عشرة مرتكزات لنموذج تنموي جديد: دراسة وتحليل

تبعا للمقالة السابقة التي حددنا فيها المداخل الخمسة للنموذج التنموي الجديد والغاية والأهداف المرجوة منه، أخصص، بشكل متصل، هذه المقالة لعشرة مرتكزات أساسية وضرورية للدفع بالنموذج التنموي الجديد إلى تحقيق الأهداف التي سبق وأن سطرناها في المقالة الأولى، وبالتالي إخراج المغرب من مصاف الدول السائرة في طريق النمو إلى مصاف الدول المتقدمة، وهي كالآتي:

  • المرتكز الأول: شكل الاقتصاد الذي نريد لخلق الثروات
  • المرتكز الثاني: حلحلة الملف الاجتماعي
  • المرتكز الثالث: مزيد من الحكامة المؤسساتية
  • المرتكز الرابع: الانتقال الطاقي رهان المستقبل
  • المرتكز الخامس : التعليم والبحث العلمي بوابتنا الأساسية نحو تنمية مستدامة
  • المرتكزالسادس: في إصلاح الإدارة المغربية 
  • المرتكز السابع:التشغيل وضرورة اعتباره رهانا أفقيا
  • المرتكز الثامن: نهج سياسة فعلية للتضامن مع العالم القروي والمناطق النائية
  • المرتكز التاسع:الإيكولوجيا مجال استثماري واعد 
  • المرتكز العاشر: الثقافة والثروات اللامادية... ليست ترفاً كمالياً

وسنفرد لكل مرتكز تحليلاوتقييما خاصا، و نبدأ بالمرتكز الأول على الشكل التالي:

المرتكز الأول: شكل الاقتصاد الذي نريد لخلق الثروات

أي نموذج تنموي ينبغي أن يتأسس أولا على تغيير المقاربات التي تحكم الاقتصادي الوطني، وذلك من خلال تأمين نمو قوي مستدام ومُدمِــج للجميع.

د.عبد النبي عيدودي

وأول خطوة هو تنويع الشراكات الاقتصادية، والتعامل على مسافة واحدة مع جميع التكتلات الاقتصادية العالمية. ثم أساسا التوجه نحو إفريقيا التي تشكل مستقبل النمو الاقتصادي العالمي. وهو ما استبقه جلالة الملك من خلال العودة إلى الاتحاد الإفريقي من الباب الكبير. هذا مع الحرص على القيام بكل شيء لأجل حماية الإنتاج الوطني والمقاولة الوطنية من أي منافسة غير متكافئة في السوق الدولية.

في هذا الإطار، من المهم للغاية التوجه نحو تصنيع وطني حقيقي يخلق القيمة المضافة الداخلية، ومراجعة المخططات الفلاحية، والتركيز على الفلاحات الموجهة للأمن الغذائي أولا قبل الفلاحة التصديرية، مع تحديث البنيات الفلاحية، والحفاظ على الثروات المائية. فضلا عن المبادرة إلى اقتحام الصناعات المبتكرة الجديدة في العالم الإلكتروني والرقمي.

لكن، كل هذا ينبغي أن تواكبه تغييرات في بنية وهيكلة ووظائف القطاع الخاص الذي عليه أن يكون في خدمة استراتيجيات الدولة وليس العكس. مع إدراج الاقتصاد التضامني ضمن الأولويات. والاستثمار في الاقتصاد الأخضر، باعتباره قطاعا واعدا ومنتجا، ولأجل تفادي الكوارث المستقبلية المتصلة بالتغيرات المناخية.  

بالإضافة إلى كل ذلك، تقتضي المرحلة تغييرا جذريا في الإطار القانوني للشراكة بين القطاع العمومي والخاص، في اتجاه تحفيز الأخير على تمويل المشاريع العامة العملاقة.

كما تتطلب المرحلة المرور إلى وسائل تمويلية جديدة، لتفادي الإفراط في الاقتراض، ومُباشرة إصلاح جبائي على ضوء خلاصات المناظرة الوطنية حول الجبايات التي تم تنظيمها في ماي 2019.

في نفس الوقت، يقتضي نجاح النموذج التنموي إحداث آلية عمومية مالية خاصة، لمواكبة المقاولة الوطنية الصغرى والمتوسطة، ودفع المؤسسات البنكية على تشجيع وتبسيط الاستثمار في المجالات غير التقليدية، أي في المجالات التي لها قيمة مضافة عالية، مثل الصناعات والإيكولوجيا والمشاريع التكنولوجية وبرامج البحث والابتكار.

المرتكز الثاني : حلحلة الملف الاجتماعي

نعتبر أنه لا معنى لأي نمو اقتصادي إذا لم ينعكس إيجابا على الأوضاع الاجتماعية للناس. فالغاية من التنمية لا يجب أن تكون مراكمة الثروة المادية. بل يتعين التوزيع العادل للخيرات. ومن هنا أهمية إعادة النظر في سياسات الاستهداف الاجتماعي وإصلاح صندوق المقاصة، وكذا تعويض الدعم المباشر بمواكبة الفئات الهشة في تملك مصادر قارة وكريمة للدخل المستدام.

أيضا، على اقتصادنا الوطني أن يُركز على إنتاج السلع التي يحتاجها المغاربة في أمنهم الغذائي والطاقيوالاستهلاكي، قبل التفكير في التصدير.

ثم إن الاستثمار في التعليم والصحة، لا يجب اعتباره أبدا نفقات للدولة، بل استثماراً منتجاً، فحين نُعَلِّمُالأجيال أو نحافظ على أمد الحياة، أو نعالج مريضاً، فإن لذلك أثرا مباشرا وإيجابيا على الناتج الداخلي الخام.

ثم إن المرحلة تقتضي الرفع من الطلب الداخلي. ولنيتأتى ذلك سوى من خلال توفير الشغل للجميع، وتحسين الأجور وظروف العمل والحماية الاجتماعية التي يتعين تعميمها قبل سنة 2025، كما أمر بذلك جلالةُ الملك.

لكن هذه الأهداف لن تتحقق سوى عبر تحول المقاولة المغربية، بجميع أصنافها، إلى مقاولة مواطنة تلتزم بحقوق الأجراء وفي مقدمتها الحق في التغطية الاجتماعية، كما على الدولة أن تضع الآليات اللازمة للحماية من فقدان الشغل، ومن هنا ضرورة تعاقد اجتماعي بين أطراف الإنتاج: الدولة والمقاولة وممثلي الأجراء.

المرتكز الثالث: مزيد من الحكامة المؤسساتية

كيفما كان المجهود الوطني كبيراً في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، فإن الحكامة المؤسساتية تظل حاسمة في نجاح النموذج التنموي.

ذلك أن جميع الدراسات تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن ظواهر مثل الفساد والرشوة والريع والمضاربة والاحتكار تكلف خزينة الدولة أموالا طائلة، وتسبب في فقدان نقط مهمة في معدلات النمو.

لذلك، يجب تقوية ومراجعة أدوار مؤسسات الحكامة، وتعزيز الشفافية في جميع مناحي الحياة الوطنية. بالإضافة إلى جعل تكافؤ الفرص شيئا بديهيا في المجتمع.

وفي اعتقادنا فإنه حان الوقت لجعل اللامركزية رافدا محوريا في التنمية الترابية، لأن المركزية المفرطة للدولة لم تعد أمرا ممكنا ولا ناجعا. مع تسريع تنزيل اللاتمركزالإداري.

المرتكز الرابع : الانتقال الطاقي رهان المستقبل

نعتبر أن الانتقال الطاقي بالنسبة لبلادنا هو أمر ضروري وحيوي وحاسم، لأسباب وجيهة:

أولا: لأن الفاتورة الطاقية للمغرب تستنزف المالية العمومية؛

ثانيا: لأن الطاقة الأحفورية سوف تنتهي في يوم من الأيام، وهي طاقة غير متجددة؛

ثالثا: لأن المغرب حباه الله بإمكانيات طبيعية هائلة تؤهله للاستثمار الأمثل في الطاقات البديلة، الريحية والمائية البحرية والشمسية والطاقة التدويرية؛

رابعا: لأن استعمال الطاقات التقليدية هو مسبب أساسي للتغيرات المناخية وللاحتباس الحراري، وبالتالي للكوارث الطبيعية.

ومن مقترحاتنا هنا هو أن نعمل عاجلا على تحفيز الابتكار في الطاقات البديلة والنظيفة، ومنح تخفيضات ضريبية للمقاولات التي تعتمد على الإبداع في اقتحام هذا المجال الحيوي، مع تجريم التلويث مهما كان مصدره.

وتجدر الإشارة إلى أنه مؤخرا عرف المغرب نقلة نوعية على مستوى النجاعة الطاقية بإرساء خطة وطنية للطاقة عبر تخفيض 12 في المائة في أفق 2020 و15 في المائة من الاستهلاك الطاقة في أفق 2030 فضلا عن إنتاج 6000 ميغاواط من الطاقة اعتمادا فقط على الطاقة المتجددة وذلك على مستوى خمس محطات تتعلق بورزازت وعين بني مطهر وفم الواد و بجذور وسبخة تاه، ناهيك عن مركز الطاقة الخضراء، "غرين إنيرجي بارك" المتواجد بالمدينةالخضراء ببنجرير. ومن شأن كل ذلك وغيره الإسهام في تطوير تكنولوجيا مغربية في مجال الطاقات النظيفةتستفيد منها بلادنا والقارة الإفريقية.

كذلك، يعتبر مشروع الطاقة الشمسية والريحيةوالكهرومائية بالمغرب مشروعا رائدا على الصعيد الإقليمي والعالمي، خصوصا مع بناء محطة الطاقة الشمسية بورزازات، التي بوأت المغرب مرتبة مهمة نظرا لتوفره على أكبر محطة في العالم لتوليد الكهرباء لفائدة الشبكة الوطنية.

المرتكز الخامس : التعليم والبحث العلمي بوابتنا الأساسية نحو تنمية مستدامة

كل تجارب الإقلاع الاقتصادي والمجتمعي الناجحة في العالم بأسره، اعتمدت على التعليم الناجع والناجح. إنما في المغرب يبدو وكأننا ندور في دوامة إصلاح الإصلاح التعليمي منذ الاستقلال.

وليس هناك أي شك لدينا في أنه لا تنمية بلا تعليم: جيد، متكافئ، يركز على القيم والعلوم والتقنيات الحديثة وعلى الإبداع والابتكار في جميع المجالات الفنية والحضارية والأدبية والعلمية، تعليم منفتح على اللغات والحضارات والثقافات النافعة دون أي تفريط في مكونات الهوية الوطنية.

في نفس الوقت، يقتضي الإصلاح الحقيقي لتعليمنا إعادة الاعتبار للمدرس ولمهنة التدريس، وللتلميذ والطالب، ولفضاء المؤسسات التعليمية التي يجب أن تكون جاذبة وجذابة ومؤهلة.

أيضا، أي نقاش حول اللغة التدريسية فهو يندرج ضمن المزايدات الهوياتية العقيمة، فاللغتان العربية والأمازيغةلغتان رسميتان لا أحد يجادل في مكانتهما، لكن الانفتاح اللغوي يجب أن يكون عاديا، وأن يخضع لتقدير الفائدة العلمية، وليس لاعتبارات أخرى إيديولوجية أو سياسية.

أيضا، حان الوقت لمراجعة عميقة للبرامج والمناهج والمقررات الدراسية، وللحياة المدرسية عموما، في اتجاه التخفيف، والابتكار، وتشجيع التفوق الفارقي، وإعادة النظر في نظام التقويم المدرسي الذي صار يشكل هاجسا مغلوطا للتلاميذ والطلبة والأسر المغربية على حد سواء.

ويظل سؤال مدى الارتكاز على خوصصة التعليم قائما ومؤرقاً. ونقول هنا، من وجهة نظرنا، إن خوصصة التعليم لا يجب أن تكون عقدة مجتمعية أو سؤالا إيديولوجيا. وهنا نقترح أن يتم العمل باتفاقيات وشراكات بيداغوجية على أساس دفتر تحملات بين الدولة ومؤسسات التعليم الخصوصي. مع ضرورة أن تحافظ الدولة على دورها في المراقبة البيداغوجية والمادية على هذه المؤسسات الخاصة. مع تمتيع الأسر التي تختار القطاع الخاص من تخفيضات ضريبية لتفادي الازدواج الجبائي. لكن كل هذا بالارتكاز أولا وأخيرا على المدرسة العمومية طالما أن التعليم هو حق للجميع وأن التعليم هو في آخر المطاف خدمة عمومية.

لكن التعليم الذي نريد أن يستقر عليه تصور النموذج التنموي لا يتعين أن يكتفي فقط بتلقين القيم ومحو الأمية وتوفير اليد العاملة التقنية، على أهمية هذه الأهداف. بليجب أن تتعدى وظائف التعليم البديل إلى إطلاق زخم جديد وقوي في مجال البحث العلمي بجميع تخصصاته، وتوسيع الدراسات العقلانية، كالفلسفة والتاريخ والأدب والفنون والثقافات والحضارات.

وإلى جانب ذلك، لا بد من إعطاء معنى جديد ومتجدد للتكوين المهني، وتوسيع نطاقه، وتنويع تخصصاته ومجالاته، لا سيما في اتجاه المهن الجديدة والعالم الرقمي والتكنولوجيات الحديثة.

المرتكز السادس : في إصلاح الإدارة المغربية 

أعطى جلالة الملك، عبر خطابات سامية متعددة، تعليماته من أجل إصلاح عميق للقطاع العمومي وللمؤسسات والمقاولات العمومية.

وفي تقديرنا، فإن هذا الأمر حيوي بالنسبة لمستقبل بلادنا ولحكامة الدولة ونجاعة سياساتها المستقبلية.

فبنياتنا الإدارية تتسم بالتركيز الشديد والمركزية المفرطة، وبالبطء في المساطر وتعقيداتها، وتتسم الوظيفة العمومية بِقِدَم وتآكل إطارها القانوني.

كما تتسم المؤسسات والمقاولات العمومية بارتفاع حجم مديونيتها وتعويلها على مساهمات الميزانية العامة وعدم وضوح نماذجها الاقتصادية.

كما تخترق فضاءنا الإداري عدد من الظواهر التي لم تعد مقبولة، مثل المحسوبية والزبونية، وضعف الانفتاح على الرقمنة.

لهذا وغيره، نقترح أن يكون الإصلاح الإداري مبنيا على ما يلي: 

أولا: المدخل الرقمي، لتعزيز الشفافية وتبسيط المساطر والانخراط في عالم اليوم.

ثانيا: المدخل التخليقي: قيميا وقانونيا وتنظيميا، تعليما وتربية وزجرا.

ثالثا: المدخل الترابي: من خلال تفويض اختصاصات أساسية وحقيقية للجماعات الترابية وللمصالح اللاممركزةفيالجهات والأقاليم والعمالات والجماعات، مع نقل الوسائل المادية والمالية أيضا.

رابعا: مدخل الحكامة وحسن استعمال الوسائل: عبر تجميع المصالح اللاممركزة المتقاربة في إدارة ترابية واحدة، وترشيد المقتنيات، وتدبير أمثل للموارد البشرية وتشجيع الكفاءات على الاستقرار في مناطق ولو كانت بعيدة عن محور القنيطرة الدار البيضاء.

مدخل إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية: من خلال حذف الزائدة منها، وتقييم مساهمتها الإيجابية في مداخيل الدولة، وتجميع القابلة منها للتجميع.

مدخل إصلاح قانون الوظيفة العمومية: بتثمين الكفاءة كوسيلة وحيدة للتوظيف وللترقي الوظيفي، وخلق التوازن الكافي بين حقوق الموظف وواجباته، وتوحيد الأنظمة الأساسية الخاصة.

المدخل التدبيري: عبر استدعاء أسلوب تدبير المقاولة إلى الإدارة العمومية، لا سيما من حيث النجاعة والتحفيز والعمل بالأهداف والمشاريع.

إصلاح الوظائف والمناصب العليا: من خلال الحد من تسييسها، واعتماد نظام عقدة البرنامج، وإعادة الاعتبار للكفاءة الوطنية والحد من هجرة الأطر الوطنية الإدارية إلى القطاع الخاص.   

المرتكز السابع :التشغيل وضرورة اعتباره رهانا أفقيا

تتسم ظاهرة البطالة في بلادنا بعدة سمات، من أهمها:

أنها مرتفعة أكثر بين أوساط ذوي الشهادات العليا، وفي المدن.

أيضا، في أوساط النساء أكثر، مما يعطينا ظاهرة الفقر المؤنث.

فاقمت جائحة كورونا من ظاهرة البطالة.

العطالة سبب من أسباب هجرة الأدمغة.

ولهذا، نقترح أن يركز نموذجنا التنموي المستقبلي على دعم الاستقرار في العالم القروي والعمل على خلق طبقة متوسطة في البوادي عبر مُباشرة إصلاح زراعي شامل وعميق.

ثم أيضا، نقترح توسيع مهام ووظائف الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل  والكفاءات، لتشمل جميع الفئات الباحثة عن الشغل.

إقرار منحة لمواكبة الشباب المتعلم الباحث عن الشغل، لفترة مؤقتة.

إقرار مواكبة تكوينية لإعادة تأهيل حاملي الشهادات، وملاءمة شهاداتهم مع متطلبات سوق الشغل.

إحداث تحفيزات مالية وضريبية للقطاع الخاص الذي يحافظ على مناصب الشغل أو يخلق مناصب جديدة.

إقرار وتعميم وتفعيل التعويض عن فقدان الشغل. 

وأخيرا، نقترح إحداث منصة رقمية وطنية رسمية، موثوقة ودينامية، لالتقاء طالبي الشغل بالمشغلين وأرباب العمل الباحثين عن اليد العاملة.

المرتكز الثامن: نهج سياسة فعلية للتضامن مع العالم القروي والمناطقالنائية

لا شك في أن بلادنا بذلت مجهودا مُقدرا في تطوير العالم القروي، خاصة من حيث البنية التحتية. لكن ذلك يظل غير كافٍ، حيث لا تزال الهجرة القروية طاغية، ولا تزال الفلاحة الصغيرة المعيشية تعاني، ولا تزال الخدمات العمومية الأساسية بالبوادي المغربية أقل وأضعف من نظيرتها في الحواضر.

ولهذا، نقترح تسريع وتعميق البرنامج المندمج لمحاربة الفوارق الاجتماعية والمجالية، بجعل التضامن مع العالم القروي أولوية وطنية. كما نقترح تثمين ودعم الأنشطة المذرة للدخل بالقرى، كالسياحة البيئية، والصناعة التقليدية، والأنشطة الاقتصادية التضامنية والتعاونية.بالإضافة إلى إطلاق أوراش جماعاتية للقرب والمنفعة العامة، إلى جانب الأوراش الوطنية الكبرى. كما نقترح إقرار إلزامية خدمة مدنية لجميع حاملي الشهادات، بالعالم القروي، لفترة محدودة، وبتحفيزات. 

وعلى الصعيد الفلاحي، نقترح تشجيع التعاونيات الفلاحية، وتوزيع الأراضي الممكنة على الفلاحين الصغار، ومباشرة إصلاح البنيات الزراعية، وإعادة توجيه مخطط المغرب الأخضر لتشمل فوائده الفلاحة الصغرى أيضا إلى جانب الفلاحة الكبرى التصديرية، فضلا عن تعزيز الحماية بالنسبة للعمال الزراعيين.

المرتكز التاسع :الإيكولوجيا مجال استثماري واعد 

لم تعد البيئة ميدانا ضيقا يقتصر على نظافة محيط الحياة، بل صارت فضاءً رحبا للاستثمار. وذلك ما تؤكده كل الدراسات والتقارير الدولية. فالاقتصاد التدويري، وإعادة استعمال المياه العادمة المُعالجة، والاقتصاد البحري أو الأزرق، والاستثمار في الشواطئ، وتحلية مياه البحر، والحد من انبعاثات الغازات السامة من خلال التقنيات والبدائل المتطورة الحديثة، وترشيد استعمال الموارد الطبيعية.... كلها مجالات لا تحافظ على البيئة فقط، بل إنها أيضا مجالات مذرة للاستثمار وللثروة.

لذلك، علينا، ضمن النموذج التنموي البديل، أن لا نكتفي بإدماج البُعد البيئي كسياسة أفقية تخترق السياسات العمومية، بمنطق دفاعي عن الإيكولوجيا فقط، بل علينا أن نرصد إمكانيات بلادنا الطبيعية، وأن نحدد سُبل تحفيز الاستثمار الوطني فيها، بما يخلق الثروة ويحافظ على حقوق الأجيال اللاحقة في طبيعة سليمة ونظيفة وموارد كافية للعيش. 

فالتغيرات المناخية ترخي بظلالها على العالم، والمغرب من ضمنه، لذلك على النموذج التنموي أن يُجيب على سؤال التكيف المناخي، وتخفيف وطأة تأثيرات الاحتباس الحراري، لا سيما على مستوى الظواهر القصوى، كالفيضانات والجفاف، باعتبارها ظواهر تهدد الاستقرار وتؤدي إلى ما يسمى بالهجرة المناخية الحادة.

المرتكز العاشر : الثقافة والثروات اللامادية... ليست ترفاً كمالياً

كثيرون حين يتحدثون عن الثروة الوطنية اللامادية، يعتبرونها، ضمناً أو صراحة، مجرد حديث صالونات، ومجرد كماليات. لكن الحقيقة الساطعة، من خلال تجارب تنموية رائدة، في جنوب شرق آسيا على وجه التحديد، أثبتت أن تثمين القيم والخصوصيات والثقافات والفنون ومكونات الحضارة المحلية، يكون لها أثر قوي ومباشر على النمو الاقتصادي وعلى تمتين اللحمة الوطنية،واكتساب مناعة منفتحة تجاه التأثيرات الخارجية.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، فتشجيع المفكرين والباحثين والمثقفين والمبدعين على الإنتاج، أولا فيه قيمة علمية للوطن، وإسهام في تطوير وتحديث الدولة والمجتمع، وثانيا له مردود على رفع معنويات الناس، والارتقاء بوعيهم العام وبمستواهم المعرفي والقيمي وذوقهم الجمالي المشترك.

ومن جهة أخرى، فإن الثقافة والفنون هي استثمار منتج للقيمة المادية. ولكم أن تتصوروا حجم الاستثمارات والعائدات المالية التي يمكن أن تجلبها الصناعة السينمائية مثلا، أو باقي صناعة الفنون الأخرى....ناهيك عن دور ذلك في التعريف بالوطن بالخارج وما يمكن أن يُحدثه من فارق على مستوى عائدات السياحة.

لذلك، لا نكتفي هنا باقتراح دعم الثقافة، بل نذهب أبعد، لنقترح تضمين النموذج التنموي مسألةَ الاستثمار الثقافي الواسع بأبعاده العميقة والمتنوعة.

في الختام، تبقى تلك الغايات المرجوة وهذه المداخل الخمسة التي لامسنا جوانبها لماما، مع المرتكزات العشرة التي فصلناها بالتحليل، إسهامات شكلت وجهة نظرنا في النموذج التنموي البديل الذي نريده لمغرب الغد .. مغربالرقمنة والفضاء العام المشترك ... مغرب المواطنة والمساواة بين جميع مواطناته ومواطنيه بمختلف مراتبهم وانتماءاتهم الاجتماعية والاقتصادية و المدنية والسياسية... 

والحمد لله الذي بحمده يبلغ ذو القصد تمام قصده.

* - باحث في الشوؤون السياسية - مدير المركز المغربي للقيم والحداثة

- دكتوراه في القانون الدستوري وعلم السياسية - دكتوراه في العقائد والأديان السماوية

الخميس 21:00
غيوم متفرقة
C
°
18.14
الجمعة
19.41
mostlycloudy
السبت
19.65
mostlycloudy
الأحد
20.25
mostlycloudy
الأثنين
20.87
mostlycloudy
الثلاثاء
19.7
mostlycloudy