اختلال العالم وانتهاء العولمة "السعيدة"

قبل عشر سنوات أصدر الكاتب الفرنسي من أصل لبناني أمين معلوف كتاباً بعنوان "اختلال العالم" عقب الأزمة المالية لسنة 2008، حذّر فيه مما سمّاه بالانتصارات الواهية، إحالة منه إلى انتصار الإيديولوجية النيوليبرالية، وفوز الغرب على الشرق.

وأنهى كتابه بهذه الخلاصة التي تبدو كما لو أنها كُتبت أمس: "ليس هناك لحظة كما الآن من أجل أن تُعبّر البشرية عن تضامن فعّال لمواجهة كافة التحديات التي تتربص بها، والأخطار الجمّة المحدقة بها، الناجمة عن تقدم العلم والتكنولوجيا والديمغرافية وكذا الاقتصاد، والتي تتهدد بالدمار. في مستهل هذا القرن، ما تم تشييده لآلاف السنين. ينصرف ذهني للسلاح النووي، وكذا كل أدوات الفناء. ويذهب كذلك لاستنزاف الموارد الطبيعية وعودة الجوائح الكبرى".

وعادت الجوائح الكبرى التي أضحت تهدد العالم، وصدقت نبوءة أمين معلوف، وأصبحت البشرية أمام خطر الفناء.

لعشر سنوات، عرفت البشرية جوائح عدة، من إنفلونزا الطيور وحُمّى الخنازير وفيروس سارس وزيكا وإيبولا، ولكن هذه الجوائح لم تبلغ حجم ما بلغته جائحة فيروس كورونا المعرف بالمصطلح كوفيد-19.

كان الشعور العام قبلها هو أن الجوائح تقع بعيداً، وأنها عابرة وموسمية، وأن العلم قادر على التغلب عليها. تدخل البشرية مع كوفيد-19 جيلاً جديداً من الجوائح لعدو غير مرئي يتهدد كل شخص ويغيّر من نمط حياته ويفرض قواعد جديدة عليه، أمام عجز العلم إلى حد الآن في القضاء عليه.

وهل كان أحد يتصور أن يلزم الناس بيوتهم لا يبرحونها إلا لضرورة أو بإذن في كثير من البلدان، وأن تُفرغ الشوارع وتغلق المدارس وتُسكّر دور العبادة؟ هل كان أي أحد يتصور قبل أسابيع معدودة أن تغلق الحدود بين الدول وتلغى الرحلات وتعطل المباريات وتنفق السياحة… وإلى الآن مئات آلاف البشر عالقون، ممن فاجأتهم قرارات إغلاق الحدود أو إلغاء الرحلات الجوية، ومئات الآلاف مفصولون عن ذويهم، وطلبة ممن يدرسون في الخارج عادوا للتو من البلدان التي يدرسون بها.

أثر فيروس كورونا المستجد لا ينصرف إلى الجانب الصحي وحده، بل يؤثر على مناحي عدة في أوجه الحياة بداخل كل دولة، أو في علاقات الدول بعضها ببعض. نحن في مرحلة غير مسبوقة تؤشر على تحول في القواعد الناظمة للعالم.

كان مصدر الخطر منذ الحرب العالمية الثانية هو الخطر النووي، وتحول بعد سقوط حائط برلين إلى خطر الإرهاب، وفي حدود معينة إلى خطر أسلحة الدمار الشامل الكيماوية والبيولوجية، ولم يكن يخطر بالبال أن تتحول الجوائح إلى خطر عالمي يهدد البشرية في أمنها وسلامتها وطمأنينتها وكذا يقينياتها. نحن في مرحلة تقطع مع المراحل السابقة وما لازمها من أخطار وأولويات وقواعد وأسلوب عمل.

أولها طبعا نَعْي ما سمي بـ"العولمة السعيدة"، وبداية العد العكسي لها. كانت مؤشرات لهذا الانحسار مع عودة الحمائية، وخروج بريطانيا من المجموعة الأوربية، ولكن مرحلة كوفيد-19 منعطف لهذه الفكرة المثالية التي كان يروّج لها الرئيس الأمريكي السابق كلنتون، والتي مفادها أن التجارة الحرة تسهم في إرساء علاقات سلمية بين الأمم، وتزيح شرور التطاحن.

تبدى أن التطاحن لم ينتهِ وتغير شكله فقط، من خلال ما تقوم به الإدارة الأمريكية على سبيل المثال من إجراءات حمائية، وضرب قواعد منظمة التجارية العالمية عرض الحائط، وشنّ حرب تجارية مع الصين، وفرض إجراءات حمائية مع المتعاملين مع الولايات المتحدة، والتهديد بأخرى.

ارتبطت العولمة بالمصلحة فقط، أو مبدأ رابح رابح، وقامت على الشعور الثاوي في المنظومة الرأسمالية وهو الجشع والأنانية، التي يعتبرها منظرو الليبرالية الاقتصادية "فضيلة" نظام السوق.

لم تستند العولمة على أية قيمة من قيم التضامن والتعاون. ولعل مثال إيطاليا، في مواجهتها أزمة كوفيد-19، أبلغ تعبير عن أنانية أعضاء المجموعة الأوروبية، أو قرار الولايات المتحدة إغلاق المجال الجوي مع أوروبا بشكل انفرادي، من دون تنسيق ولا إخطار.

من نتائج كوفيد-19 عودة الدولة الوطنية. لم يعد ممكناً اختزال الدولة في دور الوسيط المُسهل. بدا جلياً أن لا مندوحة عن الدولة، فهي الموئل أثناء المخاطر، والضامنة للأمن والاستقرار، وكذلك الحامية والراعية. وهل كان يمكن معالجة الأزمة الناتجة عن كورونا فيروس بمنطق الربح، أو الرأسمال، أو الاستثمار وعودة الاستثمار؟

المؤسسات الدولية التي من شأنها أن تسهر على الحد الأدنى من التضامن عاجزة، مالياً، ومن دون أدوات قانونية وغير قانونية، وغارقة في مستنقعات بيروقراطية عقيمة، هذا فضلاً عن تجاهل القوى الكبرى لها، وبخاصة الولايات المتحدة التي تهزأ بمنظومات الأمم المتحدة وما يتحلق حولها.

الأخطار الكونية ومنها الأخطار البيئية والتحولات المناخية، والأوبئة، حقيقة، ولكن خطورتها لم تترسخ في الأذهان أمام صمم بعض القوى العظمى، التي كانت تنظر إليها باستخفاف، كنظرة الولايات المتحدة إلى الأخطار البيئية، والاحتباس الحراري. بدا جلياً أن الكوفيد لم يوفّر صقعاً من العالم، ولم يسلم مكان فيه من الهلع.

هل سيَعتبر العالم ويخرج من دائرة الأنانيات لفائدة التضامن، ويكف عن الاستعلاء لفائدة التعاون، ويدَع العجرفة لفائدة الاحترام؟

هو ذا الامتحان الحقيقي، لأن البشرية لربما منذ هيروشيما وناكازاكي لم تعرف خطراً داهماً كهذا الذي عرفته مع كوفيد-19، ودفعت القوى العظمى حينها إلى ما سمي بتوازن الرعب.

لقد بدا جلياً، مما لم يستطع أي خطاب أن يرسخه في الأذهان، قبل كرونا فيروس، أن العالم بيت كبير إن هوى هوى على الجميع، وليس غرفاً مغلقة، وأن لا دولة محصنة، ولا جماعة لها وضع اعتباري.

فهل ستنتقل البشرية إلى قيم التضامن، بداخل كل دولة، وفي علاقة الدول بعضها ببعض؟ ألن يدفعها ما يجري إلى إعادة النظر في التعامل مع الطبيعة والموارد البشرية، وعقيدة الربح بأي ثمن، مما يتهدد التوزان، وينسف ما يسمى بالتنمية المستديمة.

ماذا يفيد أن يكسب الرأسمال إذا كان من الأخطار المحتملة الإجهاز على العلاقات الإنسانية، بما فيها الاقتصادية؟ ماذا تفيد العولمة حين تتحول الدول إلى مشاريع تدار باسم الربح والخسارة، وتشتغل كمجموعة استشارة لفائدة الشركات؟

لقد كان من نتائج "العولمة السعيدة"، التي لم تكن سعيدة إلا لفئة شفيفة، أن أضحى كل شيء سلعة، بما فيها الصحة، والتعليم، وغلبت لغة الأرقام خطاب القيم.

لقد بدا أن العالم كان يستحم بلاتُبَّان،وحينما انحسر الموج، تبين أنه كان عارياً. فيروس كورونا المستجد أسقط أوراق توت عدة، فهل ستتدثر البشرية مستقبلاً لتخفي العيوب التي كشفها الفيروس اللعين وتتهدده في أمنه بل في وجوده؟

المصدر: TRT عربي