"جيل الغموض".. مَلايين الشباب دفعهم التهميش الاجتماعي إلى الكُفر بالمؤسسات

بالرغم من البرامج السياسية والمخططات القطاعية المُعلن عنها من طرف الحكومات المتوالية الهادفة إلى توفير خدمات في المستوى مستجيبة لطبيعة المتغيرات التي يعيشها الشباب المغربي، وإدماجه في السياسات العمومية وإشراكه في الحياة العامة وتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام، إلا أن واقع الحال يقول بأن الدولة فشلت في استيعاب واحتواء ملايين الشباب الذين أبانت مجموعة من المحطات والأحداث دوام تواجدهم خارج النسق السياسي والاجتماعي المعروف والمتداول بين القطاعات الحكومية وهيئات الوساطة والتأطير الديمقراطية.

وفي الوقت الذي تتباهى فيه الأحزاب السياسية بتنظيماتها الشبابية من خلال التسويق لأنشطتها في محاولة إعطائها بعدا إشعاعيا وتواصليا، ومعها مجموعة من القطاعات الحكومية بأرقام وإحصاءات تقول بتنامي مستوى إدماج الشباب في الحياة العامة وتسهيل ولوجه للخدمات الاجتماعية الأساسية، ينمو جيل جديد من الشباب، جيل لا انتماء سياسي ولا أفق اجتماعي له، جيل جهر بمقاطعته لكل ما له علاقة بمؤسسات الدولة التمثيلية، وهيئات الوساطة الديمقراطية من أحزاب وجمعيات ومنظمات، جيل كل ما يُعرف عنه ارتباطه الوثيق بالأنترنت والتكنولوجيا التي استطاع أن يروض جزءا منها لتأسيس عالمه الخاص حيث يتواصل ويناقش ويقرر ويبادر، وبعدها.. ينزل إلى الميدان..

الـجـيـل"Z".. مُطوِّع للتكنولوجيا وناقم على الوضعية

يطلق الباحثون وعلماء الديموغرافيا على مواليد نهاية التسعينات وبداية الألفية الحالية بـ"الجـيـل زيـد – Z"، وهم شباب يتميزون بارتباطهم الوثيق بالأنترنت والتكنولوجيا التي يعتمدون عليها في جُل تفاصيل حياتهم اليومية، انطلاقا من خلق علاقات تواصلية افتراضية، وصولا إلى تتبع أخبار العالم ونجوم الكرة والغناء، مرورا باكتشاف آخر صيحات الموضة وجديد الأفلام وألعاب الفيديو، وباقي مختلف الاهتمامات..

يؤسسون لعوالم خاصة بهم، تنطلق من التواصل الافتراضي على المنصات الاجتماعية، حيث يطرحون مواضيع تحظى بالأولية لديهم، يناقشون ويعارضون، يختلفون ويتفقون، يكلل بلقاءات واقعة بوتيرة يومية وبأعداد محددة، يشكلون فيما بينهم جماعة أفراد معروفة أعضاؤها.

يجتمعون على أبواب الثانويات وفي ساحات الكليات، كما يلتقون في المقاهي ونوادي الألعاب، وبالساحات والحدائق العمومية. ينتمي جزء كبير منهم إلى طبقات اجتماعية هشة، يقطنون في أحياء شعبية حيث يقل التأطير الاجتماعي والرقابة الأمنية، في مقابل شيوع تجارة وتناول الممنوعات وارتفاع نسب التحرش والاعتداء والسرقة بالسلاح الأبيض. كما أن جزءا معتبرا منهم ينتمون إلى "الألترات"، ويبحثون بين الفرق الكروية وفي عالم الغناء عن نجوم يتخذونهم قدوة. 

لكن تبقى أهم مميزات هذا الجيل هي مقاطعته لكل ما له علاقة بالمؤسسات الرسمية والتمثيلية، حيث يتفاخر بمقاطعته للانتخابات والأحزاب، ولا يتوانى في الجهر بالكفر بالمؤسسات وهيئات الوساطة الديمقراطية معتبرا إياها مصدرا لما يعيشه من "تهميش" مجتمعي. 

فشل الأحزاب في التواصل والتأطير

وإذا كانت وزارة الداخلية قد انتبهت، متأخرة، للخطر الذي يمثله هؤلاء الشباب بسبب عدم تمكنها من تشخيص توجهاتهم وقناعاتهم وميولاتهم الفكرية والسياسية والمجتمعية، حيث سارعت إلى تكثيف عمل خبرائها والمتخصصين لدى مصالحها وشركائها لدراسة هذا الجيل كظاهرة تستدعي التوقف عندها بالرصد والدراسة والتحليل، في محاولة للوصول إلى الصيغ الأنسب لضمان إدماج الملايين من الشباب في برامج ومخططات تراعي خصوصياتهم واحتياجاتهم التي يظهر أنها تختلف إلى حد بعيد مع ما هو متداول من أحكام تقليدية مسبقة عن الشباب. وبقدر ما يشكله هذا الجيل من ثروة قومية، بقدر ما يعتبر قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة إذا لم يتم الإسراع في التعامل معها بالطريقة الأنسب والأنجع.

فإن الأحزاب السياسية لا زالت متخلفة عن زمن الانخراط الفعلي في مباشرة التفاعل مع هذا الجيل من خلال دراسة خصوصياته ووضع البرامج المستجيبة لتطلعاته واحتياجاته والكفيلة بحسن إدماجه في هيئاتها. ذلك أن أقصى ما استطاعته في هذا الاتجاه هو المطالبة برصد ودراسة التعبيرات الجديدة للشباب، في إشارة إلى الرسائل التي يوجهها شباب "الالترات" خلال المباريات الكروية والشعارات التي يتم رفعها خلال الاحتجاجات الاجتماعية كلما كلما سنحت لهم الفرصة.

مما اضطر بعض الأحزاب إلى الاعتراف، ولو ضمنيا، بفشلها في استيعاب التعبيرات الجديدة للشباب، لتطالب بضرورة الاجتهاد أكثر من أجل فهمها وقراءتها "قراءة عميقة وواعية". حيث دعت في بياناتها الأخيرة إلى "راهنية الانتباه إلى هذه التعبيرات والتجاوب معها".

وحذر حزب التقدم والاشتراكية من "عواقب الفراغ السياسي الذي تملؤه التعبيرات الغاضبة للشباب"، مطالبا بـ"التمعن المسؤول في أسباب هذه التمظهرات، والبحث الجدي في الصيغ المناسبة لاحتواء وتأطير المطالب والاحتجاجات وتحويلها إلى فعل إيجابي ومنظم، عوض تكريس الفراغ الذي لا يفسح المجال سوى أمام تنامي التعبير العفوي عن الرفض والغضب والقلق بشكل غير محسوب العواقب".

من جهتها طالبت اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال "مختلف الفاعلين والقوى الحية بتتبع هذه الظواهر الشبابية بيقظة مواطناتية وحس عالي من المسؤولية، من أجل انتشالها من الانهزامية المستشرية، ومواكبتها بالاحتضان والتأطير الملائم والمسؤول، والتعجيل بصياغة الاختيارات التنموية الكفيلة بضمان الكرامة والأمل في نفوس الشباب".

فيما دعت الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، في بلاغها الأخير، إلى تحليل ودراسة الأشكال التعبيرية الجديدة من أجل فهمها الفهم السليم والمناسب، مؤكدة على ضرورة العمل على إعادة الاعتبار للأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والمؤسسات التمثيلية.

في مقابل ذلك أظهرت أرقام  عممتها المندوبية السامية للتخطيط أن 70 % من الشباب (حوالي 40 % من الكتلة الناخبة) لا يثقون في جدوى العمل السياسي، وأنه لا ينخرط من بينهم في الأحزاب السياسية سوى 1 %.

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .