جبرون: "كفاءات خطاب العرش" يجب أن تتوفر على الحد الأدنى من التسييس

منذ إعلان الملك محمد السادس في خطاب العرش العشرين عن ضرورة البحث والتنقيب عن كفاءات بمواصفات جديدة، سواء تلك المنتظر ترشيحها من طرف رئيس الحكومة خلال التعديل الحكومي المزمع القيام به خلال الدخول السياسي والاجتماعي المقبل، أو تلك التي يريدها الملك في اللجنة التي تؤول إليها مهمة الاشراف على جمع وبلورة المقترحات الخاصة بالنموذج التنموي المنشود، أو حتى تلك التي سيتم ضخها في عدد من المؤسسات والإدارات بغاية إحداث دينامية شاملة قادرة على مواكبة الأوراش والمخططات الكبرى التي سيتم الاعلان عنها تباعا خلال السنوات القليلة القادمة، وهي الأوراش التي يعول عليها في تحديد معالم المغرب خلال العشرية المقبلة، والنقاش مفتوح عن ماهية هذه النخبة؟

وعن أي نوع من الكفاءات التي تحدث عنها الملك في خطابه الأخير؟ وما هي المميزات والمواصفات التي يشترط توفرها في الشخص لنقول أنه كفاءة وفق الرؤية الملكية؟ وهل تكفي الكفاءة مركزيا أم أن هناك ضرورة وحاجة لتجديد نخب الادارات والمؤسسات جهويا ومحليا لمواكبة هذه الدينامية المرتقبة؟ ثـم، ما هو موقع المواطنات والمواطنين من هذه الدعوات والرسائل الملكية المتعلقة بالتغيير والتجديد استنادا على شرط الكفاءة؟

للإجابة على هذه الأسئلة، ربطنا الاتصال بالباحث المغربي الدكتور محمد جبرون، وكان لنا، في موقع "الصحيفة"، معه هذا الحوار:

- ما هي في نظركم المعايير التي من الضروري توفرها في الكفاءات المبحوث عنها لتكون في مستوى تطلعات وانتظارات المرحلة المقبلة؟

المعايير متعددة وكثيرة، لكن أبرزها وأكثرها تأثيرا، ليست فقط تلك المتعلقة بالخبرات النظرية والقدرات الفكرية والتخصص في مجالات معينة، حيث من الممكن أن نجد على هذا المستوى أكاديميين كبار لهم آراء ونظريات معتبرة لكن تعوزهم القدرة والكفاءة على تنزيلها على أرض الواقع بالطريقة السليمة.

إذن، الأهم، في اعتقادي، هو القدرة على الانجاز والتنزيل وعلى تفعيل المشاريع والقرارات التي تهم هذا القطاع أو ذاك، هو المعيار الأساس. لأنه من الممكن أن يكون لدينا أناس يجيدون الكلام والتحليل والتنظير ولهم آراء جميلة ومقنعة، لكن الفرق كبير بين القدرات الفكرية والنظرية وبين القدرة على إبداع الحلول وتفعيلها.

فواقع الحال يقول إن هناك مجموعة من المشاكل، والتميز هو القدرة على نقل الأفكار المبدعة والمتقدمة وحسن تنزيلها على أرض الواقع. وأعتقد أن لدينا نماذج حقيقية كثيرة وفي مجالات مختلفة، كانت لديها حصيلة متميزة في مجالات مختلفة.

- ونحن نتحدث عن هذه المعايير، ألا تعتقد أننا سنميل إلى الكفاءات التقنوقراطية المستقلة سياسيا؟

توفر الحد الأدنى من التسييس أمر مهم وضروري، لأن كثيرا من القرارات والحلول المبتكرة، لا بد خلال مرحلة تنزيلها من الأخذ بعين الاعتبار الخلفية أو القراءة السياسية، لأننا إن لم نأخذها بعين الاعتبار ستؤدي بنا تلك القرارات والحلول إلى ممارسة تقنية وجافة، قد تتحول في كثير من الأحيان إلى مشاكل تكون سببا في إجهاض الحلول المقدمة.

وبالتالي، الخلفية السياسية في بلورة الحلول وتنزيلها أمر ضروري، وحتى إن لم يتحقق هذا الشرط في شخص المسؤول، فمن الممكن أن تتوفر له هذه الخلفية السياسية من خلال معاونيه سواء على مستوى الدواوين الوزارية أو الكتابات الخاصة بالمؤسسات والادارات المعنية.

-هل يكفي التوفر على الكفاءات مركزيا لتحقيق هذه الإنطلاقة التنموية الشاملة، أم من الضروري تعزيزها وتقويتها بكفاءات على المستويين الجهوي والمحلي لضمان تنزيل المخططات والمشاريع بشكل صحيح؟

للأسف، نحن نتحدث عن أمر من المفترض أن يكون بديهيا، فالأصل هو أن تكون الكفاءة هي المعتبرة بالدرجة الأولى في جميع المسؤوليات والمجالات.

إلا أننا أصبحنا نتحدث عن الكفاءة وكأنها عنصر جديد أو استثناء، والحال أنه في جميع دول العالم الكفاءة هي المعيار الأساس في تحمل المسؤولية في الشأن العام تحديدا، لكننا اليوم نتحدث عنها كاستثناء أو عملة نادرة، وهذا ما يفسر في جزء كبير منه لماذا لا نتقدم بالسرعة المطلوبة.

وعليه، فرد الاعتبار للكفاءة هو إعلان عن تجاوز عدد من الاختلالات في النسيج الاداري والمؤسساتي، من زبونية ومحسوبية وغياب الشفافية في مقابل الولاءات الحزبية والتعصب للعشيرة والقرابات العائلية، وهي أمراض عليها أن تضعف وتمحى، لأنها تقتل الكفاءات، وتقطع عليها الطريق.

-ألا ترى أن مطلب الكفاءة وتجديد النخب قد يصطدم بجيوب المقاومة وبنافذين قد تتعارض مصالحهم مع مبدأ/شرط التخليق والكفاءة؟

هذا أمر عادي جدا وطبيعي، لأن قَدَر أي فكرة سلبية كانت أو ايجابية، أن تصطدم بنقيضتها، وبالتالي، فالمقاومة هي جزء من قانون الطبيعة وليس غريبا عنها.

كن متأكدا أنه عندما يتعلق الأمر بالتأسيس لمفهوم الكفاءة كمعيار أساسي في تحمل المسؤولية وتدبير الشأن العام، فهو سيعاني من مجموعة من الصعوبات من أناس عديمي الكفاءة، وهنا لا بد من استحضار مستوى كبير من "الروح القتالية" التي ينبغي أن يتمتع بها الفاعل العمومي والحزبي الذي يرفع مطلب التخليق والكفاءة.

وارتباطا بهذه النقطة، أود أن أشير إلى أهمية وضرورة الدعم الشعبي لهذا النفس والروح الجديدة، لأن ربح مثل هذه الرهانات الكبرى لا يتحقق بتدبير مركزي وسياسيات عمومية ممركزة، بل لا بد له من دعم شعبي مصدره القواعد من عموم المواطنات والمواطنين.

وهنا أوجه كلامي للمغاربة، إن كل تأخر أو تلكؤ في دعم الروح الجديدة للدولة المغربية، الشعب هو من سيؤدي ثمنه في آحر المطاف.

وبالتالي على الجميع أن يعي أن هذه الرغبة التي عبرت عنها المؤسسة الملكية باعتبارها أعلى وأهم مؤسسة في الدولة المغربية، في التجديد والتنخيب وتجاوز الصعاب ورفع تحدي إعادة الاعتبار للكفاءة، عليها أن تحظى بالدعم الكافي من طرف عموم المغاربة، لأنها معركة واحدة في نهاية المطاف وهي من تحدد مستوى ومسار المغرب مستقبلا.

وأتمنى صادقا أن ننجح في هذا التحدي، بما يتطلبه الأمر من تعبئة على مستوى وسائل الاعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، لمحاربة الرداءة وخطاب التبخيس.

لأن ما نطالعه في بعض الأحيان من طرف بعض الأشخاص الذين يعملون على تبخيس الروح الجديدة التي اجتهد الملك في بثها في الدولة المغربية، سواء من خلال مضامين هذا الخطاب أو الكثير من المبادرات، وإفراغها من محتواها من خلال إدخالها في دوامة الاستهتار والاستهزاء مما يفرغ هذه المبادرات من محتواها، سوف لن يساعد في شيء، وسنؤدي الثمن جميعا من ارتباك وتأخر ومماطلة.

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .