المغرب وموريتانيا.. تبادل تجاري فاق 300 مليون دولار وتعاون عسكري واستخباراتي يتطور وتناغم سياسي بين قائدي البلدين يجعل من نواكشوط والرباط نموذج جِوار المصالح المشتركة

 المغرب وموريتانيا.. تبادل تجاري فاق 300 مليون دولار وتعاون عسكري واستخباراتي يتطور وتناغم سياسي بين قائدي البلدين يجعل من نواكشوط والرباط نموذج جِوار المصالح المشتركة
الصحيفة – حمزة المتيوي
السبت 25 نونبر 2023 - 16:15

كثيرة هي محطات المد والجزر في العلاقات المغربية الموريتانية، التي تجد أمامها العديد من الأسباب لعدم استدامة الثقة بين الطرفين، وكلمة السر في كل ذلك هي جبهة "البوليساريو" الانفصالية، التي فرضت على البلدين المغاربيين اتخاذ مسارين متضاربين في التعامل مع ميليشيات جبهة تحظى بالتمويل والتسليح من لدن الجزائر منذ سبعينات القرن الماضي، والمستمر حتى بعد انقطاع العديد من شرايينها التقليدية، مثل الاتحاد السوفياتي ثم ليبيا القذافي.

غير أن الرباط ونواكشوط تسيران بثبات، وإن ببطء، نحو رسم معالم جديدة، ترتكز أساسا على المصلحة المشتركة، وعلى التعاون في العديد من المجالات وخصوصا الاقتصادي والأمني، لدرجة أن آخر الأرقام الرسمية تتحدث عن أن موريتانيا أصبحت تأتي بنصف وارداتها خصوصا من الخضر والفواكه والمواد الغذائية والمصنعة من المغرب، وهو الأمر الذي يعد تطورا طبيعيا لمسار التقارب الذي برز مع وصول الرئيس الحالي، محمد ولد الشيخ الغزواني، إلى الحكم، في غشت من سنة 2019، وشهد دفعة أكبر إثر أحداث الكركارات سنة 2020.

المغرب.. الشريان التجاري الأهم لموريتانيا

آخر مؤشرات التقارب المغربي الموريتاني، أعلنت عنها سفارة المملكة المغربية في نواكشوط قبل أيام، حيث أفادت أرقام قِسمها الاقتصادي أن المبادلات التجارية بين البلدين شهدت "دينامية غير مسبوقة" خلال سنة 2022، إذ ناهزت قيمتها 300 مليون دولار أمريكي، محققة بذلك نسبة نمو بلغت 58 في المائة مقارنة مع سنة 2020، كما سجلت أن المغرب أصبح أول مورد إفريقي للسوق الموريتاني، محتكرا 50 في المائة من البضائع التي تستوردها نواكشوط، كما أن الأمر يتعلق بأكثر من 73 في المائة من مجمل الواردات الموريتانية القادمة من الدول المغاربية.

ووفق السفارة دائما، فإنه على مستوى بنية الصادرات المغربية نحو موريتانيا، فإن 80 في المائة منها تتكون من ثلاث فئات تهم المواد الغذائية والزراعية والمواد المصنعة وآلات ومعدات النقل، وتشكل الخضر والفواكه حوالي 20 في المائة من إجمالي تلك البضائع، مبرزة أن العديد من العوامل تقف وراء هذا النمو، منها الجوار الجغرافي بين البلدين وسلاسة التعاملات بين الموردين المغاربة ونظرائهم الموريتانيين، وجودة السلاسل اللوجيستية والجودة العالية والسمعة الطيبة التي تتميز بها المنتجات المغربية في السوق الموريتانية.

لكن كلمة السر في كل ذلك، هي معبر "الكركارات" وفق ما ورد في معطيات السفارة المغربية دائما، التي تحدثت عن "الدور الكبير" الذي يلعبه هذا المعبر الحدودي بين المغرب وموريتانيا في انسيابية التبادل التجاري بين البلدين، على اعتبار أن النقل الطرقي يظل أهم وسيلة الأهم في تنشيط هذه المبادلات، وذكرت التمثيلية الدبلوماسية المغربية أنه طيلة جائحة كورونا، تم الإبقاء على المعبر مفتوحا في وجه حركية البضائع ما مكن من أجل الحفاظ على حجم التبادل التجاري بين البلدين في تلك الظروف.

الكركارات.. نقطة التحول

يمكن القول إن ما جرى في الكركارات فتح أعين موريتانيا على أمرين هامين، الأول هو أن خطر تحركات "البوليساريو" يمكن أن يضع البلد بأكمله في مأزق، دون أي مراعاة لمصالحه الاقتصادية واحتياجات مواطنيه، والثاني هو أن المغرب يلعب دورا مركزيا على حماية الحدود الموريتانية من جهة وفي تأمين احتياجات أسواقها من مواد غذائية ومنتجاتٍ أساسية من جهة أخرى.

ولمدة قاربت الشهر، وجدت نواكشوط نفسها مضطرة لمعاينة الأضرار، عندما احتل العشرات من عناصر الجبهة الانفصالية الطريق البري الوحيد الذي يربطها بالمغرب بمنطقة الكركارات، والذي كانت تمر عبره الشاحنات المحملة بالبضائع، وتدريجيا أصبح الموريتانيون يشتكون من نفاذ السلع من الأسواق، بما في ذلك العاصمة، في حين كان الانفصاليون يحتفلون بما اعتبروه "انتصارا" على المغرب.

وفجأة، ودون مقدمات، نفذت القوات المسلحة الملكية التدخل الميداني في الكركارات بتاريخ 13 نونبر 2020، وفي ظرف بضعة ساعات كانت المنطقة قد خلت من عناصر الجبهة الانفصالية، لتبدأ الرباط بعدها مباشرة تغيير وجه المنطقة بشكل جذري، بما يشمل توسيع الطريق البري وإعادة تهيئة المعبر الحدودي والمنطقة بأكملها، والأهم من ذلك، توسيع الجدار الأمني في عمق المنطقة العازلة في اتجاه الحدود الموريتانية.

وسمح كل ذلك، بعودة النشاط التجاري البيني بسرعة، والتعجيل بإنهاء أزمة التموين التي عاشتها الأسواق الموريتانية، بل إن مرحلة ما بعد عملية الكركارات الميدانية أعطت دينامية جديدة للنشاط الاقتصادي المغربي الموريتاني، وهو جوهر المقارنة التي اعتمدتها السفارة المغربية في نواكشوط، حين استحضرت سنة 2020 وسنة 2022 ضمن المعطيات التي أوردتها، فالسيطرة المغربية التامة وإبعاد عناصر "البوليساريو" عن المعبر الحدودي كانت كلمة السر في تلك القفزة، لكن باستحضار الدور الموريتاني أيضا.

الموريتانيون ينتبهون للخطر

يمكن القول إن ما جرى في الكركارات، وضع نواكشوط أمام مسؤوليتها الأمنية على الحدود المشتركة مع المغرب، لأن عناصر "البوليساريو" تسللوا إلى المنطقة من الحدود الشمالية لموريتانيا، وهو ما يفسر إقدام الحكومة الموريتانية، بتاريخ 6 يناير 2021، على المصادقة على مشروع مرسوم يقضي بإنشاء منطقة دفاع حساسة على طول حدودها الشمالية المتاخمة للصحراء المغربية.

والمثير للانتباه في هذا المشروع هو تأكيد نواكشوط أن هذا المرسوم يحدد إحداثيات المعالم البرية التي تجسد حدود المنطقة المذكورة، التي تقع في الشمال وتعتبر خالية أو غير مأهولة، وقد تشكل أماكن للعبور بالنسبة للإرهابين ومهربي المخدرات وجماعات الجريمة المنظمة، وهو التوصيف الذي ينطبق على عناصر "البوليساريو"، على الرغم من تفادي الحكومة الموريتانية ربط الأمر صراحة بما جرى في الكركارات.

وتعترف موريتانيا بما يسمى "الجمهورية الصحراوية" منذ 1979، وهي الخطة التي جرت في إطار سعي البلاد، في عهد محمد محمود ولد لولي، الذي كان حينها رئيسا لـ"المجلس العسكري للخلاص الوطني"، في أعقاب الانقلاب على أول رئيس للبلاد وهو المختار ولد داداه، إلى إنهاء الحرب التي كانت قاسية على الدولة الوليدة حينها، التي لم تستطع حماية عاصمتها من ضربات الجبهة الممولة والمسلحة من الجزائر وليبيا والاتحاد السوفياتي وكوبا حينها.

لكن مياها كثيرة مرت من تحت الجسر، والرئيس الحالي، ولد الغزواني، غير لهجته بخصوص هذا الملف بشكل ملموس منذ ما جرى في الكركارات، حتى وإن كان لا زال يلتقي مبعوثي الجبهة في إطار علاقات دبلوماسية مرتبطة أساسا بالمصالح مع الجزائر. وفي شتنبر الماضي قال إنه الموقف التقليدي لبلاده من ملف الصحراء هو "الحياد"، لكنه قرر منذ وصوله إلى الرئاسة سنة 2019، أن يجعل منه "حيادا إيجابيا"، حسب ما أكده في حوار مع صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية نهاية شتنبر الماضي، وقبلها، وخلال مشاركتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، أعلن أن بلاده ملتزمة بقرارات مجلس الأمن، علما أن الرباط تعتبر أن تلك القرارات كانت في مصلحة طرحها خلال السنوات الأخيرة.

تقارب على أعلى مستوى

كان بناء علاقات البلدين على أساس مرحلة ما بعد عملية الكركارات، قد انطلق عبر مكالمة هاتفية بين الملك محمد السادس والرئيس الموريتاني ولد الغزواني، في 20 نونبر 2020، ووفق بلاغ للديوان الملكي، فقد عبر قائدا البلدين عن "ارتياحهما الكبير للتطور المتسارع الذي تعرفه مسيرة التعاون الثنائي، وعن رغبتهما الكبيرة في تعزيزها والرقي بها، بما يسمح بتعميق هذا التعاون بين البلدين الجارين وتوسيع آفاقه وتنويع مجالاته".

وبدأ هذا التقارب يبرز بوضوح خلال الفترة الموالية لهذه المحادثة الهاتفية، ففي مارس من سنة 2022 انعقدت الدورة الدورة الثامنة للجنة العليا المشتركة المغربية – الموريتانية بالرباط، بعد أن كانت آخر دوراتها قد عُقدت قبل ذلك بنحو 9 سنوات، وتحديدا في أبريل من سنة 2013 بنواكشوط، وخلال هذا اللقاء الذي ترأسه كل من رئيس الحكومة المغربي عزيز أخنوش، والوزير الأول الموريتاني محمد ولد بلال مسعود، جرى توقيع 13 اتفاقية ومذكرة تفاهم.

ووفق ما المُعلن عنه رسميا، فإن هذه الاتفاقيات شملت مجالات الزراعة والإنتاج الحيواني والصحة الحيوانية والصيد البحري وتربية الأحياء البحرية وحماية البيئة والتنمية المستدامة والسياحة والتقييس وترقية الجودة في المجال الصناعي، بالإضافة إلى الصحة والتكوين المهني وإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان والاستثمار والمقاولات، وقال حينها الوزير الأول الموريتاني إن الدورة التي "كانت ناجحة بكل تأكيد" ستسهم في "تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التشاور بما يتماشى والمصالح المشتركة للبلدين".

والمصالح، هي الكلمة المفتاحية، التي تفسر الطبيعة الجديدة للتقارب بين البلدين المغاربيين، فبالعودة إلى ما أوردته السفارة المغربية في موريتانيا، نجد أن المغرب أصبح المستثمر الأول في موريتانيا على المستوى الإفريقي، من خلال قطاعات مهمة مثل الاتصالات والأبناك وتحويل وتثمين منتجات الصيد البحري والفلاحة، إلى جانب إنتاج الإسمنت ومواد البناء وتوزيع الغاز المنزلي بالإضافة إلى توزيع المواد البترولية.

هذه المصلحة، هي التي دفعت موريتانيا أيضا إلى التوقيع، في شتنبر من سنة 2022، على مذكرتي تفاهم، من خلال الشركة الوطنية الموريتانية للمحروقات، مع شركة النفط الوطنية النيجيرية والمكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن المغربي، من أجل ضمان مرورا خط الغاز نيجيريا – المغرب من أراضيها، فالبلاد ستكون من بين الدول المستفيدة من هذا المشروع بمنطقة غرب إفريقيا، لذلك اختارت الانخراط فيه على الرغم من مروره بأراضي الصحراء المغربية، وبالرغم أيضا من كونه يهدد بإقبار خط نيجيريا – النيجر – الجزائر.

مصالح تحتاج لحماية

أضحى للمغرب وموريتانيا، خلال سنوات قليلة، يتشاركان الكثير من المصالح الاستراتيجية التي تستدعي حمايتها عن طريق التنسيق المشترك، وهو أمر يحضر على العديد من المستويات، خصوصا منها الدبلوماسي والعسكري، وهو أمر تُفَسره الأرقام، فالبلدان اللذان كان التبادل التجاري بينهما عند حدود 215 مليون دولار خلال الفترة الممتدة ما بين 2009 إلى 2019، أصبحت تتقاسم معاملات تجارية بقيمة 300 مليون دولار خلال الفترة الممتدة ما بين 2020 و2022 فقط.

وعلى المستوى الدبلوماسي، يمكن الوقوف على مسعى الحفاظ على هذا التقارب القائم على المصلحة المشتركة، من خلال العودة لقائمة الحاضرين في احتفالات عيد العرش مؤخرا بالسفارة المغربية بنواكشوط، والتي شملت 4 وزراء من الحكومة الموريتانية، بمن فيهم وزير الخارجية محمد سالم ولد مرزوك، والوزير المنتدب المكلف بالجالية الموريتانية بالخارج، محمد يحيى ولد سعيد، ووزير التعليم العالي والبحث العلمي، مامادو نيانغ، وأيضا، وزير التجارة والصناعة والصناعة التقليدية والسياحة، المرابط ولد بناهي.

لكن الاستثمارات والتبادل التجاري وغيرها من المصالح الاقتصادية، لا تحتاج فقط إلى تطعيمها دبلوماسيا، بل أيضا من خلال الحماية الميدانية للنطاق الجغرافي للبلدين، خصوصا على مستوى الحدود التي أصبحت، عبر الخط الطرقي البري، شريانا أساسا لتلك المصالح، وهو ما يفسر التعاون العسكري الذي أصبح جوهريا في العلاقات الثنائية، وهو الأمر الذي يمكن فهمه من خلال العودة إلى موعد عقد اجتماع اللجنة العسكرية المختلطة بين البلدين في نواكشوط.

هذا الاجتماع أعلنت عنه القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية يوم فاتح نونبر 2023، أي بعد 3 أيام فقط من التفجيرات التي استهدفت تجمعات سكنية مدنية بمدينة السمارة مؤدية إلى سقوط قتيل و3 مصابين، والتي تحدث المغرب رسميا عن مؤشرات لتورط "البوليساريو" فيها، حيث أوفد الملك محمد السادس إلى العاصمة الموريتانية وفدا هاما على رأسه الفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، حيث اجتمع بقائد الأركان العامة للجيوش بموريتانيا، المختار ولد بله شعبان.

والملاحظ، من خلال بلاغ القيادة العامة المغربية، أن بريظ، الذي أشاد بـ"جودة التعاون المغربي الموريتاني وحصيلته الإيجابية في مجال الأمن والدفاع"، شدد في المقابل على "على ضرورة تعزيز تبادل التجارب والخبرات بين القوات المسلحة في البلدين، والمساهمة بالتالي في إرساء الأمن والاستقرار بالمنطقة"، وهو ما يوحي بأن جيشي البلدين أضحيا يربطان سلامة أراضيهما معا باستمرار المصالح المشتركة بينهما لتفادي تكرار ما حدث قبل 3 سنوات.

إطلالةٌ على قاعٍ مُزدحم

مراحل المد والجزر في تاريخ السياسة والسياسيين في المغرب، ليست أمرا غريبا، بل تكاد تكون خاصية لصيقة بالساحة السياسية والفاعلين فيها منذ فترة ما بعد الاستقلال. في كل زمن كانت هناك ...