سَمسارٌ في عَباءةِ عالِم! – الصحيفة

سَمسارٌ في عَباءةِ عالِم!

هذا حالُنا..

حتى في مسؤولياتٍ أكاديميةٍ مُتخصّصة..

إنّ في مُنعَرَجاتِ بعضِ مُؤسّساتِنا المختصّة، يَتغَوّلُ "الجهلُ الأكبر".. جهلٌ هو أكبرُ من الجهل..

يُغرِق المعرفةَ في مُستنقعُ اللاتَجديد!

وهذا واقعُ جُلّ مؤسّساتِنا التعليمية، من التحضيري إلى العالي..

وأيضًا في مُؤسّساتِنا " المختصّة"..

هي الأخرى لا تَتَطوّر ولا تًتجدّد..

ولا تكوينَ فيها ولا تكوينٌ مُستمرّ..

وترى بعضَ الأطُر يَجترّون مَعلُوماتٍ قديمة، ودروسًا قد تعلّموها، ثم نسَوها.. ولم يتبَقّ منها إلا أجزاءُ صغيرةٌ مُفَتّتة، لا تُفيدُ كثيرا..

وهذا أيضا حالُ وزارةِ "البحثِ العلمي"..

يسُودُها الافتقادُ التّامّ إلى مُقوّماتِ البحث، كما هو مُتعارَفٌ عليه في كُبرياتِ الجامعات..

وهذا ما يُبرّرُ تَخلُّفَ بحثِنا العلمي عن التّصنيفاتِ العالمية..

لقد اكتسَحَ "مُستَنقعُ التّجهيل" كثيرًا من مَصالحِنا المختصّة، بإداراتِنا العُمومية، فأصبحَ "المُهندِسُ الفُلاني" لا يُساهِمُ في تطويرِ اختصاصِه، بإدارته، بل قد تَحوّلَ مع الشهورِ والأعوامِ إلى مُوظّفٍ شِبهَ عادٍ في مُعالجةٍ رُكامٍ من الملفّات الإداريةِ الرّوتينية!

وبدلَ المشاركة في تكوينٍ وتكوينٍ مُستَمِرّ، وفي ندواتٍ ووَرشاتٍ عِلمية حول مُستَجدّاتِ اختصاصة، يُغرقُه رؤساؤُه الإداريون في أعمالٍ يُمكنُ أن تُوكَلَ لمُوظفين عاديّين..

وعندما تسألُ عنه، يُقالُ لك إنه في اجتماع..

وهذه حالُ جُلّ إداراتِنا..

اجتماعاتٌ تلوَ اجتماعات..

مع كُؤوسِ الشاي والحَلويّات..

والتّنكيتِ والنّميمة!

وفي هذا الانشغالِ الهامِشي، يَضيعُ وقتُ الإداريّ المُختصّ، ويتحوّلُ وُجودُه إلى وبالٍ على الإدارة..

وفي مكتبِه هواتفُ: هذا هاتفُ مرتبطٌ برئيسِه المباشر في الرباط، وهذا هاتفُ خاصّ بوالي الجهة…

هواتفُ يتكلّم فيها.. وهي أيضا "تَبلعُ" ما تبَقّى من وقته..

وقد يَستقبلُك في مَكتبِه، وبدلَ حلّ مشكلتك، تُفاجَأ باتصالاتٍ هاتفيةٍ مُتلاحِقة: "نعم، يا سيدي…"، "نعم، سيادة الوالي، حاضر!"…

وبحُضورك، تفهمُ أنّ في أُذُنِه مُكالمةً ساخنة: "متى نلتقي؟ الساعة؟ هههه.. اتّفَقنا!"..

الوقتُ الذي كان من المفروض أن يحّلّ فيه مُشكلتَك ومشاكلَ غيرِك، ذهبَ أكثرُه في إجاباتٍ هاتفية..

وفي هذه اللحظة، يدخًلُ "الشّاوش"، وهو المكلفُ بمُراقبة بابِ المكتب: "نعم أسيدي.. لقد وصَل.. هو طالع في المِصعَد!"..

ويقفُ المسؤولُ المُختصّ: "مَوعدُنا هنا يوم غد.. عُد غدًا في مثلِ هذا الوقت! هأنتَ ترى جسامةَ العمل…"..
ثم يَخرجُ من المكتب، ويتكفّل "الشاوش" بمُرافقتِك إلى خارجِ الباب..

والوقتُ يَضيع!

وفي هذه الزوبعةِ من الوقتِ الضّائع،

يمُوت التّجديدُ المعرِفي، وتتَراجعُ الكفاءةُ العِلمية، ويُصبحُ هذا المسؤولُ المختصّ مُجرّدَ اسمٍ تأثيثِي..

وفي غيابِ التأهيلٍ المستمرّ، قد يكونُ مُؤهّلاً لأن يَرتقي إلى درجةِ "سمسارٍ مُحنّك"..

وأين التّجديدُ المَعرِفي لهذا الموظف "المختصّ"؟

وعندما يعُودُ إلى منزله في ساعةٍ مُتأخّرة، وعلى العموم يجدُ أطفالَه قد نامُوا، تسألُه زوجتُه عن السّبَبِ في تأخّرِه: "ياك لاباس!؟"..

ويُجيبُها: "هذه ضريبةُ المسؤولية! كنتُ في اجتماعٍ مُطوّل.. في النهار عَمل، وفي الليل اجتماع"…

ويرفعُ عينيْه إلى دبلومِه الأكاديمي التّخصّصي، المعَلّقِ بجُدرَان البيت، ويُخاطِبُه بقلبه: "يا لَلحَسرَة! انتهَى المُتخصّص، ولم يبقَ منه إلا هذا الورقُ المُسمّى: شهادة عُليا…"..

ثم يتَأَوّهُ ويَستسلمُ لنومٍ عميق..

وفي الصباح، وكالعادة يصلُ متأخّرا إلى عملِه، ويجدُ طابورًا من المُنتظِرين..

وأولُ الدّاخلين إلى مَكتبِه: السكرتيرة.. ثمّ الشّاوش..

ويبدأ يومٌ جديد.. بنفس الوتيرة..

وعلى العموم، يَستقبلُ الناس، ويُعطِيهم وُعودًا..

ولا نتيجة.. ولا إنتاج.. ولا تطوّرٌٍ في معلوماتِه التّخصّصية..

تَطوُّرٌ واحدٌ هو فيه يَتطَور، وهو: أسماءُ علاقاتِه الشّخصية..

وفي أحلامِه طمُوحٌ واحد، هو أن يتسلّقَ سلاليمَ الإدارة..

وهذا يَستوجبُ تعميقَ علاقاتِه الرّباطية، وخاصّةً مع فُلانةٍ وفُلان..

ويَمُدّ يدَه إلى واحدٍ من هواتفِ مَكتبِه..

وفي السّمّاعةِ صوتٌ ناعِم..

وبعد تحيّة "صباحِ النّور"، وأداءِ فُروضِ التقديرِ والاعتزاز، يسألُ المسؤولُ عن الجديد، فيُخبرُه "الصوتُ النّاعمُ" أنّ فُلانًا سيَمثُلُ أمامَ "لجنةِ الحسابات": "ولكن، لا قَلَق.. فأنتَ أَعلمُ أنّ يدَه طويلة!..

ولم يَطمَئنّ المسؤولُ الإداري المُتخَصّص..

وخلالَ نفس اليوم، يَسألُ عنه مسؤولٌ أكبر..

وتَقولُ أخبارُ الكواليس: "إلى المسؤولِ المتخصّصِ تَتّجهُ الأنظار.. سيَمثُلُ هو الآخر أمام التّحقيق.. لقد ذُكِرَ اسمُه في الرباط.. من أينَ له بكُلّ ما يَملك؟!"..

ومع ذلك، في إدارتِه من يشُكُّون: "يستحيلُ أن يَقبِضُوا عليه.. فهو شخصيةٌ نافِذة.. له علاقات عالية!

وبين الشكّ واليقين، يَنتهِي العالِم، ويَنبَعِثُ السّمسار!

ifzahmed66@gmail.com

تعليقات الزوار ( 0 )

التعليقات تعبر عن اراء ومواقف اصحابها

اترك تعليقاً

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .