بوصوف يكتب: الآلة الإعلامية القوة الضاربة المُتجددة في زمن الحرب والسلم

 بوصوف يكتب: الآلة الإعلامية القوة الضاربة المُتجددة في زمن الحرب والسلم
د. عبد الله بوصوف
الجمعة 11 مارس 2022 - 13:39

شهد العالم العديد من الصور الصادمة عن أهوال الحرب الدائرة رحاها في أوكرانيا، وتميزت هذه الحرب بكَـمٍّ هائل من الأخبار وتحاليل ذوي الاختصاص، بمنسوب عادل أو فاق في كثير من الأحيان الآلـة الحربية نفسها بشكل رهيب ووثيرة قوية.

بهذا لم يغـب الإعلام بكل أصنافه عن لحظات الدبلوماسية ولحظات الحرب والقصف والهروب واللجوء الجماعي وصفارات الإنذار، وكان حاضرا أثناء جلسات المفوضات (الروس والأوكراين) واجتماعات الحلفاء وقرارات المنظمات الأوروبية والأممية…وهو ما جعل من الآلة الإعلامية ليس أداة نشر وتوثيق الأحداث فقط، بل جعلت من نفسها إحدى ساحاتها وأحد أسلحتها الفتاكة بالتأثير في الرأي العام المحلي والعالمي من خلال تبني "حكي أو سرد  "Naration يبرر عمليات الحرب وتَصوُرات "تُـشرعِـن" العنف والحرب في تدبير النزاعات والصراعات.

لذلك أصبح حظر وإيقاف بث بعض القنوات وسحب اعتمادات بعض الصحفيين كأحد العقوبات القوية أو ضمن تكتيكات الصراع الساخن..كما أصبحت طلات قادة النزاع محسوبة خاصة على وسائط التواصل الاجتماعي (الفايسبوك والتويتر واليوتيوب والتلغرام…) أضف إلى ذلك نسبة المشاهدة وعدد المتابعين، وهو ما فرض على السياسي والدبلوماسي والعسكري أن يُصبح مؤثـرا أيضا في تلك الشبكات التواصلي، وهذا ما شهدناه بالفعل خلال الحرب على أوكرانيا.

والواقع أن العلاقة بين الحروب والإعلام ليست وليدة اليوم، إذ بـدراسة أغلب المحطات التاريخية المرتبطة بالنزاعات والحروب نقف على حقيقـة غريبة، وهي أن الحروب ساهمت بشكل كبير في تطور وتنويع وسائل الإعلام، حيث ارتبطت أغلب الحروب بميلاد وسيلة تواصل / إعلامية جديدة، بدءا من الثورة الفرنسية حيث اخترع Claude Chappe التلغراف سنة 1793 والذي تم استخدامه في تنسيق الحرب وخاصة بين الثكنات العسكرية بين باريس وليل، ليستمر تطوير التلغراف مع العالمين البريطانيين "كوك" و"واتسون" سنة 1837.

ثم "معركة القرم" سنوات 1853 و1856 بين روسيا والعثمانيين بتحالف مع الإنجليز والفرنسيين، والتي ستعرف ولأول مرة "المراسل الصحفي العسكري" مع "وليام هاورد" سنة 1854، والذي عانى من مضايقات المؤسسة العسكرية التي نُسـب لها واقعة إحراق خيمته ذات مرة ..كما منعت ذات المؤسسة كل الضباط من التواصل معه والإدلاء بتصاريح له، لكونه تحدث للناس ولأول عن مشاهد حية لـويلات الحرب وسوء إدارة القيادة العسكرية للمعارك والأداء الكارثي للوحدات الطبية كان من نتائجها موت العديد من الجنود البريطانيين.

ففي هذه المرحلة التاريخية كان التوفر على على أطول رابط تلغراف (الكابل) يعني سهولة في التوسع ومرونة في المناورة، مع ملاحظة مهمة أن التلغراف كان يوفر المعلومة سواء خلال أوقات الحرب والصراعات أو لأجل أعمال تجارية أو حملات توسعية / استعمارية.

أما أثناء الحرب العالمية الأولى، فقد كانت السينما أهم وسائل الإعلام والتواصل، حيث كانت الصورة رسالة قوية في مجتمعات تنتشر فيها الأمية بشكل كبير…وهكذا أصبحت أفلام الحرب والنشرات الحربية، هي وسيلة لتوجيه الرأي العام من جهة، والحصول على إجماع وطني من جهة ثانية، وفي هذه الفترة بـرزت السينما كوسيلة مهمة في تدبير وإدارة الحروب والصراعات.

وسيحتل جهاز الراديو خلال الحرب العالمية الثانية المقدمة في قائمة وسائل الإعلام ..لـقدرته على تجميع حوله الملايين من الناس عسكريين وسياسيين ومواطنين، ولإمكانية اختراقه لصفوف العدو وفي نفس الآن آليـة قـوية في مراقبة المجتمع…أكثر من هذا فإن الأنظمة الشمولية النازية والفاشية ستعمل على احتكار المعلومة والتحكم في تصريف "حكي وسرد "Naration بطريقة تخدم مصالح تلك الأنظمة الشمولية وايديولوجيتها، كخلق "وزارة البروباغاندا" بألمانيا النازية مع  Joseph Goebbels

وسيتربع "التلفزيون" أثناء حرب الفيتنام على عرش الإعلام في تبريره للحرب حتى قيل آنذاك أن الإعلام هو بوق كبير للسلطة، لكن الإعلاميين سيدركون قوتهم وأهمية استقلالية الخط التحريري وهكذا سيعمدون إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الإعلام والسلطة.

ومع بداية التسعينيات من القرن الماضي ومع ماعرفته من حروب عنيفة في مناطق الخليج والبلقان ويوغوسلافيا والصرب والبوسنة، سنكتشف أدوات إعلامية جديدة تمثلت في الفضائيات الإعلامية مع صبيب هائل من "الأخبار الزائفة" تنشرها بعض القنوات الفضائية من أجل شرعنة استعمال القوة ضد العدو… مع أسلوب جديد هو تجنب ظهور صور الدماء وصور جثث الموتى تجنبا لكل رد فعل رافض للحرب داخل المجتمعات الغربية، خاصة مع وجود سابقة تاريخية ربطت صور التلفزيون حول حرب الفيتنام والدماء والموتى بعامل إحباط الجنود الأمريكيين، لذلك تجنب الإعلام نشر صور الموتى في كل الحروب التي تلت حرب الفيتنام، ونُـذكر هـنا بحادث 11 شتنبر 2001 حيث تجنب التلفزيون نقل صور الموتى، واكتفى فقط بصور انهيار المباني والبنتاغون.

اليوم ونحن نعيش تداعيات الحرب على أوكرانيا وترتيبات النظام العالمي الجديد، فقد فرضت الآلـة الإعلامية نفسها كلاعب لا يمكن الاستغناء عنه في تدبير الصراعات وفي تجييش وتأجيج الرأي العام، وفي إعلان بداية الحرب وإنهاءها حتى قبل نهايتها على أرض الواقع، وفي الهزيمة والنصر.

فقد لاحظنا أنه عندما يُعلن الإعلام الروسي عن هروب الرئيس الأوكراني "فلوديمير زيلينسكي" مثلا، فإن هذا الأخير يرد عليهم بفيديو بواسطة هاتفه الشخصي من وسط العاصمة كييف أو من القصر الرئاسي أو بتدوينه على التويتر، كما واظب المراقبون على مراقبة وتطور مضامين وحساب عدد ومقارنة تدوينات كل من الرئيس الأوكراني "زيلينسكي" الذي ارتفع عدد متابعيه إلى ما يقارب 5 ملايين متابع على منصة "تويتر"، ونظيره الروسي "فلادمير بوتين" في شكل معركة رقمية جديدة.

الآلـة الإعلامية فرضت نفسها ليس في زمن الحرب والصراعات، بل أيضا في صناعة بعض الكائنات الانتخابية من اليمين المتطرف وفي مقدمتهم المرشح الرئاسي "إريك زمور" والذي تخصص في نشر الكراهية والعنصرية وإهانة مقدسات الآخرين باسم حرية التعبير، وهي تهم أدانه بها القضاء الفرنسي.

فلا أحد يتمنى العيش تحت صافرات الإنذارات واللجوء إلي المخابئ الأرضية، أو الموت برصاصة طائشة أو تحت أنقاض المنازل بعد قصفها بالصواريخ، لا أحد يتمنى العيش لحظات الخوف هو يقطع إلى الرصيف الآخر، لا أحد يتمنى إصابة قريب أو صديق تحت القصف مع استحالة مرور سيارات الإسعاف أو انعدام الكهرباء بالمستشفيات، لا أحد يتمنى عيش لحظات الهروب الجماعي مع أسرته إلى مناطق آمنة قد تبعد مئات الأميال عن مناطق الصراع، لا أحد يتمنى تجربة عيش لحظات "تمييز عنصري" بانتظار السماح بالمرور إلى حدود آمنة، بعد فحص لون بشرته أو جنسيته أو ديانته… لا أحد يتمنى العيش في ظروف الحرب الساخنة الدائرة هذه الأيام في أوكرانيا.

هناك ما هو أهم من "ذباب الجزائر"!

لم تكن العلاقة بين المغرب والجزائر ممزقة كما هو حالها اليوم. عداء النظام الجزائري لكل ما هو مغربي وصل مداه. رئيس الدولة كلما أُتيحت له فرصة الحديث أمام وسائل الإعلام ...

استطلاع رأي

في رأيك، من هو أسوأ رئيس حكومة مغربية خلال السنوات الخمس والعشرين من حكم الملك محمد السادس؟

Loading...