أخنوش.. الرجل الذي يَزن1.7 مليار دولار والمرشح للغرق في انتخابات 2021!

لا ندري إن كان الإمبراطور الفرنسي نابوليون بونابارت، قصير القامة، ضئيل البنية، ذو الحنكة السياسية والكاريزما القيادية، مثلا أعلى لعزيز أخنوش، ضعيف الفصاحة خطابيا الذي فُرضت عليه "القيادة"، لكن يبدو أن الأخير يعمل جيدا بنصيحة الأول حين سُئل عن قِوام الحرب فأجاب "ثلاث لا سواها: المال ثم المال ثم المال"، إذ إن الوزير الأقوى في حكومة سعد الدين العثماني، يخوض حربا سياسية منذ سنوات لا يكاد يكون له فيها أي سلاح آخر سوى المال.. المال الوفير.

رأى أخنوش النور سنة 1961 بمنطقة تافراوت السوسية، هناك حيث بدأت عائلته تبني ثروتها، محوِّلة بعض المشاريع التجارية إلى "مجموعة قابضة" تحمل اسم "آكوا"، سيكون على أخنوش أن يديرها قبل بلوغ ربيعه الثلاثين، مباشرة بعد عودته إلى المغرب في ثمانينات القرن الماضي من كندا، حيث حصل على شهادة جامعية في التسيير الإداري من جامعة "شيربروك" بإقليم كيبيك.

عائلة أخنوش ليست ذات ماض سياسي عريق على غرار عائلات أخرى من الرباط والدار البيضاء وفاس وشمال المغرب، وإن كانت على العكس من ذلك تماما في مجال المال، ويبدو أن هذا الأمر لا يعجب الابن عزيز، لذلك ظل يبحث عن شعرة معاوية تربط عائلته بالعمل السياسي، حتى وجدها في حكاية تقول إن والده "حماد أولحاج أخنوش" كان عضوا في الحركة الوطنية، ومقاوما للاستعمار الفرنسي في الجنوب، حتى إنه نُفِي من أجل ذلك!

لكن السياسة ليست وحدها التي تقرب من مراكز صنع القرار، بل أحيانا يكون المال أكثر فعالية، وهو بالضبط ما حدث مع عزيز أخنوش، الذي وجد نفسه سنة 2003 رئيسا لجهة سوس ماسة درعة، في أول جلوس له على مقعد السلطة السياسية، وإن كانت مجالس الجهات وقتها، عكس اليوم، ذات صلاحيات محدودة، إلا أنه سينتقل منها مباشرة إلى الحكومة سنة 2007.

كان خيار أخنوش، عندما أراد الإبحار في يَمّ السياسة، ركوبَ سفينة التجمع الوطني للأحرار، الموصوف بـ"الحزب الإداري" منذ نشأته، خيارا منطقيا لأبعد الحدود، فالكثير من رجال الأعمال قبله فعلوا ما فعل، لكنه سيكون أنجحهم في جني ثمار ذلك، انطلاقا من 15 أكتوبر 2007، حين سيتم منحه حقيبة وزارة الفلاحة في حكومة عباس الفاسي، وهي الحقيبة التي ستظل "تسمن" إلى أن باتت اليوم توصف بأنها "حكومة داخل الحكومة".

ظل أخنوش، خلال هذه الفترة ورغم انتمائه الحزبي، أقرب ما يكون للوزير التكنوقراط، وأبعد ما يكون عن أي لعب دور سياسي أكبر، لذلك لم يُبدِ عبد الإله بنكيران، عقب تكليفه بتشكيل أول حكومة بعد دستور 2011، أدنى مقاومة لفكرة استمرار أخنوش وزيرا للفلاحة والصيد البحري بتوصية من القصر، فيما لم يتردد هذا الأخير في تجميد انتمائه الحزبي للحفاظ على موقعه في الحكومة.

خلال ولايته الأولى، أتى أخنوش بنفس جديد في تدبير قطاع الفلاحة عبر مخطط "المغرب الأخضر" سنة 2008، الذي يستهدف مليونا ونصف المليون من الفلاحين ويوفر 40 في المائة من فرص الشغل على الصعيد الوطني، ثم في تدبير قطاع الصيد البحري عبر مخطط "أليوتيس" سنة 2009، والذي يهدف إلى تحقيق تنمية وتنافسية للصيادين وزيادة الناتج الداخلي بثلاثة أضعاف، وكلا المخططين حظيا بدعم ملكي مباشر، لذلك كان سهلا على بنكيران أن يقنع نفسه وحزبه بأنه شخصيا أصر على بقاء أخنوش إلى جانبه.

لكن الرجل الذي كان يرى في نفسه القدرة على إقناع المغاربة بالتصويت على حزبه مرة أخرى رغم كل القرارات القاسية التي اتخذها على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، لم يكن يدري أن ابن تافراوت الموجود في حكومته، والذي لا يغيب اسمه عن ترتيب مجلة "فوربيس" السنوي لأغنى أغنياء المغرب، سيكون الرجل الذي سيجعل التصويت له "بلا معنى".

في 2016، وبعد انتخابات تشريعية نجح فيها بنكيران في مواجهة تحالف "البام والسلطة"، محققا 125 مقعدا، سيجد أخنوش نفسه مطالبا بالقيام بدور جديد، حين "سيُنادى عليه" ليصبح رئيسا لحزب التجمع الوطني للأحرار عوض المستقيل صلاح الدين مزوار، حينها علم هو قبل الجميع أن دوره لن يقتصر على قيادة "حزب إداري" وفقط، بل قد يغدو موعودا بقيادة الحكومة مستقبلا.

دخل أخنوش المفاوضات الحكومية بماض سياسي هزيل، وبخطاب ضعيف، وبقدرة شبه منعدمة على الإقناع، لكنه رغم ذلك استطاع جمع 4 أحزاب في تحالف هجين أيديولوجيًا ملتفٍ حول الرجل الذي قيل إنه "كان يفطر مع الملك"، خالقا "البلوكاج" الذي سيثبت لبنكيران أن 37 مقعدا قد تكون أكبر من 125.

شرع أخنوش منذ تلك اللحظة في الاستعداد لمرحلة جديدة بدأها بفرض تحالفه على سعد الدين العثماني، وإضافة قطاعات التنمية القروية والمياه والغابات إلى حقيبة الفلاحة والصيد البحري المحفظة في اسمه، أما طموحه الذي لم يعد خافيا، والذي عبر عنه بنفسه في حوار صحفي، فهو ترؤس الحكومة عقب انتخابات 2021.

بدأ رجل الأعمال السوسي، الذي لم يكن يحفظ من الشعارات السياسية سوى "أغراس أغراس"، في التدرب على المرحلة المقبلة، باحثا عن أكثر شيئين يفتقدهما وأكثر شيئين برع فيهما غريمه عبد الإله بنكيران، "الكاريزما السياسية" و"التواصل"، لذلك أحاط نفسه بخبراء في السياسة والإعلام وكثف من خرجاته الخطابية المصحوبة بدعاية كبيرة.

لكن الصدف التي قد تجعل من رجل أعمال بعيد عن عوالم السياسة، رئيسا لحزب بارز ومرشحا لرئاسة الحكومة مستقبلا، هي نفسها الصدف الذي قد تجعله "عدوا للشعب" كما كان يطلق عليه عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال حملة المقاطعة التي امتدت لشهور في 2018، والتي استهدفت شركته "أفريقيا غاز"، المسيطرة على سوق المحروقات بالمغرب، إلى جانب شركة "سنترال" الفرنسية المنتجة للمواد الحليبة، المرتبطة بوزارة الفلاحة التي يديرها.

وجد أخنوش نفسه فجأة وسط حملة لا يُعرف من أطلقها، استصغرها هو نفسه في البداية واعتبرها مجرد "حملة افتراضية"، قبل أن تقضم من ثروته 100 مليون دولار، ومن شعبيته التي كان يعمل جاهدا على بنائها من الصفر تقريبا، ما لا يمكن عده بالأرقام، خاصة عندما تناهت إلى مسامع الملك خلال افتتاحه ميناء طنجة الترفيهي في يونيو 2018، عبارة: "أخنوش إرحل".

واليوم، لا زال أخنوش الذي يزن 1.7 مليار دولار، يعمل على ترقيع صورته السياسية وسط مشهد ضبابي لم تعد معالمه المستقبلية واضحة، محاولا جعل نفسه "زعيما" يهتم لمصالح الكادحين ولهمومهم اليومية المتعلقة بالتشغيل والتعليم والصحة، لكن خرجاته لا تكون موفقة دائما، كما حدث حينما دعا مؤخرا إلى "توزيع عادل للثروة"، وهي دعوة دفعت اعتبرها البعض تشبه النكتة التي لا تدعو للضحك، حينما انتبهوا إلى أن ثروة من أطلقها تفوق الميزانية السنوية لدولة مثل موريتانيا!

الأربعاء 15:00
مطر خفيف
C
°
19.79
الخميس
18.95
mostlycloudy
الجمعة
18.71
mostlycloudy
السبت
18.88
mostlycloudy
الأحد
21.77
mostlycloudy
الأثنين
19.79
mostlycloudy