حروبٌ دينية.. أشعَلَها "سُوءُ التأويل"!

فرقٌ بين الدّين، وفَتاوَى مَحسُوبةٍ على الدّين..

عَرقلةُ في تأويلاتٍ مِن بعضِ مَن يُصدِرُون فتاوَى لا تتَماشَى مع العَقل، ومع التّطوّرِ العِلمي، والحُقوقِ والواجِبات، والعَدالةِ الاجتماعية..

وتَتحوّل الفَتاوَى بتَناقُضاتِها إلى خُرافة، وشَعوَذة، وإلى "تَقديسِ" قُشُورٍ وشكلياتٍ ومَظهَريات، بدلَ العُمقِ الديني الذي هو العدلُ والحقّ والسلامُ والتعايُشُ والمَحبّةُ واحترامُ الآخر..

والقرآنُ يُنبّهُ إلى مَخاطرِ سُوءِ التأويل.. يقول: "لا يَعلَمُ تأويلَه إلا الله"..

سُوءُ التأويل يقودُ لسُوء الفَهم..

لاَ ثُمّ لا لتَسيِيسِ الدّين!

ضرورةُ الفصلِ بين الدّينِ والسياسة..

وبينَ الدّينِ وشؤونِ الدولة..

بين الدّنيا والآخرة..

عَدمُ التّشويشِ على الدولة، بتأويلاتٍ خاطِئة..

وجَبَ أن يكُونَ الدّينُ عقلاً..

واللهُ لا يُعبَدُ بالجهل..

"أفلا تعقِلون؟" - قرآن.

وتَأمّلُوا ما فعَله بعضُ "رجالِ الدين" - عبرَ العُصور - في مُجتَمعاتِهم، وفي الإنسانيةِ جمعاء..

تعالوا نَنظُر إلى التاريخِ البشري..

مَن فَرّقَ بين الأديان؟

مَن فرّقَ بين المُتديّنين؟

أليسوا هُم أنفُسُهم؟ هُم من أساؤُوا تَفسيرَ "كلامِ الله"؟

أُولاءِ يَقفُون وراءَ إشعالِ "حُروبٍ دِينيةٍ" كثيرةٍ في التاريخِ البَشرِي.. ألا يَقِفُ التّواطُؤُ بين الدّينِ والسياسة وراءَ هذه الحروب؟

"رجالُ الدّين" يَبحثُون عن مُبرّراتٍ في النّصُوص، لإشعال الحروب، ويُسلّمُون هذه النصوصَ للسّياسيين والاقتصاديين، وبهذا يتمّ تجييشُ الناس، وتجييشُ مُؤسّساتِ الدولة، ثُمّ الهجومُ الكاسِحُ على بُلدانٍ أخرى، تحتَ الغطاءِ الدّيني..

وتَحدُثُ مَجازرُ بين شعوبٍ أصبَحت هي مُعتَدِية، ومُعتَدًى عليها..

ظالِمة.. ومَظلُومة!

والنتيجة: حُروبٌ دينيةٌ قد استَمرّت قرونًا في التاريخِ البشري، وفي مختلفِ القارّات..
وشُعوبٌ خاضَت وقد تخوضُ هذه الحروبَ من أجل إرضاءِ نفسِ الإله.. ورُبما نفسِ الآلهة، في حالةِ تَعدّدِ الآلهة..

ومن أجلِ إلهٍ واحد، اشتَعلَت حُروبٌ دينيةٌ شَهيرة..

وفي الخارطةِ العربية: أليسَت الحربُ الإسرائيليةُ الفلسطينيةُ في خلفيتِها حربًا دينيّة؟ ألا يقفُ خلفَها "رجالُ الدّين"؟ ومَن المُستفيد؟ أليس هو "التّواطؤُ بين السياسة والدين"؟

وأيُّ مُراقِب، يرَى بعين العقلِ ثلاثةَ أديانٍ مُتعاقِبة، هي اليهودية والمسيحية والإسلام، تَتحاربُ في الأرضِ الفلسطينيةِ منذ 1948، وكُلّها تَعبُدُ نفسَ الإله: ربّ العالمين!

وتَلتَقي في حوارٍ مُشترَك هو "حوارُ الحَضارات"..

ها هي ثلاثةُ أديانٍ سَماويةٍ تَقاتَلت وتَتَقاتلُ من أجلِ مَصالحِ أطرافٍ أخرى، وتُموّلُ الصناعةَ العسكريةَ لدُولٍ كُبرى، ولشركاتٍ عابرةٍ للقارّات..

والضّحايا بلا عدّ لهم ولا حَصر!

والقاتلُ والمقتُول يخوضُ هذه الحربَ اللاّمُتناهيةَ تحت الغطاءِ الديني، ومن أجل التّقرّب من نفسِ الإله: إلهِ الإسلام والمسيحيةِ واليهودية وغيرِها!

"رجالُ الدّين" يَجدُون في تأويلاتِ السابقينَ واللاّحِقين مَن يُبرّرُ استِمرارَ القِتال..

وفي ذاتِ السّياق، اندَلعت "الحربُ الصّليبيّة"، التي كان غطاؤُها دينيًّا، وهو "إرضاءُ المسيح" بإنقاذِ "الأرضِ المقدّسة" من سيطرةٍ إسلامية..

وقَبلَها وبعدَها حروبُ إبادةٍ أخرى!

منها الحربُ بين الكاثوليك والبروتِيستَانت في ألمانيا..

وإبادةُ الهنودِ الحُمرِ في أمريكا..

وجاءَت الحربُ على الأرمِن، في عهدِ "أتاتُورك"، بالدولةِ العُثمانية..

ثم الإبادةُ في "البوسنا والهرسك"، وغيرِها من مَناطقِ العالم…

والطّبُولَ تُقرَعُ - مرةً أخرى - من أجلِ افتعالِ حربٍ لا تُبقِي ولا تَذَرُ بين الشّيعةِ والسّنّة، وتحديدًا بين إيران والخليج..
وقد بدأ التّسخينُ بين دُولٍ كُبرى، نَووية، لإشعالِ أكبرِ حربٍ إسلاميةٍ إسلامية..

وإذا وقعت هذه المواجهةُ المسلحةُ بين أكبرِ مَذهَبيْن في الإسلام، الشيعةِ والسّنة، فقد تكونُ هذه حربَ إبادةٍ لم يَسبق لها مثيل..

وربّما تتحوّلُ إلى حربٍ نووية!

وفي تاريخِ الإسلام مَجازرُ قد بَدأت باغتيالِ "الخُلفاءِ الرّاشِدين"..

وهذا قد وقعَ عندما كان "رسولُ الله" على فراشِ الاحتِضار، وكان مَعَهُ - في البيت - أبو بكر وعُمر وعثمان وعلي..
وخاطبَهم "رسولُ الله": "اعطُوني قلَمًا وقرطاسًا لأكتُبَ لكُم، حتى لا تَضِلّوا بَعدِي أبدًا!"..

وقال عُمر: إن النبيّ يَحتضِر…

ثُمّ فُضّ آخرُ اجتماعٍ، دُون أن يَتمكّنَ النبيُّ من كتابةِ وصيّتِهِ الأخيرة..

وبعد وفاةِ "رسولٍ الله"، انطلقَت الصراعاتُ والتّصفيّات، وانقَسمَ المُسلِمون، وتَدَخّلت المَصالِح..

وبعد قرُون، انتقلَ المفهومُ الإسلامي المعرُوف، من شبهِ الجزيرة العربية، إلى "بغداد"، عاصمةِ الخلافةِ العبّاسية..

وتَسيّسَ الدينُ الإسلامي أكثر، وانتشرتَ أحاديثُ مَنسُوبةٌ لرسُولِ الله، وتفاسيرُ في خِدمةِ سياساتِ ذلك الوقت..

واندَلعَت حُروبٌ وحروب..

باسمِ لا إله إلا الله!

لقد لَعِبَت الفتاوَى دورًا رئيسيًّا في إشعالِ الفِتنةِ والتّفرقةِ بين مُسلِمين يَعبُدون نفسَ ربّ العالَمين..

وإلى الآن، ما زال العالمُ الإسلامي تحتَ أقدامِ "فُقهاءَ" يُفتُون بما تُريدُه السياسة..

فتاوَى في ظاهرِها دينيّة، وفي عُمقِها سياسية..

السياسي يُملِي على المُفتِي.. يَفرضُ عليه ما يُريد..

والمُفتِي يَستجيب..

وبهذا السّياق، كانت خدَماتُ جُلّ فُقهاءِ الفتاوَى..

وفيهِم من يُصدّرُون اليوم فتوى، وغدا تَسمعُ منهم فتوًى مُناقِضة..

وفي وقتِنا الراهن، انتَعَش ما يُسَمّى "الإسلامُ السياسي".. إنهم يَنقُلون الإسلامَ من دوره الديني، أي نشرُ قيمِ الأخلاقِ وفضيلةِ حُسنِ السلوك، إلى أداةٍ لخدمةِ أهدافٍ سياسيةٍ واقتصادية، انتفاعيةٍ وُصولية..

وتَرى قياداتِها تَرفعُ شعاراتِ "الإسلامِ المُعتَدِل"، وعمَليّا تشتغلُ لنشرِ التّشدّدِ والتّطرّفِ..

ولها أذرُعٌ جَمعويةٌ ورَقميةٌ تعملُ على استقطابِ شبابٍ لتأطيرِهم على استِعداءِ غيرِهم، عبرَ فتاوَى تَركَبُ على الدّين، ولا علاقةَ لها بالدّين..

والهدفُ هو التّحكّمُ في مَفاصيلِ الدولة، عبرَ زِراعةِ "عَباءاتٍ" لها في مَناصبَ عُليا بمُختلف القِطاعات، بما فيها التعليمُ والتربية، لضمانِ حُكمٍ مُوَجَّهٍ بلا حُدود..

الهدفُ هو الحُكم..

وعن طريقِ الحُكم، يَتسنّى لهُم أن يَفعلوا ما يُريدُون، لفائدةِ من يُريدُون، ضدّ من يُريدُون..
هذه ثورةٌ إيديولوجيةٌ "بيضاء"، تحت غِطاءٍ ديني، على مُؤسّساتِ الدولة..
إنّ تسييسَ الدّين خَطرٌ قد كانَ وما زال.. وكُلّما استَمرّ، تقلّصَت حُقوقُ الناس.. وأحلامُهم في حياةٍ كريمة..

وازدادَت المَخاطر!

وأصبحَ هذا الحالُ "السياسيُّ المُتدَيّنُ" ذريعَةَ أحزاب، لاستغلالِ الدّين من أجلِ أهدافٍ سياسيةٍ اقتصادية..
والاستيلاءُ على المشهدِ السياسي يقودُ إلى الهيمنَةِ على مَواردِ الثّروةِ الوطنية، ومن ثمّةَ إحكام السيطرةِ على الحياةِ العامة..

وفي أذهانِ هؤلاء، الدّينُ هو الدولة.. وبتعبيرٍ آخر، يَقومُ مَقامَ الدولة.. هكذا يَعتقدُون..
وهكذا يسعَون للاستِفرادِ بالوطنِ والمُواطِن..

وتَحوِيلِ البلادِ إلى إقطاعية!

[email protected]

الأحد 18:00
مطر خفيف
C
°
15.55
الأثنين
16.27
mostlycloudy
الثلاثاء
17.37
mostlycloudy
الأربعاء
20.7
mostlycloudy
الخميس
16.79
mostlycloudy
الجمعة
16.14
mostlycloudy