فوضى الديبلوماسية الجزائرية

 فوضى الديبلوماسية الجزائرية
الصحيفة - افتتاحية
الأحد 11 فبراير 2024 - 16:28

دخلت الجزائر في نوع من "الفوضى الديبلوماسية" بسبب التغيرات الجيوسياسية في منطقة الساحل خلال الشهور القليلة الماضية.

وطيلة عقود، كان النظام الجزائري في "منطقة الراحة" بخصوص دول الساحل بفعل الكثير من العطايا الباذخة التي كان يخصصها لهذه الدول بملايير الدولارات، على مدى عقود، حيث وضع حسابات مالية مفتوحة لهذه الدول على شكل قروض يتم التنازل عليها لاحقا كنوع من "الرشوة المقننة"، مثل ضخ مليار دولار لصالح ما يسمى بـ"الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي" مع دعم العديد من الحركات الانفصالية التي تخلق بها الجزائر التوازن وتجعلها نوافذ خلفية للضغط على دول مثل مالي والنيجر والتشاد وحتى بوركينافاسو، وكل هذا بالتنسيق مع مُستعمرها السابق، فرنسا، غير أن الواقع، اليوم تغير، ويسير نحو التعقيد بالنسبة لرؤية النظام الجزائري للمنطقة ككل.

سبب هذه التغيرات هي الانقلابات العسكرية التي جرت في دول الساحل وأوصلت الجيش إلى الحكم في كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وهو ما غيّر المعادلة الجيوسياسية في المنطقة وجعل الجزائر وفرنسا تفقد نفوذهما في هذه الدول التي بدأت تتخلص تدريجيا من الوصاية الفرنسية المُنهِكة لها اقتصاديا وسياسيا، وكذا، مراجعة الألغام الانفصالية التي كان يضعها النظام الجزائري في خصر دول مثل مالي والنيجر لتغذية نفوذها في المنطقة.

ومع هذه التغييرات في المنطقة، جاءت مبادرة الملك محمد السادس لتسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي مع وضع بنيات المملكة المغربية من طُرق وموانئ وسكك حديدية لخدمة هذا المشروع الذي أعلن عنه في خطاب الذكرى الثامنة والأربعين لـ "المسيرة الخضراء" فاتحا الباب أمام تكتل اقتصادي وسياسي إقليمي لتغيير وجه المنطقة.

هذه المبادرة أعقبها اجتماع وزاري تنسيقي، بمراكش، جمع وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، مع وزراء خارجية بوركينا فاسو، ومالي، والنيجر، وتشاد، اختتم بإعلان مشترك عن انخراط هذه البلدان في المبادرة التي أطلقها العاهل المغربي التي تتيح فرصا كبيرة للتحول الاقتصادي للمنطقة برمتها، وفق قاعدة تعاون جنوب-جنوب.

بعد إعلان مراكش حول المبادرة المغربية لدول منطقة الساحل الذي كان بتاريخ 23 دجنبر 2023، دخل النظام الجزائري في نوع من الفوضى وردات الفعل، حيث أقدم على وقف جميع حسابا القروض الخاصة لدول الساحل في مقدمتها موريتانيا التي كانت تستفيد من القروض السخية من الجزائر وفق اتفاقية موقعة منذ سنة 1965. كما شمل القرار الجزائري دولة مالي التي كانت تقترض من الجزائر بموجب اتفاقية تعود إلى سنة 1965 وأخرى لسنة 1977، وهي التي حضر وزير خارجيتها، عبدو اللاي ديوب، اجتماع مراكش. وشملت القائمة أيضا جمهورية النيجر، التي كان يربطها اتفاق مع الجزائر منذ سنة 1975، وأيضا بوركينا فاسو، التي ظلت تقترض من الحكومة الجزائرية بموجب اتفاقية تعود إلى السنة نفسها، بالمسمى القديمة للجمهورية "فولتا العليا"، وكلاهما حضر وزير خارجيتهما، باكاري ياو سانغاري وكاراموكو جان ماري تراوري، اجتماع مراكش وعبروا عن انضمام بلدانهم للمبادرة المغربية.

مبادرة الملك محمد السادس لدول الساحل جعلت الديبلوماسية الجزائرية تدخل في فوضى غير متوقعة، خصوصا بعد خروج المجلس العسكري الحاكم في مالي، بتاريخ 25 يناير، ببلاغ يؤكد من خلاله إنهاء "اتفاق الجزائر للسلام" لعام 2015 مع الانفصاليين بأثر فوري، متهما الجزائر بـ"أعمال عدائية وبالتدخل في شؤون البلاد الداخلية". وطالبت السلطات في مالي الجزائر بـ "وضع حد لأعمالها العدائية بشكل فوري"، مهددة باستقبال ممثلين عن "حركة تقرير مصير منطقة القبائل" التي تطالب بالاستقلال عن الجزائر.

وقبل ذلك، كانت الجزائر تخسر المزيد من "وساطاتها الملغومة" في دول الساحل حينما أكد حسومي مسعودو، وزير خارجية حكومة الرئيس النيجيري المخلوع محمد بازوم، إن بلاده لا تولي أي أهمية للمبادرة السياسية لحل الأزمة في النيجر، التي قادتها الجزائر، مشدّدا على أن هذه الأخيرة، حشرت نفسها في أزمة سياسية لا تخصّها بأي شكل، عوض الاهتمام بشؤونها في منطقة شمال أفريقيا.

ولا يبدو أن النظام الجزائري يستوعب أن إفريقيا تتغير، وأن دولها بدأت تتخلص من منطق الوصاية التي فرضته الدول الغربية وخصوصا فرنسا على العديد من دول الساحل بأذرع جزائرية لخلق هيمنة مفترضة ونفوذ قاهر لهذه الدول، حيث مازال النظام العسكري في الجزائري ينتج نفس السياسة وردات الفعل الفوضوية الغير مُتزنة، وهو ما بدا واضحا عندما قرر إطلاق مرسوم رئاسي يُجرّم أي سلوك تجاري للشركات الجزائرية يمر عبر الموانئ المغربية كرد فعل عن المبادرة المغربية لتسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي.

هذه المبادرة التي تلقفتها دول المنطقة بشكل مرحب وبدأت في رسم معالمها الاستراتيجية بإعلان مراكش، تلاها إعلان دول مالي والنيجر وبوركينا فاسو، في بيان مشترك، الانسحاب الفوري من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، مع وقف التعامل الشبه كلي مع فرنسا التي استنزفت خيرات هذه الدول على مدى عقود وفرضت عليها العديد من الشروط "القاتلة" لأي مستقبل لهذه الدول التي بقيت على مدى عقود متخلفة اقتصاديا وتعيش فوضى سياسية تغذيها باريس والجزائر.

كل هذه الأحداث المتوالية، جعلت النظام الجزائري يغرق في "وحل الساحل"، ما جعل وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف يترك محرك طائرته التابعة للرئاسة الجزائرية، مُشغلا، حيث قام بجولات مكوكية بين عواصم الدول في محاولة لترميم العلاقات المنهارة للجزائر في الساحل والقبض على التغيرات الجيواستراتيجية للمنطقة التي أخرجت النظام الجزائري من أي معادلة في المنطقة، خصوصا بعد القطيعة مع مالي والنيجر وخروج هذه الدول رفقة بوركينافاسو من مجموعة "إيكواس" والترحيب بمبادرة العاهل المغربي في فتح ممرات تجارية على المحيط الأطلسي، وهي أحداث بَعثرت تصور الجزائر للمنطقة وأعادت ترتيب التوازنات، وأعطت بوادر تحالفات جديدة في الساحل.

وهكذا، حمل عطاف رسالة إلى الرئيس التونسي قيس سعيد قيل إنها من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وبعدها بيوم واحد، حطت طائرة عطاف بليبيا حاملا نفس الرسالة إلى رئيس المجلس الرئاسي لدولة ليبيا، محمد يونس المنفي. وعند عودته من ليبيا، أجرى وزير الخارجية الجزائري مكالمة هاتفية نقل فيها شكوى بلاده من الوضع في المنطقة إلى الممثلة الخاصة للاتحاد الأوروبي المكلفة بشؤون الساحل في مكالمة هاتفية جمعته بها.

وفي التاسع من شهر فبراير الجاري، استقل وزير الخارجية الجزائري طائرته - من جديد - متوجها إلى موريتانيا وفي يديه "رسالة" من رئيسه عبد المجيد تبون إلى الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، خصوصا بعد أن أكد وزير الخارجية المغربي بحضور وزير خارجية موريتانيا في الرباط أن الملك محمد السادس يعتبر موريتانيا فاعلا أساسيا في مبادرة تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي.

وقبل ذلك، دعت الجزائر وزير خارجية إسبانيا خوسي مانويل ألباريس لزيارتها "على عجل"، خصوصا بعد ان أصدرت أكدت إسبانيا على موقفها من الصحراء وتجسيده في الجريدة الرسمية، حينما أرادت الإعلان عن صفقة عمومية لإنجاز أشغال تجديد المدرسة الإسبانية "السلام" الكائنة في مدينة العيون، التي وصفتها بالمغربية.

تراكم إخفاقات الديبلوماسية الجزائرية، تجسد أيضا في رفع منسوب الخلاف مع دول الخليج خصوصا السعودية والإمارات، حيث منعت أبوظبي كبار المسؤولين الجزائريين من الدخول إلى أراضيها بعد الحملات الإعلامية الجزائرية التي استهدفتها بسبب موقفها من قضية الصحراء، وهو نفس الخلاف الذي تعمق مع السعودية حيث أصدرت الأخيرة مرسوما ملكيا يمنع تداول أي خريطة للمغرب مجزأة من صحرائه.

ومع كل هذه الفوضى القاتلة للديبلوماسية الجزائري الخارجية، يمكن الاستنتاج أن الأحداث تجاوزت مثلث شنقريحة تبون عطاف وانتقلت إلى لاعبين جدد في المنطقة وفق قواعد رابح رباح بين الدول وحفظ مصالحها عوض اللعب على جراح الانفصال والرشاوى المالية التي سبق لوزير خارجية تونس السابق أحمد ونيس أن سلط الضوء عليها، حيث كانت الجزائر وليبيا على مدى عقود ترشي زعماء الدول الإفريقية بملايين الدولارات والمساعدات للاعتراف بجبهة البوليساريو الانفصالية، وهو العهد الذي ولى بعد صعود جيل من الرؤساء الأفارقة الراغبين في الاستقرار والتنمية والتعاون الدولي البعيد عن خلق "مكائد" الانفصال وتغذية الصراعات التي تركتها القوى الاستعمارية خلال القرن العشرين.

إطلالةٌ على قاعٍ مُزدحم

مراحل المد والجزر في تاريخ السياسة والسياسيين في المغرب، ليست أمرا غريبا، بل تكاد تكون خاصية لصيقة بالساحة السياسية والفاعلين فيها منذ فترة ما بعد الاستقلال. في كل زمن كانت هناك ...