"سَامير".. قصّة مُكررة من علي بابا والأربعون حرامي!

يقترب سعر الغازوال في محطات الوقود في المغرب من الوصول إلى 12 درهما للتر الواحد، وهو الأعلى سعرا منذ قرار رئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران تحرير سعر المحروقات وترك جيوب المغاربة تحت رحمة لوبيات التوزيع التي قال الحسين اليماني، رئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول إنّ أرباحهم بلغت ما بين سنة 2016 إلى نهاية 2020 حوالي 4 ملايير دولار أي ما يقارب 38.5 مليار درهما، تحصلوا عليها فقط من توزيع "الغازوال" والبنزين.

لنتخيّل هذا الرقم المفزع من الأرباح التي تحققها شركات المحروقات، ولنَتَصَوّر قدرة هذا اللوبي، الذي "يطحن" في جيوب المغاربة بدون رحمة، ولنتأمل قليلا في كرونولوجيا الأحداث التي اتخذها من كانوا مؤتمنين على تدبير شؤون البلاد والمصير الاجتماعي للعباد على مدار عقود.

لنبدأ الحكاية من البداية

شهر أكتوبر من سنة 1995، توجه الملك الراحل الحسن الثاني بخطاب "إلى شعبه العزيز" يخبره فيه بأن البلاد مهدد بالسكتة القلبية، بسبب التدهور الاقتصادي وثقل المديونية والفساد التي نخر مؤسسات الدولة في تدبير شؤونها.

بعدها بأشهر، قرر الملك الراحل، وفق توصيات البنك الدولي، إدخال البلاد في عملية واسعة لخصخصة أهم مؤسسات الدولة، ومن أهمها "الشركة الشريفة للبترول" التي كان لها مصنعين للتكرير في كل من المحمدية وسيدي قاسم، وتعتبر من المؤسسات الاستراتيجية للأمن الطاقي والاجتماعي في البلاد، حيث كانت تشغل آلاف الموظفين من ذوي الكفاءة العالية بفعل تراكم سنوات الاشتغال في المجال البترولي، وكذا استفادة المغرب، حينها من امتيازات كبيرة وبأسعار تفضيلية لتوريد البترول الخام من دول خليجية "صديقة"، قبل تكريره في مصفاة المحمدية وسيدي قاسم، وهو ما كان يمنح للدولة المغربية القدرة عن امتصاص أي صدمة بترولية في الأسواق الدولية.

فما الذي حدث ؟

قرر الحسن الثاني، بعد إعلانه أن المغرب مقبل على "السكتة القلبية" اقتصاديا، خصخصة "الشركة الشريفة للبترول" لأن خزائن الدولة كانت فارغة ويحتاج ملئها عن طريق بيع المؤسسات الكبرى للبلاد. وهكذا، دخلت الشركة مرحلة التفويت التدريجي حتى تمت خصخصتها بشكل كامل سنة 1997، حيث أصبحت شركة "كورال بيتروليوم" السويدية التابعة لمجموعة محمد حسين العمودي، السعودي الجنسية من أصول إثيوبية، تملك أغلب أصولها.

وهكذا، باعت الدولة أصولها في شركة "سامير" و"الشركة الشريفة للبترول" بثمن التراب، حيث دفع الملياردير السعودي ما يقارب 420 مليون دولار للحصول على 67 في المائة من أحد أكبر مصافي البترول في إفريقيا، في حين أن السعر الذي كان رائجا في السوق، قياسا بقيمة مصفاة المحمدية وسيدي قاسم والأصول الملحقة بهما قُدرت بما يزيد عن المليار دولار أمريكي!

عملية التفويت هذه تكفل بها، في حينه، وزير الخوصصة، عبد الرحمن السعيد، الذي خاض المفاوضات مع الملياردير السعودي، محمد حسين العمودي، قبل أن ترسو الصفقة على ما قيمته 420 مليون دولار أمريكي، وهو ما اعتُبر ثمنا بخسا لمصفاتين (المحمدية وسيدي قاسم) يمكنهما تكرير 200 ألف برميل من البترول يوميا.

صفقة تفويت أصول أكبر مصفاتين في المغرب ومن بين الأكبر في إفريقيا بما قيمته 420 مليون دولار ظل لغزا محيرا للخبراء الاقتصاديين حينها، قبل أن تنكشف تفاصيل هذا اللغز "المحيّر" سنة 2001 حينما خرج الوزير عبد الرحمن السعيد من وزارته، وهو الذي قاد مفاوضات تفويت "جوهرة المغرب" للسعوديين برخص التراب، ليتم تعيينه مباشرة مديرا عاما لشركة "سامير" التي أصبحت سعودية برأسمالها، وسط ذهول الأغبياء وقهقهة الأذكياء!

بعدها بسنة واحدة، شبّ حريق غامض في مصفاة الشركة بالمحمدية، ما أوقف الانتاج لأشهر جعل الدولة تفتح الباب أمام الشركات لاستيراد البترول المُكرر من الخارج، وهو ما كان مقدمة لأن تدخل "سامير" في دوامة مشاكل مالية، جعلتها توقف الانتاج، وتغلق مصفاتها في سيدي قاسم سنة 2008.

بعدها بسبع سنوات، أي سنة 2015، وصلت ديون شركة "سامير" إلى ما يزيد عن 3.4 مليار دولار، ما جعل بورصة الدار البيضاء تُعلق تداول أسهمها، لتدخل بعدها إلى المسطرة القضائية بالمحكمة التجارية في الدار البيضاء، التي قررت تصفيتها لوجود صعوبة مالية وتراكم ديون مستحقة للدولة والأبناك يصعب معها استمرار الشركة.

وهكذا، توقف شريان الدولة في تكرير النفط، حيث كانت "سامير" تغطي 90 في المائة من حاجيات المملكة الداخلية من مشتقات النفط الخام، لتبدأ قصة أخرى عنوانها خروج الملياردير السعودي من المجال النفطي في المغرب والذي امتص بشراهة أموال البنوك المغربية، ومؤسسات الدولة إلى الحد الذي وصلت ديونه إلى أربعة ملايير دولار لصالح الجمارك والبنوك المغربية، ليدخل بعدها لوبيات أكثر شراهة للسوق، وهم الشركات الخاصة التي رقصت ليل نهار فرحا عند الإعلان عن تصفية "سامير" وفسح المجال لهذه الشركات "الغول" لتطلق الرصاصة تلوى الأخرى على القدرة الشرائية للمغاربة، وتلعب بمصير بلد بكامله.

وعليه، دخل عزيز أخنوش بشركته "إفريقيا غاز"، ودخلت معه العديد من الشركات التي "اغتصبت بدون رحمة" أموال المغاربة، وتحصلت بشراهة غريبة على مليار دولار سنويا كأرباح، فقط، من توزيع "الغازوال" والبنزين، وهو أثار الكثير من الجدل دفع الملك محمد السادس لتشكيل لجنة تحقيق مستقلة في احتمال "تواطؤ" شركات المحروقات، وتحيز رئيس مجلس المنافسة، للبعض منها أثناء رفعه لتقارير تبين أنّ "فيها مغالطات".

اللجنة التي شكلها الملك، خلصت إلى أن مسار معالجة التقارير المتعلقة بالفاعلين في مجال المحروقات بالمغرب التي جرى إعدادها "شابتها العديد من المخالفات المسطرية، ووقفت على تدهور ملحوظ في مناخ المداولات بالمجلس". وهي الخلاصة التي أطاحت برئيس مجلس المنافسة، إدريس الكراوي، وتعيين أحمد رحو خلفا له.

غير أن" هذا الأخير لم يختلف عن سابقه، حيث مازال يشاهد كما غيره من المغاربة كيف تصعد أسعار النفط في البورصات الدولية، فيرتفع سعر لتر الغازوال والبنزين في المغرب، وحينما تنخفض الأسعار دوليا، يبقى السعر في محطات التوزيع مرتفعا في معادلة لا يفقه فيها غير "أذكياء" هذا البلد!

قصّة التلاعب بـ"سامير" وبملف المحروقات لم تتم في الخفاء من لوبيات الشركات التوزيع الكبرى، بل تمت أيضا في العلن وبتواطئ سياسي فاضح، حيث سبق لفريق حزب الاستقلال بمجلس المستشارين حينما كان في المعارضة، أن تقدم بمقترح قانون يقضي بتفويت أصول "لاسامير" لحساب الدولة، وذلك من أجل تأميم الشركة وإعادة تشغيلها لتحصين وحماية الأمن الطاقي للبلاد، قبل أن رفض مقترحه.

غير أن "النفاق السياسي" عمره قصير. فنفس الحزب الذي تقدّم بمقترح لإعادة تشغيل المصفاة، هو نفسه عاد ليرفض مقترح "الكونفدرالية الديمقراطية للشغل" بتفويت "سامير" وتسقيف الأسعار، حينما أصبح ضمن الأغلبية الحكومية الحالية.

حزب "العدالة والتنمية" هو الآخر، تلاعب كما شاء بالعقول الصغيرة في هذا الملف، حيث وزع التصريحات وتحدث عن 1700 مليار ربحتها شركات توزيع المحروقات في المغرب، غير أنّ الحزب نفسه، حينما كان يرأس الحكومة، رفض انقاذ "سامير" أو إعادة تشغيلها.

حزب "الأصالة والمعاصرة" في شخص أمينه العام، قال في بث مباشر إنّ على عزيز أخنوش أن يعيد 17 مليار درهم للدولة، واعتبر ذلك بمثابة "فضيحة" تخص أموالا أخذت من جيوب المغاربة من شركات توزيع المحروقات بدون وجه حق، قبل أن يضع عبد اللطيف وهبي يديه على خصر أخنوش ويضمه في صورة تشكيل الأغلبية الحكومية، وينزوي لحال سبيله في صمت أبدي!

اليوم، البرلمان المغربي الذي من المفترض أن يمثل المغاربة يرفض مقترح تسقيف الأسعار، ويترك للوبي المحروقات حرية مصّ دماء المغاربة بالطرق التي تناسبهم، والحكومة التي يترأسها أكبر فاعل في سوق المحروقات في المغرب ترفض هي الأخرى أي حديث عن هذا التسقيف، في حين أن أحزاب الأغلبية من استقلال و"بَام" "وأحرار" مازالوا ينتشون بمقاعدهم الوزارية، ويتحدثون عن المؤامرات التي تحاك ضد الأغلبية الحكومية في "تويتر"!

إنها فعلا صورة مصغرة بشكل فوضوي للقصة الأسطورية: "علي بابا والأربعون حرامي"!

الثلاثاء 21:00
غيوم متفرقة
C
°
21.13
الأربعاء
21.5
mostlycloudy
الخميس
20.96
mostlycloudy
الجمعة
22.01
mostlycloudy
السبت
22.38
mostlycloudy
الأحد
22.37
mostlycloudy