تحالف "البيجيدي" والبام".. محو للخطوط الحمراء أم "جس نبض" قبل 2021؟

لم يكن أعتى المنجمين السياسيين يتوقعون أن تسفر جلسة انتخاب المكتب الجديد لمجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة، عن تحالف كان إلى وقت قريب يصنف في خانة المحرمات السياسية، بين حزبي الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية، لتسيير إحدى أهم جهات المغرب، جهة طنجة تطوان الحسيمة.

بل إن المؤشرات التي تلت استقالة إلياس العماري من رئاسة الجهة تشي بأن حزب "المصباح" نفسه لم يكن يتوقع أن يتلقى عرضا من غريمه السياسي للالتحاق بالأغلبية، بعدما كانا قد تبادلا رسم الخطوط الحمراء في مواجهة بعضهما البعض عندما تنافسا قبل أربع سنوات ونيف على ترؤس المجلس نفسه.

أمر حيك بليل

وكشفت مصادر سياسية لموقع "الصحيفة" أن الاتفاق بين حزب الأصالة والمعاصرة وحزب العدالة والتنمية، لم يتم إلا ليلة الاقتراع، وذلك بعدما دخل على الخط القيادي البارز في "البام" بجهة الشمال محمد الدريسي، الذي يوصف بأنه "أكبر ممول" للحملات الانتخابية لحزب الجرار بطنجة.

وأدرك الدريسي أن عقد الأغلبية مهدد بالانفراط بعدما أبدت أحزاب الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري والتقدم والاشتراكية عدم رضاها على الطريقة التي وزعت بها مناصب نواب الرئيسة "المفترضة" آنذاك، فاطمة الحساني، ما جعل تلك الأحزاب تهدد بالانسحاب بل وبدعم مرشح حزب العدالة والتنمية سعيد خيرون.

وبدعم من البرلماني العربي المحرشي ومجموعة من أعضاء "البام" البارزين بالشمال، تفاوض الدريسي والحساني مع أعضاء من الكتابة الجهوية لحزب العدالة والتنمية، وأبرزهم نبيل الشليح الكاتب الجهوي وعمدة طنجة البشير العبدلاوي المفوض لهما تدبير الملف إلى جانب المرشح سعيد خيرون.

وأبدى "البيجيدي" موافقته المبدئية على الانضمام للأغلبية مقابل حصوله على 3 مقاعد من أصل 8 مخصصة لنواب الرئيسة، لكن بعد أخد ورد رضي الحزب بمقعدين فقط أحدهما وهو الأهم، منصب النائب الأول الذي ذهب لخيرون بعد إعلانه عن سحب ترشحه مع بداية أشغال الجلسة.

الخطوط الحمراء.. انتهت؟

وكان من الصعب على من تابع جلسة انتخاب المكتب الجديد، وهو يرى مستشاري حزب العدالة والتنمية مرتاحين للنتيجة بعدما ضمنوا موقعين في المكتب باسم كل من سعيد خيرون ونبيل الشليح، بينما الأحزاب الأخرى لا زالت تتفاوض مع الرئيسة المنتخبة، (كان من الصعب عليه) أن يصدق أن هذين الحزبين نفسهما دخلا في مواجهة سياسية معلنة للظفر بترؤس مجالس الجهات بنظامها الجديد سنة 2015.

فبعدما اجتهد قياديو الحزبين في التأكيد على أن التحالف مع بعضهم "خط أحمر"، نجح إلياس العماري في جمع أحزاب التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والاتحاد الدستوري والاستقلال، إلى أغلبيته التي واجهت المرشح سعيد خيرون نفسه الذي لم يجد حزبه إلى جانبه وقتها سوى حزب التقدم والاشتراكية.

وتسببت خسارة "البيجيدي" لجهة طنجة وقتها في أزمة سياسية كبيرة داخل الحكومة، إذ لم يبدل رئيسها السابق عبد الإله بنكيران أي جهد لإخفاء غضبه مما وصفه "خيانة وخذلان" حليفيه في الحكومة والبرلمان، التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية، واصفا الأمر بأنه "مؤسف"، بل إنه وصف العماري حينها بـ"تخويف" المستشارين، ليُصعد من استخدام توصيف "التحكم" الذي رمى به مشروع حزب الأصالة والمعاصرة.

بل إن حزب العدالة والتنمية مضى أبعد من ذلك، عندما حاول الإطاحة بالعماري من رئاسة الجهة عن طريف التوجه للقضاء الإداري، وذلك بعدما اتهمه بالتورط في "خروقات انتخابية" في إقليم الحسيمة، مطالبا بإسقاط اللائحة التي كان وكيلا لها.

البيجيدي منقسم

لم يخف سعيد خيرون، الرئيس الأول لرئيسة مجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة، في تصريحاته الإعلامية الأولى بعد انتخابه "اقتناعه" بالاختيار الجديد لحزبه، معتبرا التحاقه بالأغلبية "إشارة لكل الأطراف السياسية في الجهة إلى رغبته في الاشتغال معها في إطار التوافق والعمل المشترك".

غير أن للبرلماني محمد خيي، نائب الكاتب الجهوي لـ"البيجيدي" بالشمال، رأيا آخر، فقد اعتبر أنه من الناحية الأخلاقية يبقى "قرار التحالف مع البام والمشاركة معه في المكتب، قرار فاقد للمشروعية لأنه لم يتم اتخاذه حسب علمي من طرف أي مؤسسة حزبية"، وفق ما جاء في تدوينة على حسابه الرسمي في "الفيسبوك".

أما من الناحية السياسية، وحسب خيي دائما، فإن التحالف مع "البام" في جهة طنجة تطوان الحسيمة "يجب أن تسبقه التوضيحات الضرورية لشرح هذا التحول في التقدير السياسي وتبرير الانتقال من ضفة الى أخرى، تفاديا لسوء الفهم والالتباس الحاصل الآن في فهم موقع الحزب".

وذكَّر خيي أن بلاغ الكتابة الجهوية للبيجيدي "تحدث عن استهجانه لظروف تشكيل الأغلبية وتحذيره من التراجعات الديمقراطية واستمرار التحكم في صناعة الأغلبيات الهجينة"، مضيفا "بل إن قرار التحالف مع البام في اعتقادي يجب أن يسبقه عمل نقدي للمواقف السابقة وأن يُقَدَّم بين يديه نقد ذاتي حقيقي لكل الخطابات والمتون السياسية التي أنتجها العقل الجمعي لحزب العدالة والتنمية بخصوص هذه المسألة".

وتابع خيي قائلا "الالتحاق بالأصالة والمعاصرة والأغلبية التي يقودها لتدبير الجهة في الأنفاس الاخيرة من عمر الولاية الانتدابية، وتببيض المرحلة الموسومة بالفشل والتعثر كما تؤكد بلاغات الحزب نفسها، هو عمل لا طائل منه في اعتقادي وخصوصا في غياب الوضوح اللازم حول طريقة عمل الفريق الجديد وأولوياته ورؤيته التنموية للجهة، ولا يعدو أن يكون الأمر سوى تحملا لكلفة فاتورة تم استهلاك 90 في المائة من مكوناتها مسبقا".

مصير "الفيتو" الحكومي

في 2011 وقبل أول انتخابات في ظل الدستور الجديد الذي أعقب حراك "20 فبراير"، قال لحسن الداودي الذي كان آنذاك نائبا للأمين العام لحزب العدالة والتنمية في حوار مع صحيفة "الأسبوع الصحفي" إن حزبه يضع "فيتو" على حزب الأصالة والمعاصرة، قائلا عنه إنه "خط أحمر" بالنسبة له، بل مضى أبعد من ذلك حين قال "كل حكومة سيصلها البام لهلا يوصلنا ليها".

واستمر "البيجيدي" مصرا على إبعاد "البام" عن التفاوض الحكومي في 2011 و2013 و2016، إلى أن كلف الملك سعد الدين العثماني برئاسة الحكومة عوض عبد الإله بنكيران سنة 2017، لكن الأمر لم يسفر في نهاية المطاف عن أي تفاهم.

غير أن مياها كثيرة مرت تحت الجسر منذ ذلك الوقت، جعلت وضع الحزبين اللذين يملكان أول وثاني أكبر كتلة برلمانية في مجلس النواب تواليا، في وضع غير مريح داخل الساحة السياسية المحكومة برهانات انتخابية كبيرة في 2021، حيث سيتم تنظيم الانتخابات البرلمانية ثم الجماعية والجهوية في سنة واحدة، وسط منافسة قوية متوقعة من حزبي التجمع الوطني للأحرار والاستقلال.

ويبدو السيناريو المفاجئ لتحالف الحزبين بجهة طنجة، أقرب لمحاولة جس النبض لقواعد الحزب قبل خروج القيادة بـ"القول الفصل"، إذ رغم أن مجموعة من الوجوه المعروفة داخل الحزب مثل محمد خيي  وعبد العزيز أفتاتي وبلال التليدي عبرت صراحة عن رفضها لهذا التحالف، وأيضا رغم إصرار سعيد خيرون على أن الأمر تم بمباركة سعد الدين العثماني، إلا أن لا أحد من أعضاء المكتب السياسي عبر عن موقفه مما جرى، بل حتى الأمين العام السابق عبد الإله بنكيران، الذي أمعن في رسم الخطوط الحمراء في مواجهة "البام" لا زال يلتزم الصمت.

الخميس 3:00
غيوم متفرقة
C
°
15.16
الجمعة
20.64
mostlycloudy
السبت
20.5
mostlycloudy
الأحد
20.33
mostlycloudy
الأثنين
19.49
mostlycloudy
الثلاثاء
18.64
mostlycloudy