حكومةُ الرّوبوت!

هذا واحدٌ من البشَر..
لم يَتَرَوّض، ولن يَتَرَوّض، على أيّ شأنٍ من شؤونِكم..
ولا يَعنِيهِ - من قريبٍ أو بعيد - أنّكم أنتُم مَعشرَ النّاسِ الآليٍين، قد تجاوزتُم حُدُودَكم..
حسِبناكُم مُجرّدَ آلات، فإذا بكُم تقُودُون الدراجاتِ والسياراتِ والطائراتِ والبواخرَ وغيرَها..
وتَعملُون في مُهمّاتٍ فضائية، قريبةٍ وبعيدةٍ المَدى..
وتُشاركُون، وبفعاليّة، في عَمليّاتٍ جراحية، وفي كلّ ما يُعالِجُ الإنسان، وإنقاذِه من أيةِ مَخاطر..
وتَقَمّصتُم شخصيةَ ابنِ آدم في البحر والبحرِ والجوّ..
وتطَوّرتُم أكثرَ حتى منَ الإنسانِ نفسِه..
وأصبحتُم مُنتِجِين في التكنولوجيا الحديثة، ومُساهِمين في الأجيالِ الرّقميّة الجدِيدة..
ويَنفتِحُ العالمُ أمامَكُم، بلا حُدود..
وتُقلّدونَنا في الصغيرة والكبيرة..
وتَحشُرون أنُوفَكُم في حياتنا، مع التّضييقِ الاقتصادي علينا..
وتتَسبّبُون في بِطالاتٍ بشريةٍ بلا حدُود..
ونحنُ نعِي، وفي خِضمّ المُنافساتِ الرّوبوتيّة اللامَحدُودة، أنّ مَنتُوجاتِكم أجودُ وأمتَنُ وأدَق، وأنها تعيشُ أكثرَ من منتُوجاتِنا البشرية..
وتَطمَحُون للحُصولِ على نفسِ "حُقوقِ الإنسان"، بما فيها حقوقُ الوَطنيّة والمُواطَنة..
وهذه دولةٌ من كوكبِنا البَشرِي منَحَت جِنسيّتَها لإحدَى زميلاتِكُم الرّوبوتية:
الرّوبوت "صُوفيا"، الشّبيهَة بالبشر، مَنَحَتها "السّعوديةُ" جِنسيّتَها، وأصبحت - بمُوجِبِ هذه الجنسية - مُواطِنةً سَعودية..
وهذا يفتحُ آفاقًا لم تَخطُر ببالِ أحد..
لقد أثبتَت "صُوفيا" قُدرتَها على قراءةِ تعابيرِ الوَجه، والتّعرّفِ على الأصوات، والإجابات الدقيقةِ على أسئلةٍ بشرية..
وفي "سمعيّاتٍ بصريّاتٍ"، من العالَمِ التّكنولوجي المُتطِوّر، روبوتاتٌ تُقدّم بَرامجَ ونشراتِ أخبار، وتحوّلت إلى نجومٍ إعلاميّة..
وماذا سيحدُثُ إذا اختلطَ الإنسانُ بالإنسانِ الآلِي؟
نحن لا نملكُ الجواب، ولكنّ ما نَعرفُ هو أن الإنسانَ الآلي سيكونُ أمهرَ من الإنسان، في كل المَشاريع، وكلّ قطاعاتِ الحياة..
والتتيجةُ واحدة: بطالةُ بني آدم..
وستكُونُون أنتُم - أيها الرّوبوت - أسيادَ العالَم..
ستَحكُمون العالَم..
وتحكمُون الطيورَ والأسماكَ والبَشر،  وما يطيرُ ويسبحُ ويمشي ويزحَف.. وكل الكائناتِ الحيّة.. صغيرةً وعملاقة..
وستَفرضُون قوانينَكُم..
وتَدخُلون بنا في قوانينِ التّساوِي التامّ بينَ الروبوت والبشر..
وأكثر من ذلك، وهذا احتمالٌ وارِد، قد تَفرضُون أن نكُون نحن في خدمتِكم، وأن نكُون لكم أتباعا..
وهذا ليس غريبا..
فأنتُم ستكُونون أقوى، وأذكَى، وأقدرَ على التّواصُلاتِ الكونية..
وهذا خطرٌ حقيقي على بني للبشر..
وقد تَستَهتِرون بأبسطِ حقوقِنا البشَرية..
أجَل! قد تُنشِئون لكم أحزابًا ونقابات، فيكُونَ لكم برلمان، وحكومة، وقضاء، ومؤسّسات أخرى تحمِي مَصالحَ الرّوبوت..
ونبقَى نحن لكم من التّوابع..
ولكن هذا وغيرَه ليسَ مُستَبعَدا، ما دُمتُم قادرين على ترويضِ أنواعٍ وأشكالٍ من الروبوتات على مُحاكاة البشر، صوتًا وصورةً وانفِعالاً وتفاعُلاً، وخفّةً لليَد، والعقل، والنّباهة، والعملِ السريع...
وعندها، مَن بينَنا يُجاريكُم؟
ولن يَصعُبَ عليكم أن تَستَقطِبوا مِن أوساطِنا أرذَلَ القَوم، فتقُومُوا بترويضِهم على تنفيذ أقبحِ الخدَمات، وأسوءِ السّلوكات، أضِفْ إليها النّميمةَ والخديعةَ ومساوئ اللاأخلاق..
مُمكنٌ جدا أن تروّضُوا أرذلَ البشر، على أقبحِ السلوكات..
وعندئذ، كيفَ يكُون العالم؟
إنّنا لا نَقبلُ عالَمًا في قبضة الرّوبوت..
ولا رُوبوتًا يَقُوم بترويضِ البشر..
وأَكرَهُ ما نَكرَه: الترويضُ السّياسي والنّقابي.. النقاباتُ والأحزابُ قد عَقّدَتنا في حياتِنا..
لقد تَعَلّمَت فينا كيف تُحوّلُنا إلى كائناتٍ أليفة، وكأنّنا لسنا بَشرًا، بل من كائناتٍ أخرى، غيرِ الإنسان..
كيف تكُونُ حياتُنا مع روبوتاتٍ كلّها عجرَفَةٌ وشَراسة؟
ثم هل يُرضِينا أن نستيقظَ غدا، و"شيخُ الروبوت" يُقدّمُ لنا أحدَ أتباعِه قائلاً، وبتَبَجُّح: "هذا زعيمُ الحركةِ الرّوبوتيّة"! أما هذا، فيُتوَقّع أن يكُونَ رئيسًا "لحكومةِ الرّوبوت"! لقد روّضناهُما احسنَ تَرويض، وهُما مُؤهَّلان للدّخول في "سوقِ العمل"!

[email protected]

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .