تبّون "يشتكي" المغرب في لقاء مُطول مع عمدة مارسيليا ويتهم "اليمين المتطرف" بالضغط على ماكرون لـ"نسف" زيارته إلى فرنسا

 تبّون "يشتكي" المغرب في لقاء مُطول مع عمدة مارسيليا ويتهم "اليمين المتطرف" بالضغط على ماكرون لـ"نسف" زيارته إلى فرنسا
الصحيفة - خولة اجعيفري
الثلاثاء 21 ماي 2024 - 23:10

على الرغم من تراجع حدّة مواقفه في السنوات الأخيرة إزاء الدول المغاربية، مازال النظام الجزائري ينظر بتوجّس كبير  لليمين المتطرف في فرنسا، بل ويتّهمه بمحاباة المغرب على حساب العلاقات الجزائرية الفرنسية، والوقوف وراء مسلسل تأجيل زياراته لباريس، وفق ما كشفته مصادر إعلامية، أوردت أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون اشتكى رسميا لفرنسا، صعود هذا التيار ومحاولاتهم الضغط على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أجل ابتعاده عن الجزائر تماشيا مع مصالح المغرب.

وبات المغرب، بالنسبة للرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون الشماعة التي يُعلّق عليها أسباب تأجل زياراته لفرنسا بشكل متكرر منذ أشهر، بحيث استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، يوم 14 ماي 2024، عمدة مدينة مرسيليا الفرنسية بونوا بيان، الذي كان في زيارة عمل وصداقة إلى الجزائر العاصمة، وأجرى معه محادثات مطولة استمرت أكثر من ساعتين، وفق ما كشفته مصادر من قصر"المرادية" لصحيفة "مغرب انتجلس"، تحوّلت إلى جلسة "شكوى" من المغرب وحلفائه من اليمين المتطرف الفرنسي.

وعلى الرغم من توسل مصالح الرئاسة الجزائرية لعمدة مرسيليا ومعاونيه ورفاقه عدم تسريب مضامين الحديث ''الطويل'' الذي جمعه برئيس الجمهورية الجزائرية، إلا أنه أثار تساؤلات كثيرة في الجزائر كما في فرنسا، خصوصا وأن العمدة هو مسؤول بسيط، ولا تستدعي مجالسته التطرق لمواضيع ذات ارتباط جيوسياسي ودبلوماسي من هذا الحجم.

وكشفت مصادر مطلعة من داخل القصر الرئاسي بالمرادية للصحيفة أن تبون ألقى "أطروحة طويلة حول الشؤون السياسية الداخلية في فرنسا وتأثيرها المفترض على العلاقات الفرنسية الجزائرية"، واشتكى الرئيس الجزائري علانية من الصعود السريع لليمين المتطرف في فرنسا في السنوات الأخيرة، معبرا عن مخاوفه من وصول رئيس من هذا التيار السياسي الذي وصفه بـ"العنصري والمعادي للإسلام والمسلمين، والمناهض للجزائر أكثر".

وقالت المصادر ذاتها، إن تبون لم يتردد مطلقا أمام ضيفه الفرنسي في التعبير عن غضبه العميق من وسائل الإعلام التابعة لليمين المتطرف الفرنسي ولوبياته التي تتسلل إلى المؤسسات الفرنسية وتمنع تطور علاقات متناغمة بين الجزائر وباريس.

وأفادت المصادر ذاتها أن تبون تطرق مع بونوا بيان إلى الموضوع الحساس المتعلق بزيارته الرسمية إلى باريس المؤجلة 3 مرات منذ 2022، محملا "جماعات ضغط معينة" في فرنسا معادية لكل ما يمكن أن يعمق التقارب الفرنسي-الجزائري، كما عبر عن مخاوفه من ثقل اللوبيات الموالية للمغرب التي تريد "إجبار" الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على الابتعاد عن الجزائر تماشيا مع مصالح المغرب في بعض القضايا الإقليمية والجيوسياسية التي تهم الجزائر بشكل مباشر.

وأشارت المصادر ذاتها، إلى أنه وفي نهاية هذا الاستقبال "غير المسبوق"، غادر عمدة مارسيليا، وفق المصادر، مندهشا بل مهتزا بعفوية الرئيس الجزائري وجرأته في التدخل في الشؤون السياسية الفرنسية.

وتأتي هذه المستجدات  "المثيرة"، في وقت تُظهر العلاقات بين البلدين تباطؤا في إمكانية التعافي على المدى القصير أو المتوسط، سيما في ظل التأجيل المتكرر لزيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى باريس، وخروج هذا الأخير بمناسبة اليوم الوطني لملف الذاكرة، الموافق 8 ماي الجاري للتلويح بملف الذاكرة من جديد وهو يؤكد أنه "لا يقبل التنازل والمساومة" ويجب معالجته بجرأة لاستعادة الثقة بين البلدين، مشدّدا على أن ملف الجرائم "الهمجية" لفرنسا إبان الحقبة الاستعمارية "غير القابلة للتقادم".

وتمسُك تبون بملف الذاكرة يستبق زيارة من المقرر أن يجريها إلى باريس بين نهاية شتنبر وبداية أكتوبر المقبلين، حسب اتفاقه مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في وقت لم يزر تبون فرنسا منذ أن تولى الرئاسة في 2019، وكانت زيارته مقررة أولا بداية ماي 2023، لكنها أُرجئت إلى يونيو من العام نفسه، قبل أن تتأجل مرة أخرى، كما أنه وفي غشت أعلن أيضا أن زيارته إلى فرنسا "لا تزال قائمة"، لكنها تعتمد "على برنامج" الإليزيه، مؤكدا أنها "زيارة الدولة لها متطلبات"، و"ليست زيارة سياحية".

وكانت إذاعة "راديو كلاسيك" الفرنسية، قد استضافت محللين سياسيين اتفقوا على أن ظروف زيارة الرئيس تبون إلى فرنسا "لا تزال غير مناسبة ولهذا السبب يستمر تأجيلها كل مرة"، كما ربطوا بين اتفاق الجزائر وباريس على موعدها، والتوافق الأخير الحاصل في علاقات هذه الأخيرة مع المغرب.

 وبحسب المحللين السياسيين الذين كانوا ضيوفا على الإذاعة الفرنسية، فإن تحديد الموعد لا يعني تحققها فعليا، إذ اعتبروا أن  "العلاقات بين باريس والجزائر متقلبة إلى درجة أنه يصعب الرهان على موعد محدد للزيارة أو حتى على استمرار هذه الزيارة، وإذا تم ذلك بالفعل وفقا للجدول الزمني الجديد الذي طرحه الإليزيه، فإنه سيتم في منتصف الحملة الانتخابية للانتخابات الرئاسية المقررة في دجنبر 2024، التي لم يعلق عليها عبد المجيد تبون بعد".

هذا، وأشارت الإذاعة الفرنسية إلى أن الخلافات تتمحور حول خمس قضايا رئيسية ثقيلة تتعلق بالتجارب النووية والتعويضات المطالب بها للضحايا الجزائريين والذاكرة وملف التنقلات والتأشيرات، خصوصا هذه الأخيرة التي تعتبر من أكثر القضايا تعقيدا، على الرغم من التقدم الطفيف الحاصل منذ زيارة إيمانويل ماكرون للجزائر في صيف 2022، في هذا الملف، والآخر المرتبط بترحيل الجزائريين الذين تطالبهم فرنسا بمغادرة أراضيها.

ووفق المصدر ذاته، فإنه من بين النقاط العالقة بين البلدين، مسألة إعادة برنوس الأمير عبد القادر وسيفه، إضافة إلى مصحف وخيمة، في حين ترفض السلطات الفرنسية ذلك بحجة أن إعادة هذه المقتنيات مرهونة بإقرار المشرع الفرنسي قانونا يجيز إعادة الممتلكات الثقافية المنهوبة إلى بلدانها الأصلية، وفي حالة عدم صدوره يجب أن تبقى الأشياء المملوكة للأمير عبد القادر في فرنسا.

وأكدّت الإذاعة الفرنسية، أن العلاقات بين باريس والجزائر تشهد تقلبات أيضا تبعا لعلاقات فرنسا الخارجية المتدهورة، خاصة وأن باريس عانت في الأشهر الأخيرة من انتكاسات دبلوماسية مع كل من الجزائر والمغرب، وفي فبراير استأنفت عملية التهدئة مع الرباط دون عرقلة المناقشات مع الجزائر.

وتشهد العلاقات بين باريس والجزائر مدا وجزرا، لم تستقر بها بعد، وهو الأمر الذي يقف وراء عدم قيام الرئيس الجزائري بزيارة رسمية إلى باريس إلى حدود الآن، فيما استشاط غضب قصر الإليزيه عقب الزيارة التي قام بها تبون إلى موسكو للقاء نظيره الروسي، على الرغم من العلاقات المتوترة بين الطرفين.

 وكانت العلاقات بين الرباط وباريس قد عرفت توترات عديدة، في العامين الماضيين، بسبب العديد من القضايا، من بينها ما هو متعلق بالهجرة، وأخر متعلق باتهامات فرنسية للمغرب بالتجسس، بدعوى أن الرباط استخدمت برنامج "بيغاسوس" وهي اتهامات لم تستطع فرنسا اثباتها، فضلا عن عدم الوضوح الفرنسي حتى الآن في ما يتعلق بمغربية الصحراء، وهو ما باتت ترفضه الرباط، وتُشدد على أن ملف الصحراء المغربية بات هو النظارة التي ترى بها العالم وتقيس به صدق الشركاء التقليديين والجدد.

من جهة ثانية، بدأت العلاقات الفرنسية المغربية منذ مطلع السنة الجارية، في تحقيق دفء نسبي خاصة بعدما أقدم المغرب على تعيين سميرة سيطايل سفيرة له لدى فرنسا، بعد شغور هذا المنصب لحوالي سنتين، وهو ما اعتبره متتبعون على أنه بداية نهاية الأزمة الدبلوماسية بين الطرفين، فضلا عن الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الفرنسي إلى المغرب.

تعليقات
جاري تحميل التعليقات

اذهبوا إلى الجحيم..!

لم تكن وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي الوحيدة التي تلاحقها تهم تضارب المصالح في علاقتها "المفترضة" مع الملياردير الأسترالي "أندرو فورست" التي فجرتها صحيفة "ذا أستراليان" وأعادت تأكيدها ...