تذمر المغرب من التبادل الحر مع تركيا.. "ترقيع" لعجز تجاري أم خضوع لـ"لوبيات"؟

لم تعد رغبة الحكومة المغربية في تعديل اتفاقية التبادل الحر مع تركيا أمرا خفيا، فرغم أن وزير التجارة والصناعة والاقتصاد الرقمي والأخضر، حفيظ العلمي، سبق أن أعلن أن المراجعة ستشمل جميع الاتفاقيات الـ56 التي وقعتها المملكة، إلا أن ما صدر عنه خلال زيارته الأخيرة إلى إسطنبول أظهر أن الأتراك هم المستهدفون الأساسيون بهذه الخطوة.

وتبرر الحكومة هذا الأمر بالعجز التجاري الذي يتكبده المغرب من المبادلات المعفية من الرسوم الجمركية مع تركيا، ويستند في ذلك على دعوات برلمانيين سبق أن حذروا من تفاقم هذا العجز مع توالي السنين، غير أن بصمات ضغط "لوبيات صناعية" بالمغرب وخاصة شركات النسيج تبدو واضحة جدا، خاصة مع حديث العلمي عن "إنقاذ المقاولات المغربية من الإفلاس".

توالي العجز التجاري

وقع المغرب وتركيا اتفاقية التبادل الحر سنة 2004، ودخلت حيز التنفيذ منتصف سنة 2006، وهي الخطوة التي سمحت بتعزيز المبادلات التجارية بين البلدين بشكل ملحوظ، ففي ظرف 10 سنوات تضاعفت هذه المبادلات 4 مرات لتنتقل من 700 مليون دولار قبل بداية العمل بالاتفاقية إلى 2,6 مليار دولار سنة 2016.

لكن تدقيق الأرقام يكشف أن المقاولات التركية استطاعت الاستفادة من السوق المغربية أكثر بكثير مما فعلته المقاولات المغربية في السوق التركية، حيث وصل العجز التجاري لفائدة الأتراك إلى 1,6 مليار دولار سنة 2018، مع ارتفاع نسبة الاستثمارات التركية داخل المغرب إلى 269 مليون درهم العام الماضي عوض 139 مليون درهم سنة 2017.

وأحدثت هذه المعطيات رجة داخل الأوسط الاقتصادية والسياسية المغربية، خاصة بعد تزايد شكاوى شركات النسيج والألبسة بالمغرب، الشيء الذي دفع محمد بوسعيد وزير الاقتصاد والمالية السابق، إلى إصدار قرار مشترك مع حفيظ العالمي وزير الصناعة والتجارة، بداية العام الماضي، برفع قيمة الضرائب على واردات 100 مُنتج من الألبسة والمنسوجات التركية بقيمة 90 في المائة.

لكن يبدو أن هذه الخطوة لم تكن كافية بالنسبة للمصنعين المغاربة، خاصة مع تزايد انتشار المتاجر التركية بالفضاءات التجارية الكبرى وحتى داخل الأحياء الشعبية، الأمر الذي دفع الفريق البرلماني لحزب الاستقلال بمجلس النواب إلى دعوة الحكومة، شهر يونيو الماضي، إلى مراجعة اتفاقية التبادل الحر مع تركيا باعتبارها "تسببت في إفلاس مجموعة من المقاولات المغربية".

العلمي ومساعي التعديل

مع بدأ مناقشة مشروع قانون المال الخاص بسنة 2020 والكشف عن أن عجز الميزان التجاري المغرب بلغ أكثر من 14 مليار دولار قبل نهاية سنة 2019، عادت بقوة فكرة مراجعة اتفاقيات التبادل التجاري الـ56 التي وقعها المغرب، وهو الشيء الذي أعلن عنه رسميا الوزير حفيظ العلمي.

لكن العلمي الذي لم يسم في تصريحاته تركيا كمستهدف أول بتلك التعديلات، سيؤكد بنفسه هذا المعطى عندما زار إسطنبول خلال هذا الأسبوع للمشاركة في الدورة الـ34 للجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري لمنظمة التعاون الإسلامي، حيث التقى وزيرة التجارة التركية روهصار بيكجان وطرح عليها مقترح التعديل.

وأصدرت وزارة التجارة والصناعة والاقتصاد الرقمي والأخضر بلاغا إثر هذه الزيارة أكدت فيه مناقشة الموضوع بين العلمي وبيكجان، مبرزة أن دافع ذلك كان هو "تفاقم عجز الميزان التجاري لصالح تركيا والانعكاسات السلبية لاتفاق التبادل الحر على المقاولات المغربية".

وأورد البلاغ أن العلمي شدد على ضرورة "إعادة التوازن لهذا الوضع حتى لا يكون المغرب مضطرا لإعادة النظر في هذا الاتفاق"، مضيفا أنه "تم الاتفاق على إحداث فريق تقني مشترك سينكب على دراسة الانعكاسات المترتبة عن هذا الاتفاق، وتحديد القطاعات التصديرية المغربية الكفيلة بالرفع من مستوى الصادرات المغربية وامتصاص العجز التجاري، علاوة على تطوير الاستثمارات التركية في القطاعات الصناعية بالمغرب".

لماذا تركيا وليس أمريكا؟

غير أن المثير في خطوة الحكومة المغربية هو تركيزها بشكل أساسي على العجز في الميزان التجاري مع تركيا، رغم أن المغرب تربطه العديد من اتفاقيات التبادل الحر الأخرى مع قوى اقتصادية كبرى تتسبب له عجزا أكبر، وكنموذج على ذلك الاتفاقية التي تربطه مع الولايات المتحدة الأمريكية.

فإذا كان إجمالي العجز المسجل مع تركيا قد بلغ 1,6 مليار دولار سنة 2018، فإن الأرقام الرسمية تكشف أن عجز الميزان التجاري المغربي لصالح الولايات المتحدة بلغ 2,7 مليار دولار خلال السنة نفسها، علما أن اتفاقية التبادل الحر مع واشنطن بدأ العمل بها أيضا سنة 2006 على غرار نظيرتها الموقع مع أنقرة.

ويرى نوفل الناصري، الخبير الاقتصادي وعضو لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب المغربي، قيام المغرب بإعادة النظر في اتفاقيات التبادل الحر "مبادرة إيجابية جدا ويمكن قراءتها في إطار دعوة الملك إلى بلورة مقترحات جديدة من أجل إيجاد روافد للنمو"، لكنه أوضح أن ما على الدولة عمله هو "أن تبحث على أكثرها تأثيرا على الميزان التجاري الوطني".

وأضاف الناصري أن "الأسلم والطبيعي أن يبدأ المغرب بالاتفاقية التي تتسبب في أكبر نسبة من العجز التجاري، وهذا يتطلب تحديد السياسية التي ستعتمدها الدولة لتقييم الاتفاقية التي تضررت منها"، موردا أن "هناك دولا أخرى تسبق تركيا على مستوى التأثير السلبي على الميزان التجاري المغربي". 

ونبه الخبير الاقتصادي إلى أن المبرر المطروح لتعديل اتفاقية التبادل التجاري مع تركيا هو حماية المقاولات المغربية، "لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو ما الذي فعلته الدولة لحماية تنافسية المقاولات المغربية قبل التفكير في إغلاق باب التبادل الحر".

تأثيرات على السياسة والمستهلك

وتطرح خطوة العلمي الكثير من علامات الاستفهام حول التأثيرات السياسية والاقتصادية لمراجعة اتفاقية التبادل الحر مع تركيا، خاصة في ظل تطور العلاقات بشكل مسترسل بين الرباط وأنقرة، وهو ما تؤكده الدعوة التي تلقاها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من الملك محمد السادس لزيارة المملكة شهر شتنبر الماضي.

وأورد نوفل الناصري أن هذه الخطوة "قد تؤدي لإشكالات في العلاقات بين البلدين على أبواب اللقاء المرتقب لزعيميهما"، لهذا شدد على أن مثل هذه الملفات "يجب أن لا تدبر بشكل تقني محض ولكن أيضا بشكل دبلوماسي وسياسي"، مضيفا أنه "يجب أن نضمن أن هذه الخطوة ليست مدفوعة بضغوطات سياسية أو أن خلفها تأثيرات من أطراف اقتصادية".

لكن شيئا آخر ينبه إليه الناصري حول هذا الموضوع، ويتعلق بمدى تضرر المغاربة من مراجعة هذه الاتفاقية خاصة إذا ما أثرت على واردات الألبسة والصناعات الغذائية، موردا أن المستهلكين المنتمين للطبقة المتوسطة، يُقبلون على المنتوجات التركية بشكل كبير وهو أمر له تأثير إيجابي على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.

ويفسر الخبير الاقتصادي ذلك بالقول إن "دخول منتوجات تركية بجودة عالية وثمن متوسط جعل الرواج الاقتصادي يرتفع وجعل معدل الاستهلاك الوطني بدوره يرتفع ما أثر إيجابا على معدل النمو"، محذرا من وجود مغالطات تروج حول إغراق السوق المغربية بالمنتوجات التركية "فالمنتجات المغربية تمثل حوالي 70 في المائة من معروضات متاجر "بيم" التركية مثلا، مقابل 13 في المائة فقط من السلع التركية"، خالصا إلى أن الأمر يتعلق بـ"معادلة فيها العديد من المتدخلين يجب الانتباه لهم جميعا".

تعليقات الزوار ( 1 )

  1. وجدي :

    أكيد هو خضوع للوبيات فرنسا و الغرب.

أضف تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .