حينما يتباكى الإعلام المصري على "العدل المغشوش" و"ضريح الكاف" المتعفن منذ عقود

يكثر اللغو من بعض المصريين، كلما كانت رغبتهم مُلحة في تحقيق "غاية"، وإن كانت "خارج" سياق القانون والمنطق.

في السياسة كما في الثقافة وجدل التاريخ.. الرياضة في مصر لها نصيب من لغو كبير يُحاول به الإعلاميون في "المحروسة" تحوير الحقيقة ليغمرها الغبار كي تبدو رؤيتها غير واضحة.

مناسبة هذا الحديث، هو ما أصبح خُبز وطَعام وفَاكهة "جيش الإعلاميين" في مصر ، وبشكل يومي، وعلى مدار الساعة، حول اختيار "الكاف" لملعب "محمد الخامس" بالدار البيضاء المغربية، لإجراء نهائي عصبة أبطال إفريقيا.

وبما أن النقاش في إفريقيا، فلا بد أن يخرج عن سياق أي منطق، ويدخل لجدلية العاطفة والتجييش والتهديد مرة بالإنسحاب ومرة برفع الأمور لمحاكم العالم كي تقول فيه حقٌ سبق وأن صِيغ بقوة القانون من قبل الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم.

قصة اختيار النهائي في ملعب "محمد الخامس" بسيطة، وبسيطة جدا يمكن اختزلها في أسطر قليلة لا أكثر.

الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم تراسل جميع الاتحادات المنضوية إليها لتعلمها ببرنامج جميع مسابقاتها القارية ومن يرغب في استضافة إحداها. دول أربع تقدمت بطلب استضافة نهائي دوري عصبة أبطال إفريقيا، وهي نيجيريا، وجنوب إفريقيا، والسنغال، والمغرب.

بَعد دراسة الملفات الأربعة للاتحادات المرشحة لتنظيم نهائي دوري عصبة أبطال إفريقيا، والتي من بين شروط قبولها، كانت الموافقة الحكومية للدول المترشحة لهذا التنظيم.

رفضت "الكاف" ملفين لعدم استيفائهما الشروط المطلوبة، والأمر هنا يتعلق بالملف النيجيري، والملف الجنوب إفريقي، ليظل في السباق الملف السنغالي، والملف المغربي.

بعد خضوع الملفين لعملية التصويت، فاز الملف المغربي بأغلبية الأصوات، ليستقر الاختيار من طرف المكتب التنفيذي للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم على الملف المغربي ليكون ملعب "محمد الخامس" هو من سيحتضن المباراة النهائية لعصبة أبطال إفريقيا.

العملية، بكل بساطة دارت، بشكل قانوني، وديمقراطي، لكن المصريين لا يجادلون في هذه النقطة، لأنهم يدركون أنها نقطة ضعف لا يمكن الجدال فيها، بل يتحدثون عن "غياب العدل"، حيث لا يمكن لعب النهائي في معقل فريق خصم في هذا النهائي.

بمعنى آخر، المصريين يرغبون في جر النقاش لجزئيات افتراضية خارج سياق القواعد القانونية التي تحكم المنظمات مثل الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم. وهكذا، عُوِّمَ النقاش بالحديث عن "العدل" وفق منظور جزء من الإعلام المصري، عوض الحديث عن القانون.

وإن كان "العدل" كمفهوم، وليس كقواعد يمكن اللجوء إليه كلما كانت الحاجة، وتركه حينما تنتفي هذه الحاجة، والاحتكام إليه يكون القاعدة الأساسية للحسم في البطولات، لكان من المفترض أن يكون الأهلي المصري خارج المسابقة لأنه تأهل على حساب الرجاء البيضاوي، بضربة جزاء "خيالية" لعب فيها مخرج مباراة الذهاب في القاهرة، دور الموزع لـ"العدل المغشوش"، بعد أن "خادع" بزاوية إخراج مضللة حكم المباراة، وحرمه من حق الانصاف في اتخاذ القرار، لتكون النتيجة هزيمة الرجاء أمام الأهلي بضربة جزاء غير صحيحة.

وهكذا، فاز الفريق المصري بقواعد القانون التي يتم الاحتكام إليها، وليس بقواعد "العدل" الذي ضاع وتاه، وكان عند الاحتكام إليه أن يمنح الرجاء التعادل في مباراة الذهاب كان كفيلا بأن يجعل مباراة الإياب تدخل في منعرف المنافسة الشريفة التي لم تكن حاضرة.

ولو كان العدل هو ما يتم الاحتكام إليه، لكان فريق الزمالك المصري ليخرج من دور ربع نهائي كأس "الكاف" سنة 2019 أمام حسنية أغادير الذي سجل هدفا مشروعا في الدقيقة 83 من المباراة التي أجريت بالقاهرة، غير أن مخرجة المباراة التابعة للتلفزيون المصري رفضت إعادة اللقطة التي تُبيّن أن الكرة دخلت الشباك وتجاوزت خط المرمى، ليتأهل الزمالك ويخرج حسنية أكادير من دور الربع.

من سيئات ما آل إليه الإعلام المصري، أنه فقد كل قواعد المهنية والرزانة التي كان يفترض أن تكون فيه، حتى باتت برامج "التوك شو" الشعبوية جدا، هي من تلعب على مشاعر الشارع وتؤطر ثقافته ووعيه الجماعي.

وهكذا، أصبح الشارع المصري يَغلي بسبب تدوينة لمحمد أبو تريكة يدعو فريها فريقه السابق الأهلي المصري للانسحاب من النهائي لأنه "يتعرض للظلم"، وباتت اللعب في ملعب "محمد الخامس" قضية أمن قومي عند المصريين، ورُفِع النقاش إلى الحديث عن فساد الكاف وانتقل للحديث عن الحكم الذي قد يقود المباراة، وإن كان سَيُحابِي الفريق المغربي بحكم "نفوذ المملكة الباهر" داخل أروقة الكونفدرالية الإفريقية.

ووسط ضجيج الإعلامين، ينسى المصريون أن منتخب بلادهم هو من تأهل إلى كأس العالم بإيطاليا، لثاني مرة في تاريخه، بتدخل الحكم. وفاز الأهلي المصري، والزمالك، والمقاولون العرب، وغاز المحلة.. في المسابقات القارية بمساعدة الحكام الأفارقة المرتشون، ممن كانوا يخيرون المصريين بين الحصول على ضربة جزاء في الربع الساعة الأولى من المباراة أو بعد نصف ساعة من انطلاقتها.

كما يتم منح الانتصارات تلوى الأخرى للفرق المصرية، من طرف الحكام الأفارقة، مقابل عمولات بالدولار أو سفريات استجمام و"شوبينغ" في بورسعيد. وهذا الكلام ليس لنا، بل هو تصريح صادم من عميد المنتخب المصري، وفريق الزمالك المصري، فاروق جعفر الذي أقر في برنامج بُثَ على المباشر، بأن المنتخبات والفرق المصرية كانت ترشي الحكام الأفارقة من أجل الحصول على النتائج والبطولة.

هي أمور سارت هكذا، وذاكرة المصريين قصيرة، ويمكنهم من خلال "الضجيج الإعلامي" أن يُحوروا النقاش وجعله قصية "حياة أو موت"، كما يمكنهم لتهديد بالانسحاب من بطولة يريدونها لهم أو يطلقوا الطوفان على كل من يعارضهم!

غير أن الحقيقة التي لن ترتفع، هي أن هذا نقاش مليء بالغبار، وسيهدأ مهما طال استهلاكه، وستقلع طائرة الأهلي من مطار القاهرة إلى مطار محمد الخامس للعب نهائي عصبة أبطال إفريقيا، أمام الوداد البيضاوي يوم 30 ماي الجاري. هذا هو المصير الذي لن تغيره أي فوضى تحاول برامج "التوك شو" المصرية تغييره. غير ذلك، يمكن للأهلي أن ينسحب، ويمكن للوداد أن ترفع الكأس، ويمكن للإعلام المصري أن يتباكى على "ضريح الكاف" المتعفن منذ عقود.

الثلاثاء 21:00
غيوم متفرقة
C
°
21.13
الأربعاء
21.5
mostlycloudy
الخميس
20.96
mostlycloudy
الجمعة
22.01
mostlycloudy
السبت
22.38
mostlycloudy
الأحد
22.37
mostlycloudy