داخِلِيّ، لمُواجهةِ تَفاعُلاتِ طُغيانٍ مُحِيطٍ بنا، عبرَ أخبارٍ تجُوبُ العالَم، ثم تَستَقِرُّ في شكلِ كوابِيسَ إعلاميّةٍ في أعماقِنا..
هذا "السّلامُ والأمنُ والأمَانُ" ليس كَبسُولاتٍ عِلاجيّة، بل هو حالاتٌ تَعايُشيّةٌ مع الذّاتِ والآخَر..
السّلامُ الذّاتِيّ ليسَ طُغيانًا مَرَضِيّا.. إنهُ تَفاعُلٌ عَقلِيّ ونَفسِي وعَصَبِيّ، وفي بَعضِ الحَالات، هو مِن أوهامِ اليقَظة..
أوهامٌ طُغيانيةٌ تَكتَسِحُ مَناطقَ منَ القاراتِ الخَمس..
■ قِيلَ في نَماذِجَ مِنَ الطُّغاة: "أشخاصٌ يَقطَعُون الأشجَار، لكَيْ يَقطِفُوا الثِّمَار"..
إنّهُم من طُغاةِ الخارِطةِ العالَمِيّة..
ظاهِريًّا، يَلعبُون أوراقَ الولاء.. وفي السلُوك، ذَوُو وَجهَيْن.. وهذا تَناقُضٌ بين ما يُخفَى وما يُعلَن..
وهذا تَنافُرٌ يُشكّلُ احتِمالَ انشِقاقٍ مُستَقبَلِيّ لخطاباتٍ مُوجّهةٍ لاستِهلاكٍ داخِلي..
والتّنافُرُ بين التّنظِير والسّلوك لا يَقُودُ إلى هدَفٍ واحِدٍ يَحمِي من تنشيطِ ألوانٍ من الطّغيانِ داخِلَ البُنيانِ الاجتِماعيّ..
▪︎أنواعٌ مِنَ الطُّغيَان، في كَوكبِ الأرض، قائمةٌ عبرَ التّاريخِ البَشرِي المُسجَّل، في مُختلفِ المَراحِلِ الحَضاريّة المُتَتاليّة..
■ وعلى رأسِها ثلاثة:
1- الطُّغيانُ السّياسِي.. وهذا حاضِرٌ في التّارِيخِ البَشَرِيّ مِن قَدِيم..
ولا بلَدٌ في كَوكبِنا لم يَعرِف الطّغيانَ السّياسِي والاجتِماعي والدّيني..
وحتى دُولٌ كُبرَى تَعرِفُ بينَ الفينةِ والأخرَى هَزّاتٍ لأسبابٍ "طُغيَانيّة"، وتتَصَدّى لها عَلَنًا، تحتَ أضوَاءِ "دَولةِ المُؤسّسات" والقَوانِينِ الجارِي بها العَمَل..
وفي هذا السّياق، يُلاحَظُ تَعاوُنٌ بين طُغاةِ السياسة والمُجتمَع والدّين، اعتِبارًا لكَونِ كُلٍّ مِنهُم بحاجةٍ إلى آخَرِين، بتَنسيقٍ مُشتَرَكٍ مع عُنصُرٍ حِزبِيّ..
وتحتَ الغِطاءِ "الدّيمُقراطيّ" يجِدُ الطُّغيانُ تبرِيراتٍ لتَمْرِيرِ الضّغطِ مِنَ الحاضِرِ إلى وقتٍ لاحِق..
الدَّورُ الحِزبِيّ في كلّ الطُّغْيانيّات يتَمثّلُ في إبعادِ الضّغطِ إلى وقتٍ لاحِق..
ومَهمَا يكُن، فالهزّاتُ التي تَتدَخّلُ فيها الأحزاب، هي مُوقّتَةٌ وليسَت تسوِيّةً حاسِمة..
الأحزابُ لا تَملكُ حلُولاً للظّرُوفِ الصّعبة، لأنّ الأحزابَ أصْلاً لا تملِكُ إلا مَشاكِلَ بدُونِ حلُول..
▪︎أحزابُنا "إطفائيّات"..
لا تُطفِئُ بقَدرِ ما تُشعِل.. إنّها مِثلَ الطّغيان، لا يتَوقفُ إلاّ لكَي يَشتَعِلَ طُغيانٌ جدِيد..
وأَحزابُنا لا حُلُولَ لها، بل هي مُتَفرِّجَة.. تتَفَرّجُ حتى وهي تتكلّم.. تقولُ أيَّ كلامٍ من أجلِ هَدفٍ واحِدٍ هو إلهاءُ النّاس..
2- الطّغيانُ الاجتِماعِيّ: هذا يَصِلُ إلى المُجتَمع..
وطُغاةُ التّخلّفِ الاجتِماعِيّ تُساندُ الطّغيانَ السياسي الذي يَحفَظُ البِلادَ مِنَ الفِتَنِ والبِدَعِ والتّمرُّدِ على المَورُوث.. وتَرى في رجُل الدّين، وفي المال، حَلِيفَيْن لا فَكَاكَ مِنَ التّحالُفِ معهُما..
ويَستَخدِمُ "الطّغيانُ الاجتِماعي" المالَ لشِراءِ كراسِي الانتِخابات، ومَقاعِدَ حُكوميّة، والسيطرةِ على الشأنِ المَحلّي والجَماعي، وفي البرلمانِ بغُرفتَيْه.. وَيتَحكّمُ في "الفسادِ الإداري"، والأحزابِ والنّقابات..
ويُؤثرُ في مَراكزِ القَرار…
وَالرّشوةُ تُدِيرُ الشؤونَ المحليّة والعُمومية، وتُوَجّهُ الحُكومةَ والبرلمانَ وَغيرَهُما، وإداراتٍ في خِدمةِ مَصالحِ الأثريّاء..
▪︎ويَستَطيعُ سَماسِرةُ الثَراءِ تَوجِيهَ أيةِ تُهمةٍ إلى حُكومةِ النّظامِ المَعمُولِ به:
• حُكومة يقُودُها شَخصٌ واحِد (أُوتُوقراطيّة)..
• حكومَة أقليّة (أوليغارشيّة)، تحتَ طُغيانِ الأقلّيّة..
• حكومة أكثَريّة (ديمُقراطيّة)، تحتَ طُغيَانِ الأكثَرِيّة..
3- الطّغيانُ الدّينِيّ: وهذا يقُومُ على استغلالِ الدّين، بدَعوَى قيادةِ الناس إلى الجنّةِ والنار..
وهذا الأسلوبُ مارَسَتهُ الكنِيسةُ وأزمِنةٌ دينيّةٌ أخرى..
▪︎وعِندَنا حِزبُ تُجّارِ الدّين، وهذا لا هدَفَ له إلا تَضلِيل الناس، من أجل هَدفٍ واحدٍ هو الخُلودُ في الحُكم..
والطُّغْيَانُ عِندَهُ ليس ظُلمًا فقط، إنهُ يَتَجاوَزُ حُدُودَ الظُّلم..
والغايةُ في ثَقافتِه تُبرّرُ الوَسِيلة..
وهو يَستَخدِمُ كُلَّ وَسِيلةٍ للبَقاءِ في الحُكم..
▪︎ والطّغيانُ الدّينِيّ في العالَم، لم يَتوقفُ عندَ اضطِهادِ العقل، والفلسفة، والتّضيِيقِ على العُلماء، وحتى تَصفيةِ بعضِ الأنبياءِ والرُّسُل..
ويتَصرّفُ هذا الطُّغيانُ بلا حُدُود، وأحيانًا بلاَ قانُون..
■ ويَشرَعُ الطُّغيانُ في مَزيدٍ من التّوسُّع..
ومَزيدٍ من الاحتِماء بالعلاقاتِ والوَلاءات والزّبُونية.. وتَنبَنِي في البلَدِ تكتُّلاتٌ إتنِيّةٌ تأتي على الأخضرِ واليابِس، وتقضِي قضاءًا مُبرَمًا على أيةِ منظُومةٍ يُرادُ لها أن تكُونَ أساسيّةً لِهَرَمٍ سياسيّ قوِيّ عادِلٍ سليم..
والخَطَرُ يَكمُنُ - مع ذلك - في احتِمالِ تَمَطُّطِ هزّاتٍ اجتِماعيّةٍ بسبَبِ قِصَرِ النَّظَر لبعضِ الأحزاب التي لا تُفكّرُ في الاستِقرارِ التّنمَوِي، ولا في حِمايةِ دولةِ المؤسّسات، ولا يَشغَلُ بالَها إلاّ الاستيلاءُ على مواقِعِ السّلطة..
وعِندَها يتَسلّلُ طُغيانُ الفَوضَى من تحتِ عباءةِ المَصالحِ الحِزبيّةِ الضيّقة، لتَطوِيقِ آخِرِ الآمال في نهضةِ المُؤسّسات..
وفي هذه الحالة، ما العملُ أمام بُركانٍ تحتَ الرّماد؟
لا يجُوزُ أن نَتفَرّجَ على احتمالِ طُغيانٍ "سياسيّ" لم يَسبِق له مثَيل..
▪︎وفي بِلادِنا مَشاريعُ صِحّيةٌ كبيرة..
مَشاريعُ في طُورِ الإنجازِ بمُختلِفِ الجِهات..
وهي صِحّيةٌ بمَفهُومِ الأمراضِ الجسَديّة، وفي نفسِ الوقت لها تَوَجُّهاتٌ عقليةّ ونفسِيّةٌ وعَصبيّة..
وجميلٌ أن تُولِيَّ بِلادُنا الأهمّيّةَ المطلوبةَ للصّحةِ اللاّمَرئيّة..
▪︎وفي نفسِ السياق..
وجُودُ بصيرةٍ حكيمةٍ مَفتُوحةٍ لمُواجَهةِ أيّ خَطَرٍ في مَسارِ بلادِنا: لا قَبُولَ إلاّ بالجَمعِ بين"الحُريّةِ والقانُون"..
القانُونُ فوقَ الجَمِيع..
هذه أولَوِيّة..
▪︎ولا نِسيانَ للحُرّياتِ في "دولةِ القانون"..
والحُرّياتُ ليسَت مُطلَقة..
هي التّحرُّرٌ من كلّ القُيود التي تُكبّلُ طاقاتِ المُواطِن..
طاقاتٌ يجبُ تَوظِيفُها لتَكبِيلِ كلّ أنواعِ الطُّغيانِ والاستِبداد، من أجلِ النّهضَة الشامِلة لبلادِنا، بدءًا من الأسرة، والطّفل، وُصُولاً إلى التّعليم، والشارع، والحربِ على الفَساد السّياسي والاقتِصادي والاجتماعي والثقافي..
▪︎هذا هو التّحرُّرُ الذي لا غِنًى عنهُ لحمايةِ حُقوقِ الإنسان، وتسيِيجِ الاستِقرارِ الوطني، وإنهاءِ العبَثِ في مُجتمَعٍ لا يحلُمُ إلاّ بغدٍ أفضَل، لكُلّ بناتِ وأبناءِ البلَد، على كلّ المُستَويات..
▪︎ولا تَراجُعَ إلى الخَلف..
مَهمَا كان الثّمَن، وتحتَ أيّ غِطاء..
ولا إلى ظُلُماتِ الجَهل..
طرِيقُنا واضِحة.. تقُودُ إلى عَصرِ الأنوار.. عَصرٍ تقُوم فيه بِلادُنا بتَنوِيرِ مُوَاطِنِيها، وضُيُوفِها، ومَن يَعمَلُون لتَطوِيرِ أَورَاشِها..
▪︎وهذا يُحيلُنا إلى عَصرِ التّنوِير في أوربا، وقد قادَهُ علماءُ وفلاسِفة..
واعتَمدُوا العقلَ لفَهمِ وتطويرٍ القوانينِ العالَميّة..
▪︎وكانت هذه ثَورةً على الخُرافة في العالَمِ الغربِي، ومِن ثمّةَ انطِلاقةً لعَصرِ النّهضة..
وفي هذا الاتّجاهِ الفِكري، وَجَبَت مُكافحَةُ الظّلام…

  • لتَنوِيرِ العُقُول، في مَملكةِ التّنوِير!
    [email protected]

آن الأوان للمغرب أن يدير ظهره كليا للجزائر!

لا يبدو أن علاقة المغرب مع الجزائر ستتحسن على الأقل خلال عِقدين إلى ثلاثة عقود مُقبلة. فحتى لو غادر "عواجز العسكر" ممن يتحكمون بالسلطة في الجزائر، فهناك جيل صاعد بكامله، ...