تبّون: مُحيطنا "هائج" ونحن دولة مسالمة لا تبحث عن الحرب.. وهناك "لعبة جيوسياسية خطيرة" لإعادة رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط وإفريقيا

 تبّون: مُحيطنا "هائج" ونحن دولة مسالمة لا تبحث عن الحرب.. وهناك "لعبة جيوسياسية خطيرة" لإعادة رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط وإفريقيا
الصحيفة - خولة اجعيفري
الأحد 12 ماي 2024 - 22:34

قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون، إن علاقات بلاده "طيبة" مع محيطها الإقليمي والدولي، كما أنها تحظى بـ "الاحترام الكبير حتى من طرف خصومها، لأنها دولة تسعى لتحقيق السلم في العالم". وأضاف الرئيس الجزائري في خطاب مسجل كما أن بلاده "لا تُحب الحرب ولن تدخلها"، أما تسابقها نحو التسلح وتعزيز ترسانتها العسكرية ورفع ميزانيتها في السنوات الأخيرة، فقد برّره بمساعي "تقوية الجيش الجزائري وسط محيط هائج وحدود محمومة دون وجود أية نوايا لاستهداف أي دولة".

وأوضح عبد المجيد تبون، من موقعه كرئيس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجزائرية، في خطاب مسجّل ألقاه من  مقر وزارة الدفاع الوطني، وبثته القنوات التلفزيونية والإذاعية مساء أمس الجمعة، بأن الجزائر "دولة مسالمة وتحترم كل الدول ولن تكون تابعة لأي قوى دولية، كما أنها سيدة قرارها وهي حرة وأبناؤها أحرار وهي عضو لا يتجزأ من حركة عدم الانحياز"، منوها في السياق ذاته بما وصفها بعلاقات الجزائر "الطيبة" مع محيطها الإقليمي والدولي والاحترام الكبير الذي تحظى به حتى من طرف خصومها، لأنها دولة تسعى لتحقيق السلم في العالم"، وفق تعبير تبون الذي أكد رفضه لانتشار "الخيار العسكري في العالم".

وحذر عبد المجيد تبون، في السياق ذاته مما وصفها بـ "اللعبة الجيوسياسية الخطيرة التي بدأت تظهر بوادرها من أجل إعادة رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط ولإفريقيا"، مؤكدا بالقول: "هذه اللعبة لن نقبل بها.. ومن تعدى على حدود الجزائر فقد ظلم نفسه".

ودافع الرئيس الجزائري، عن سياسات بلاده السائرة نحو رفع وتيرة تسليح الجيش الجزائري وتعزيز ترسانته مشدّدا على أن تقوية الجيش ليس الغرض منها استهداف أي بلد آخر، بيد أنها مرتبطة بضرورة  تحقيق حماية أمن الدولة وتحصين سيادتها في "المحيط الهائج" على حدودها، موردا "ليس لنا أي عقدة من تسليح جيشنا وتقويته لأجل الحفاظ على أمننا واستقلالنا الذي نصونه بجيش قوي واقتصاد قوي.. نحن نقوّي الجيش لكي ندافع عن ترابنا وليس للسيطرة على أي منطقة، ومنذ استقلال الجزائر لم تخرج عن الشرعية الدولية ولم تعتدِ على أي بلد".

وتابع تبون، الذي لم يحدّد بعد مصير ترشحه لولاية رئاسية أخرى حتى الآن بالقول: "نشعر بالقلق إزاء توترات متعددة في محيطها الجغرافي.. نسهر على جاهزية الجيش وتحضير مقاومات المعركة، لأننا لسنا مطمئنين كوننا في محيط بمثابة بحر هائج وحدودنا كلها تحت المجهر، إضافة إلى تأثيرات ما يحدث في العالم، حيث إن الجميع يلاحظ انتشار الخيار العسكري في العالم، واللعبة الجيوسياسية الخطيرة التي بدأت تظهر بوادرها من أجل إعادة رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط ولأفريقيا، هذه اللعبة لا نقبل بها".

ورغم تأكيده أن نوايا التسلح هي من باب الحماية وتعزيز الترسانة العسكرية وليس دخول غمار الحرب كيفما كان نوعها ضد أي دولة، إلا أنه عاد لمناقضة كلامه وهو يدق طبول الحرب من جديد في كلمته أمام قيادات الجيش التي حضرت الاجتماع، حينما قال: "نحن لا نبحث عن الحرب ولا نحب الحرب، لأننا شعب يعرف ويلات الحرب، ولكن من يتعدى علينا، فإن الأمر لن يتوقف، ومن تعدى على حدود الجزائر فقد ظلم نفسه".

وتابع تبون مهددا: "نحن دولة مسالمة لا نبحث عن المشاكل ولا نستعرض العضلات، ولا نمارس ضغطا على أي بلد، والجزائر لن تكون في خدمة أي طرف، ومن لديه أطماع لأن يجعل الجزائر في خدمته فهو واهم"، مشيرا إلى رغبة الجزائر في علاقات طيبة مع محيطها الإقليمي والدولي.

وتطرق تبون، إلى ملف الذاكرة المؤرق للعلاقات الجزائرية الفرنسية، مؤكدا التزامه بعدم التخلي عن هذا الملف، وأن علاقات الجزائر الدبلوماسية "تبقى طيبة لكن ليس على حساب التاريخ، وأن الجزائر صنعت التاريخ ولا يجب مقارنتها مع الدول الأخرى".

وكان معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (السيبري) قد سجّل بقلق كبير، ارتفاع وتيرة الانفاق العسكري الجزائري في 2023، وبلوغها مستويات غير مسبوقة في تاريخ البلد، وذلك مقابل مواصلة المغرب خفض انفاقاته العسكرية للسنة الثانية على التوالي في سياق إقليمي جد متوتر، وتصعيد بلغ منحى خطير بين البلدين، ووصل حد قطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق المجال الجوي في وجه الطائرات المغربية، والرفع من جاهزية الجيش على الحدود.

وجاء في تقرير المعهد الصادر نهاية أبريل الماضي، حول "الإنفاق العسكري العالمي، وسط الحرب والتوترات المتزايدة وانعدام الأمن"، أن الإنفاق العسكري الجزائري ارتفع بنسبة مقلقة في سنة 2023، وبلغ حوالي 76 في المائة ليصل إلى 18.3 مليار دولار، وهذا الرقم هو أعلى مستوى من الإنفاق سجلته الجمهورية الجزائر على الإطلاق منذ عام 1974، مرجعا ذلك إلى حد كبير إلى الارتفاع الحاد في عائدات صادرات الغاز إلى دول أوروبا مع ابتعادها عن الإمدادات الروسية.

ومُقابل، هذا المُعطي المثير، أكد التقرير ذاته أن الإنفاق العسكري المغربي خلال 2023، عرف تراجعا مهما بنسبة قُدّرت بـ 2.5 في المائة في عام 2023 إلى 5.2 مليار دولار، على الرغم من أن المغرب بمعية جارتها الشرقية الجزائر يعتبران أكبر المنفقين عسكريا في منطقة شمال إفريقيا، إذ هما معًا شكلا 82 في المائة من الإنفاق العسكري في المنطقة في عام 2023.

وقُدّر الإنفاق العسكري في شمال إفريقيا، حسب التقرير ذاته، بحوالي 28.5 مليار دولار في عام 2023، أي بزيادة تقدر بنسبة 38 في المائة أكثر من عام 2022، وبنسبة 41 في المائة أكثر من عام 2014.

وتصاعدت وتيرة التسابق في التسلح بين المغرب والجزائر في السنوات الأخيرة، وما تلاها من إبرام اتفاقيات متعددة ومتنوعة بملايين الدولارات، في ظل جوٍّ من العداء والتصعيد المستمر، حيث لم يسبق أبدًا أن بدا احتمال المواجهة المباشرة بينهما بهذا القدر من الخطورة منذ حوالي 45 عامًا، إذ أصبح الوضع يشبه إلى حدٍّ كبير فتيلًا ينتظر فقط من يبادر إلى إشعاله.

ومنذ سنة 2020، المغرب والجزائر قائمة الدول التي تنفق أكثر على الأسلحة في القارة الإفريقية، وفق التقارير الدولية، بما فيها تقرير "اتجاهات الإنفاق العسكري العالمي، "، الصادر عن معهد ستوكهولم للسلام، الذي أكد سنتها أن الإنفاق العسكري الجزائري بلغ 9.7 مليارات دولار، بانخفاض قدره 3.4٪ مقارنة بعام 2019، "لكنه ظل إلى حدٍّ بعيد أكبر منفق في شمال إفريقيا وإفريقيا ككل"؛ حيث كان لانخفاض أسعار النفط، بدءًا من عام 2014 وما تلاه من انخفاض في عائدات النفط الجزائرية، تأثير ملحوظ على الإنفاق العسكري الجزائري بحلول نهاية عام 2016. فخلال الفترة 2017-2020، انخفض الإنفاق الجزائري كل عام باستثناء عام 2019، عندما انخفض الإنفاق العام بنسبة 5.3٪.

من ناحية أخرى، صُنِّف المغرب كذلك من بين الدول التي تنفق أكثر على الأسلحة في القارة الإفريقية، وذكر التقرير أنه خلال عام 2020، بلغ الإنفاق العسكري المغربي 4.8 مليارات دولار، بزيادة قدرها 29٪ مقارنة بعام 2019، و54٪ عن الإنفاق العسكري للمملكة في عام 2011.

وأوضح التقرير أن الجزائر والمغرب من بين الدول التي لديها أعلى إنفاق عسكري كحصة من الناتج المحلي الإجمالي المعروف أيضًا باسم العبء العسكري، وهو أبسط مقياس للعبء الاقتصادي النسبي للجيش على البلاد.

آن الأوان للمغرب أن يدير ظهره كليا للجزائر!

لا يبدو أن علاقة المغرب مع الجزائر ستتحسن على الأقل خلال عِقدين إلى ثلاثة عقود مُقبلة. فحتى لو غادر "عواجز العسكر" ممن يتحكمون بالسلطة في الجزائر، فهناك جيل صاعد بكامله، ...