عن عشاق المخزن

تاريخيا في المغرب، كانت فكرة الرَعَايَا المرضي عنهم، مرتبطة بتصنيفات محددة، أولئك المرتبطين دينيا بالحاكم رغم بعده وغياب حمايته، ثم القاطنين بالمدن السلطانية والمقربين من دار السلطان والمستفيدين من قربهم من مركزية جيشه، ومن عطاياه وهباته. سواء أكان هؤلاء عبيدا وجنودا أو تجارا أو فلاحين عاشوا تحت حمى الحاكم وظله؛ أو أولئك الذين استباحتهم أيادي وقطاع الطرق وإتاوات الزطاطة، في مناطق بيضاء لا هي تحت سلطة المركز ولا تحت سلطة تفويضية تبايعه على الولاء؛ فكان بالنسبة لهم المخزن استبدادا أخف ضررا وأكثر هيكلة، رغم ضرائبه وجباياته القاسية غالبا، والغير منظمة، والتي قد تحكمها عشوائية لا تقل عن عشوائية السطو أو الإتاوة، وقد لا يكون المخزن، سوى تمثيلية تفويضية شبه مطلقة لقائد جائر، صنع سلطته المغلقة، والتي لا يربطها بالسلطة المركزية، سوى المعلوم من الجبايات السنوية، أو تنفيذ أمر "الحركة" على قبيلة أعلنت التمرد.

هذه الروح المخزنية التاريخية والتي مصدرها كما قلنا إما النعم بالعطايا أو التنجية من الموت، هي التي كانت تجعل من هؤلاء بنزعة هستيرية في تمجيد الروح المخزنية، نزعة كان من المنطقي جدا أن تتخفف مع ظهور ملامح التحديث العصري المستجلب مع الحماية، وبالرهان الكبير على الإصلاح السياسي المتدرج، سواء مع الحركة الوطنية التي جلبت ثقافة الدولة وروحها كرهان لمغرب ما بعد الاستعمار، أو حتى مع الملكية ذاتها بتحولها من السلطنة، وتدرجها في عملية مأسسة بطيئة وحذرة، تزاوج بين التطلع لمستقبل الدولة العصرية والالتفات النوستالجي للماضي المخزني الرومانسي.

المتأمل في الدولة المغربية الحديثة سيستوقفه ولا شك هذا التداخل، وهذا طبيعي جدا، فالدولة باعتبارها لا تعبيرا عن إرادة واحدة، بل هي منظومة من الإرادات الغير منسجمة، قد تضعك في لحظة أمام تجسيد لها كدولة تنتمي للقرن الواحد والعشرين، نظرة قد يكون مصدرها قانونا أو مشروع قانون شديد الراهنية والتداول على المستوى الإنساني، أو استجلاب تكنولوجي أو معرفي متطور، أو نقاش حول قضية مناخية أو حقوقية من صميم قضايا الإنسانية الراهنة؛ ولكن وفي لحظة موالية قد تفاجئك الصورة القروسطوية، حيث تنسحب الدولة ويحضر المخزن، بشكل يبعث على الدهشة أولا، ولكنه يُفهم إذا ما ربط باللافصل التاريخي، وعدم حسم الرهان المغربي وبقائه معلقا بين ماضوية المخزن وراهنية الدولة.

الغريب، هو أن هناك فئة عريضة من المغاربة، لا يعتريهم هذا التخبط والتداخل الذي تعرفه الدولة، بل هم حاسمين لرأيهم ورهانهم، هواهم ماضوي خالص، ماضوية ليست حتى بالدينية، فهذه قد تُفهم إذا ما ربطناها بمبرراتها العقدية والوجدانية القوية، بل هي ماضوية مخزنية، بحيث إنهم مخزنيين أكثر من المخزن بحد ذاته، وهم لا بالمشدودين بعطايا ولا المهددين في حياتهم، كما هي الأسباب التاريخية للولاء المخزني كما ذكرنا أعلاه. قد يدافعون عن أشياء الدولة بحد ذاتها قد تعتذر عنها، أو يعتبرون كل قرار وفعل وتوجه هو عبقرية مطلقة من طرف الدولة، بل يستطعمون وسم الدولة بالمخزن، حتى في سياق تجسدت فيه الدولة كدولة وليست كمخزن؛ بل صرنا ضمن هذه الموجة النكوصية أمام من يستجلبون أصحاب المظلات ومجسدي الطقوس السلطانية في العقائق وحفلات الختان، في تماهي روحاني مع روح السلطة المعشوقة.

لطالما آمنت بالنقد المزدوج، نقد غوغائية الحشود، وبكائيات القبلية الفئوية المستجدة، وعبارات عبيطة كـ"ولاد الشعب"، و"المحكورين"، وخطابات المظلومية التي تدعي محاربة الاستبداد، وهي تُبطن استبدادها المُضمر؛ ولكن أيضا هناك غوغائية مقابلة لا تقل انغلاقا ولا ظلامية، وشعاراتها المطلقة "المخزن عارف شغالو"، "الله يعز الحكام"، غوغائية تعطي تفويضا مطلقا وبشكل قبلي للدولة/المخزن، وتجعلها منزهة من كل خطأ، في نوع من التضخيم القومجي الجديد، يعيد إحياء أوهام القومجية النقية والسلطة الشمولية.

على الإنسان السوي أن يفهم أن التدافع السياسي والتعددية وتقاطب القناعات شيء طبيعي وصحي في كنف دولة حديثة، بل توفر هذه العناصر، هو دليل على قوة ومعافاة هذه الدولة التي تخاف وتهلع عليها؛ على هذا الإنسان السوي أن يفهم أن مطالبته بالقبضة القوية والشاملة وقدسية الدولة المطلقة وشرعنة كل سلوكاتها هو صنع حقيقي لشروط إضعافها، وأن سياسة الصوت الواحد والرأي الواحد والقناعة الواحدة لا تصنع سوى شروط الأزمات والسكتات، وليعلم أن المغرب في لحظة ما ضحى بمن يُصَلُّون ولاءً للمخزن وكانوا مخزنيين أكثر منه، وعرف أن تمديد عمره في الاستماع لأصوات كانت لا تحب المخزن ولكنها كانت تقول له الحقيقة، فالحقيقة أطول عمرا من الحب.

الأثنين 21:00
غيوم متناثرة
C
°
19.13
الثلاثاء
20.07
mostlycloudy
الأربعاء
19.93
mostlycloudy
الخميس
20.06
mostlycloudy
الجمعة
19.31
mostlycloudy
السبت
19.32
mostlycloudy