تحذير بوريطة لـ"بَنما".. هل هو استباق لأي تهديد لصادرات الفوسفاط؟

اختار وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، قبل أيام، استخدام لهجة هجومية مباشرة تجاه إحدى الدول الداعمة لجبهة "البوليساريو"، عندما حذر جمهورية "بنما" من الاستمرار في دعم الانفصال بالمغرب حتى لا تقوم المملكة بدعم الانفصال في هذا البلد الواقع في موقع استراتيجي في أمريكا الوسطى.

وأثارت هذه الخطوة انتباه المتتبعين لقضايا الدبلوماسية المغربية والمهتمين بملف الصحراء المغربية، فالمملكة التي يقود عاهلها السياسة الخارجية، لم تعتد على توعد أشد الدول الداعمة للطرح الانفصالي بدعم الانفصاليين على أراضيها، الأمر الذي يجعل من خرجة بوريطة الأخيرة من تحت قبة البرلمان، مؤشرا على تغيير لهجة الخطاب المغربي تجاه مستهدفي مصالحه السياسية والاقتصادية.

تحذير مغربي

وكان بوريطة يتحدث لأعضاء مجلس النواب يوم الخميس الماضي أثناء دراسة مشروع الميزانية الفرعية لوزارة الخارجية برسم السنة المالية 2020، حينما أعلن عن استعداد المغرب لإغلاق سفارة جمهورية بنما بالرباط في حال ما استمرت هذه الدولة في عدم الاعتراف بمغربية الصحراء.

لكن الوزير الذي كشف عن أن عدد الدول التي لا زالت تعترف بالبوليساريو لم تعد تتجاوز 17 في إفريقيا و12 بأمريكا اللاتينية واثنتين بآسيا، مضى أبعد من ذلك حينما خاطب بنما قائلا "عليكم أن تعرفوا أن لهجة المغرب تغيرت، فإذا ساندتم الانفصاليين على أراضينا سنساند الانفصاليين على أراضيكم، وإذا ساندتم جماعات سلبية عندنا سنساند جماعات سلبية عندكم".

لكن، رغم أن بوريطة وجه كلامه لـ"بنما"، الدولة التي استقلت عن كولومبيا سنة 1903، إلا أن الرسالة كانت تستهدف كل الدول الداعمة لانفصال الصحراء وعلى رأسها تلك التي تعاني بدورها من بروز الحركات الانفصالية، كما أن هذا الخطاب، بحسب المحلل السياسي محمد بودن، كان يهدف إلى تعريف تلك الدول بالمبادئ الثلاث لسياسة المغرب الخارجية. 

ويرى بودن أن الرباط تبني سياستها الخارجية على 3 مبادئ أساسية "الأول يتعلق بالطموح، أي رغبة المغرب في تطوير العلاقات وبناء آليات الحوار السياسي والاستراتيجي على مستوى وزارة الخارجية، ولكن بالدرجة الأولى على مستوى رئاسة الدولة"، وتابع أن "المبدأ الثاني هو الوضوح، فالمغرب له ثوابت واضحة على رأسها الوحدة الترابية والسيادة على كامل أراضيه، وهو ينطلق في بناء علاقاته مع مجموعة من البلدان من هذا الأساس، خاصة الدول التي يعتمد لديها سفراء، وهو أمر ينبني على تنمية العلاقة والسعي من أجل تطويرها، أما المبدأ الثالث فهو الواقعية، بمعنى أن المغرب لا يمكنه أن يتغاضى عن تعريض مصالحه العليا للتهديد أو التشويش".

المعاملة بالمثل

ووضع حديث بوريطة الأخير وضع الواقع السياسي للدول المساندة لانفصاليي البوليساريو أمام مرآة الحقيقة، فالعديد منها تعاني من وجود دعوات انفصالية على غرار حركة تقرير مصير منطقة القبائل في الجزائر، أو حركة "رومبو بروبيو" المنادية بانفصال ولاية "زوليا" عن فينزويلا، ما يطرح إمكانية معاملة الرباط لهذه الدول "بالمثل".

وحسب بودن فإن المغرب يوجد حاليا "في موقع قوة بالنسبة لقضيته الوطنية الأولى، بسبب التراجع الكبير في أعداد الدول الداعمة للانفصال، ما يعني أنه ليس هناك تأثير كبير على المصالح الوطنية للمملكة"، وتابع قائلا إن العلاقة بين المغرب وبين عدد من دول أمريكا الجنوبية والوسطى والكاريبي "تطورت في السنوات الأخيرة بفضل الدينامية الكبيرة للديبلوماسية المغربية، لكن هناك جيوب مقاومة على مستوى بعض البلدان، التي لا زالت تدعم الفكر الانفصالي أو لا زالت بعض أحزابها وجمعياتها تحتضن الانفصاليين".

ويعتبر رئيس مركز أطلس لتحليل المؤشرات السياسية والمؤسساتية، أن المغرب "له طموح لتقديم مساندة إيجابية للعلاقة مع عدد من البلدان، لكن هذا يعتمد أيضا على نوايا تلك البلدان ورغبتها وطبيعة سياستها الخارجية، إذ إن مجموعة من اللدول تبني علاقتها الخارجية على الابتزاز والمغرب لا يقبل بهذا".

وتابع بودن أن "المملكة المغربية لها رؤية واضحة فيما يتعلق بالسياسية الخارجية وارتباطها بقضية الصحراء، فالوحدة الترابية عماد هذه السياسية، والمغرب يعبر دائما عن حسن النية ويطمح لتطوير العلاقات مع عدد من البلدان، لكن هذا يعتمد أيضا على تبادل نفس الرغبة والمصداقية لبناء شراكة موثوقة".

استباق لحرب اقتصادية

وطرح تحذير بوريطة الواضح لبنما وخطابه الحاد تجاه هذا البلد الذي يتحكم في إحدى أهم المعابر البحرية في العالم، إمكانية استباق المغرب لـ"حرب اقتصادية" قد تُشن ضده من طرف حكومة تساند الطرح الانفصالي، فالعديد من سفن الصادرات المغربية وخاصة صادرات الفوسفاط الذي تستخرج كميات كبيرة منه من الأقاليم الصحراوية، تمر عبر قناة بنما، ما قد يعرضها للحجز والمصادرة.

لكن بودن يشدد على ضرورة استحضار "التوازنات الدولية على مستوى النقل البحري"، والتي تجعل بنما "غير متحكمة بشكل كامل في القناة، بالإضافة إلى المصالح التي تربط هذه الدولة مع عدد من البلدان التي تستورد الفوسفاط المغربي بما فيه الفوسفاط ذو المنشأ الصحراوي"، ليخلص إلى أن "الأمر أكبر من العلاقات الثنائية". 

وأورد المحلل السياسي أن المغرب له أيضا "خيارات أخرى غير قناة بنما، وهناك قنوات أخرى يستعملها حاليا لتصدير مواده الزراعية والمعدنية والبحرية"، معتبرا أن الموقف الذي عبر عنه وزير الخارجية مؤخرا يجد تفسيره في أن "العلاقة مع بنما يجب أن تتسم بالجدية والوضوح، من أجل أن لا تنتقل العدوى إلى دول مجاورة لها، خاصة بعدما أعلنت مجموعة من تلك الدول مؤخرا عن موقفها المساند للوحدة الترابية المغربية، أو على الأقل غيرت من موقفها المساند للطرح الانفصالي ونحت نحو الحياد".

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .