“شاهد فيديو فتاة تحترق”.. حين يقتل الإعلام ضحايا الفواجع عدة مرات! – الصحيفة

"شاهد فيديو فتاة تحترق".. حين يقتل الإعلام ضحايا الفواجع عدة مرات!

طفلة تتشبث بشباك نافذة في الطابق الثاني من المنزل الذي تقطن فيه، تحاول عبثا الفرار من بين فتحاته الضيقة وترجو الغوث، لكن لا أحد استطاع فعل أي شيء باستثناء صراخ النساء الموجودات في الشارع. وفي غضون ثوان كانت النيران تلتهم جسدها على مرأى من الناس المتجمهرين ووسط عجز عناصر الوقاية المدنية.

هذه هي التفاصيل المأساوية لنهاية الطفلة هبة ذات الخمس سنوات، التي توفيت أمس الأحد حرقا داخل منزل أسرتها بمدينة سيدي علال البحراوي التابعة لإقليم الخميسات، وهي ذاتها المشاهد التي وجد الكثيرون أن من "المفيد" توثيقها بواسطة كاميرات هواتفهم، ورأى آخرون أن من "الممتع" نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كونها ستحصد عددا قياسيا من الإعجابات والتفاعلات والمشاطرات، لكن "الصادم" كان هو قيام صحف إلكترونية محكومة بقانون الصحافة والنشر وبمواثيق أخلاقية، بنشر الفيديو كاملا أو مقاطع قاسية منه.

شاهد.. فتاة تحترق!

عمدت عدة صحف إلكترونية إلى نشر فيديو احتراق الطفلة هبة أو صور مأخوذة من الفيديو تظهر النيران وهي تلتهم جثتها، وتم ذلك بشكل مباشر عن طريق مواد صحفية منشورة في الموقع نفسه أو بشكل غير مباشر عبر الحسابات الرسمية لبعض المؤسسات الصحفية في مواقع التواصل الاجتماعي.

هذه الخطوة، وإن ضمنت لتلك الصحف الإلكترونية نسب متابعة عالية، إلا أنها طرحت علامات استفهام عديدة حول مدى احترامها للضوابط القانونية والأخلاقية المنظمة لمهنة الصحافة، ليس فقط لأن الأمر يتعلق بحادث مأساوي، ولكن أيضا لأن الضحية طفلة.

وتطرق القانون 88.13، المتعلق بالصحافة والنشر، في المادة 73، لحماية القاصرين في وسائل الإعلام، فيما تحدثت المادة 37 على كون "الاعتداء على الحرمة الجسدية للإنسان" تعطي لرئيس المحكمة الابتدائية المختصة الحق في إصدار أمر استعجالي مبني على ملتمس من النيابة العامة بسحب المادة الصحفية وتعطيل الولوج إليها.

أما ميثاق الهيئة الوطنية المستقلة لأخلاقيات الصحافة وحرية التعبير، فقد كان أكثر وضوحا في هذا الصدد، إذ جاء في البند العاشر منه والمتعلق بـ"حماية الضحايا"، أن التقارير الإخبارية والصور والمشاهد التلفزية حول أحداث مأساوية مثل الحروب والجرائم والكوارث الطبيعية، يجب أن تحترم الكرامة الإنسانية وتراعي مشاعر الضحايا وعائلاتهم وأقربائهم، داعيا الصحافي إلى الامتناع عن سرد الأحداث بكيفية تحط بالشخصية الإنسانية.

ليست المرة الأولى

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تعمد فيها بعض وسائل الإعلام إلى نشر صور وفيديوهات المتعلقة بجرائم أو مآسي إنسانية، ففي شهر يوليوز الماضي نشرت مجموعة من المواقع مقاطع لاغتصاب وتعذيب الشاب "حنان" بمدينة الرباط من طرف أحد المنحرفين، ما دفع المديرية العامة للأمن الوطني لنشر توضيح تؤكد فيه أن الوقائع قديمة وأن المعتدي موجود رهن الاعتقال، قبل أن يتم توقيف ثلاثة أشخاص للاشتباه في "ارتكابهم أفعالا إجرامية تتعلق بعدم التبليغ عن جناية وعدم تقديم المساعدة لشخص في حالة خطر"، بمن فيهم الشخص الذي صور الفيديو.

وفي أواخر يونيو الماضي، عاشت مدينة سيدي إفني على وقع فاجعة غرق 42 شخصا جراء انقلاب زورق للهجرة غير النظامية، وكان من بين الضحايا 6 أفراد من عائلة واحدة، حينها اختارت بعض الصحف الإلكترونية إرفاق موادها الصحفية بصور مجموعة من الضحايا وهم أموات، دون تحفظ، بمن فيهم صور سيدتين وطفل رضيع.

وصارت مجموعة من المواقع الإخبارية تعتمد على طرق "غير مباشرة" لنشر فيديوهات المآسي الإنسانية، تفاديا للمتابعة القانونية، حيث تقوم بذلك عن طريق حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة الفيسبوك، وهو ما لجأت به بعض الصحف الرقمية لنشر فيديو اغتصاب فتاة داخل حافلة بمدينة الدار البيضاء، في غشت من سنة 2017.

جانب إيجابي 

يحمل نشر المواد الصحفية المتضمنة بمشاهد الجرائم والمآسي الإنسانية ألما مضاعفا للضحايا ولأفراد عائلاتهم، وهو ما كشفت عنه مثلا والدة الشابة "حنان" التي قالت إنها لم تشاهد فيديو التعذيب الوحشي لابنتها، مناشدة من يتوفر عليه عدم نشره.

لكن في بعض الحالات، وبعيدا عن رفع نسب المتابعة، تؤدي تلك الفيديوهات أدوارا إيجابية، ففي فاجعة احتراق الطفلة هبة بسيدي علال البحراوي، فضحت بعض المشاهد ضعف تدخل عناصر الوقاية المدنية، الذين استخدموا خرطوم مياه بسيط بتدفق ضعيف لم يفلح في انقاذ جسد الضحية من ألسنة النيران.

وقبل أسابيع، نجح فيديو يوثق لحظة "إعدام" شرطي بمدينة الدار البيضاء لرجل وامرأة بواسطة مسدسه، في قلب مسار الأحداث رأسا على عقب، فبعدما وصفت المديرية العامة للأمن الوطني أن ما جرى كان دفاعا عن النفس، أقرت، بعد انتشار الفيديو وعرض مقاطع منه رفقة المقالات التي نشرتها بعض وسائل الإعلام، بتورط رجل الأمن في ارتكاب "تجاوزات مهنية وقانونية خطيرة خلال استعماله لسلاحه الوظيفي"، قبل أن تلقي عليه القبض.

"هنا البي بي سي"

يوم 27 فبراير 2019، شهدت محطة "رمسيس" بالعاصمة المصرية القاهرة، فاجعة كبرى حين أدى انحراف قطار إلى وقوع انفجار تسبب في وفاة 21 شخصا في إصابة العشرات، ساعتها استطاعت عدة قنوات تلفزيونية وصحف إلكترونية الحصول على فيديوهات كاميرات المراقبة، التي أظهرت بوضوح شديد الضحايا وهم يحترقون، واختارت الكثير منها نشر تلك المقاطع، لكن هذا لم يكن رأي هيأة الإذاعة البريطانية BBC".

ونقلت تدوينة للصحافية المصرية، صفاء فيصل، التي تعمل بالهيأة، وقائع النقاش المهني وأخلاقي الذي دار حول الموضوع، بين غرفة الأخبار في مكتب الـ BBC في القاهرة والصحافيين في المكتب الرئيسي في لندن حول عدد من مقاطع الفيديو التي تكمن فريق القناة الذي يتابع الحادثة من الحصول عليها حصريا.

وأوردت فيصل "كان رأي الكثيرين، وأنا منهم، أن نظهر لقطة وقت وقوع الحادث والتي لم يظهر فيها وجه أو جزء من جسد أي ضحية، فالمهمة الموكلة إلينا في رأيي هي نقل الحقائق دون مواربة، ويمكن أن نقوم بالتعتيم على وجوه الضحايا بحيث لا يمكن التعرف عليهم، لكن قطاعا آخر من الزملاء رأى في نشر هذه المقاطع انتهاكا لحرمة ما قضوا نحبهم في هذا الحادث الأليم".

وتابعت الصحافية المصرية "تشبث كل فريق برأيه فقررنا إحالة الموضوع برمته لفريق السياسات التحريرية والذي ينظر في الأمور الخلافية.. عرضنا القضية فأوصي بعدم نشر أي مقطع من مقاطع الفيديو التي تسجل لحظات وقوع الحادث حتى لا نؤذي مشاعر ذويهم برؤية مشهد اشتعال النيران، فيتخيلوا معاناة أحباءهم في لحظاتهم الأخيرة".

لكن الأمور لم تحسم هنا، فقد جاء فريق التغطية الحية، تضيف الصحافية، يحتجُّ مجددا أن المقاطع "سوف تنتشر انتشار النار في الهشيم في كل مواقع التواصل الاجتماعي وعلى شاشات التلفزيون طول الليل"، فكان الجواب "نعم أعرف ذلك، ولكن ليس على شاشة BBC وعلينا الالتزام بأدبيات مهنتنا وقواعدنا التحريرية فهي الأبقى".

بنصفية: الممارسة الصحفية انحرفت بما فيه الكفاية

يرى عبد اللطيف بنصفية، مدير المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط، أن عرض فيديوهات المآسي الإنسانية عبر وسائل الإعلام "أمر مرفوض بتاتا مهنيا وأخلاقيا"، بل إنه يعتبر الخبر الذي يتضمن مشاهد كتلك التي توثق لمصرع الطفلة هبة "غير ذي مهمة صحفية، بل هو فقط اتجار بمآسي الناس".

وحسب بنصفية، فإن تصوير مشاهد كهذه، والذي يمكن أن يوضع في خانة الجرائم الجنائية، بوصفه "عدم تقديم مساعدة لشخص في وضع الخطر"، ليس في حد ذاته هو المشكلة، بل نشر تلك التسجيلات البصرية عبر المنابر الإعلامية، معتبرا أنه "حان الوقت لإعادة النظر في تحركاتنا الإعلامية".

وتابع الأكاديمي المغربي قائلا "على مستوى التأطير المهني والإعلامي صرنا بحاجة إلى ضوابط جديدة، تعيد للعمل الصحفي بعده الإنساني، فالإعلام وجد أساسا لمساعدة الإنسان وليس لمضاعفة آلامه"، قبل أن يخلص إلى أن الممارسة الصحفية بالمغرب "انحرفت بما فيه الكفاية، وهي في حاجة الآن إلى التفكير بشكل عميق إلى مراجعة ضوابطها مهنيا وأخلاقيا".

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .