في زَمَنِ التّقشُّف!

 في زَمَنِ التّقشُّف!
أحمد إفزارن
الأربعاء 22 يوليوز 2020 - 19:27
  • زَمنٌ قد يزدادُ تعقيدًا، إذا لم تتَغيّر الأحوال..
    وهذه من ثِمارِ الفيرُوسِ العالمِي "كُورُونَا".. فيرُوسٌ ما زال غيرَ معروف.. ولم يَكشِف عن كلّ أسرارِه.. ولم يستَطع العُلماءُ اكتشافَ تلقيحٍ ناجعِ له.. وفي نفسِ الوقت يحصِدُ ضحايا في القاراتِ الخمس.. وأيضًا، يُخلّفُ مُضاعفاتٍ اقتِصاديّة واجتماعيّة، وقد تكونُ له ضحايا في الأرواح..
    ومن جهتِنا، يجبُ أن نتّخذَ المزيدَ من الحيطةِ والحذَر، على كل المُستويات..
    الظّروفُ الجُرثوميّةٌ تفرضُ علينا - نحنُ أيضًا - نمطَ حياةٍ لم نَعتَد عليه، وقد يكُون أكثرَ تعقيدًا.. وهذا رُبّما يَنضافُ لتَبِعاتِ سُوءِ تدبِيرِ وتسيِيرِ حُكومةٍ لامَسؤولة..
    إنّنا نؤدي ثمنَ سُلوكاتٍ مُتهوّرة منها الإسرافُ والتّبذير..
    حكومةٌ لا تُفرّقُ بين الضّروريّات.. والثّانويّات..
    وبين الدّيون، والسّيطرةِ على الدّيون.. وبين مُكافحةِ الدّيون الخارجيّة، لا بالبحث عن حلول للمشاكلِ المطروحة، بل بالجنوحِ مرةً أخرى إلى الأبناك الدولية من أجلِ المزيدِ من الدّيُون..
    إنّنا في وقتِ المُغالاةِ بين تصادُماتٍ في الاستِقرارِ المادي، والسياسي، والمَعنَوِي.. تصادُماتٌ نؤدّي ثمنَها على صعيدِ كلّ البَلد، وكلّ بناتِ وأبناءِ البلد..
    الحُكومةُ لا تُنفِقُ بحِكمة.. ولا تستَوعبُ معنًى لترشيدِ النّفقات..
    وإلى هذا يُضافُ تَدَهوُرُ الأحزابِ والنّقابات، وانتِشارُ عقلياتٍ إداريةٍ شاذّة.. لامَسؤولة..
    وحالُنا لا نُحسَدُ عليه، في تَسيِيرِ القِطاعاتِ الحيّةِ للبَلد..
    وإلى هذا، حالُ أيةِ أُسرةٍ من أوساطِنا، لا تَستَطيعُ أن تقِفَ أسبوعًا واحدًا على قدَمَيْها، لمُواجهةِ ضرورياتِ الحياة..
    ولا أُفُقَ أمامَنا إلاّ تغيِيرُ طريقةِ تسيِيرِ أحوالِنا، في التشريع والتنفيذ والقضاء، باعتبارِ هذا المثلّث أعمدةً لأركانِ الدولة..
    وعلينا - في بلدِنا - بتغيِيرِ أسلُوبِ حياتِنا اليومية، رأسًا على عقِب..
    ولا خيارَ للأُسرةِ في بلادِنا إلا المَزيدَ من التّقشّف، وهذا يعني مُواجهةَ الفَقرِ بالاعتمادِ - فقط - على الأساسيّات والضّرُورِيات..
    وعلينا بتوجيهِ تغذيتِنا إلى أمّنا الطبِيعة..
    وأن تعتَمِدَ تغذيَتُنا على الخُضر والحُبوب والبقّوليّات والماءِ الشّرُوب.. وهذا هو مَدَارُنا اليومي.. لقد جِئنا منَ الأرض، ونعيشُ من صُلبِ الأرض، ونعتمدُ على حُسنِ التّعامُل مع منتُوجِ تُربتِنا الوَطنيّة..
    وهذا هو اعتِمادُ اقتصادِنا المَنزلي.. اقتصادٌ تضامُني ترابُطِي بين أفرادِ الأسرة وكلّ المُجتمَع..
    إنه أولَويّةُ الأولويّات في حياةِ أسرةٍ عليها بتَجنّبُ التّبذِير.. أُسرةٌ تعتمِدُ أساسياتِ الحياةِ المَعيشيّة، اقتصاديّا وصحيّا ونفسيّا وعقليّا…
    وفي هذه البيئةِ الأسَريّة، تَكافُلٌ وتعاوُنٌ وترابُطٌ ومَشاعرُ إيجابيّةٌ ومَحبّة، في مُواجهةٍ جَماعيّةٍ لأوقاتِ الطّوارئ، ولحالاتِ نُقصانِ أساسياتٍ للعَيشِ والألبسةِ والأغطيّة..
    ويَلعبُ التّرابطُ بين أفرادِ الأسرةِ دورًا أساسيّا لحمايةِ الحياةِ المُشتَرَكة، ومُواجهةِ احتِمالاتِ المُتغيّرات…
    وفي هذا المُناخِ المَعِيشي العامّ، يَتعلّم الناسُ كيف يكُون الاعتمادُ على مَصاريفِ الأساسيّات، مع التّغذيّةِ الطبيعيّة، وتجنُّبِ ما هو غيرُ طبيعي..
    وفي المَنزلِ يَتعلّم أفرادُ الأسرةِ أنّ التّبذيرَ ممنُوع، وخيانةَ الأمانة مَمنوع، وأنّ الوفاءَ والتضامُنَ ضرورةٌ لمُواجهةِ صُعوبةِ الحياة..
  • والإنسانُ هو الرّأسُمالُ المِحوَرِي!
    هذا يَنشأ عليه كلّ فردٍ من الأُسرة..
    يَنشأ على أن الرأسمالَ الحقيقي، في الأوقاتِ الصّعبةِ هو الإنسان..
    ولا يكُونُ الاقتِصادُ سليمًا مُتماسِكا إلاّ بوُجودٍ فعّالٍ للعُنصُرِ الأساسي الذي هو الإنسان..
    الإنسانُ عليه المُعتمَدُ للخُروج من النّفَق، ولبناءِ المَرحلةِ القادِمة، على أساسِ أن الثّروةَ الحقيقيّةَ هي الإنسان..
    الإنسانُ هو الثّروة..
    هو العُمودُ الفِقري: منهُ تنطَلقُ المَعرِفة، وفيه يَنصهرُ الذكاءُ الطبيعي، والصناعةُ الذكيّة، وتكنولوجيا الذكاء، وكلُّ ما أصبحَ يُعرَفُ باقتِصاد المَعرفة: الاقتصادُ المبنِي على المَعرِفة..
    المعرفةُ ثروةٌ إنسانيةٌ تعنِي الأخلاقَ باعتبارِها أساسًا للتّعامُل..
  • وما قيمةُ المالِ بلا أخلاق؟
    وقيمةُ المَعرفةِ ورأسِ المال بدون تعايُشٍ مع الآخر؟
    هُنا تبرُزُ المَمنُوعات الأُسريّة، وهي قوانينُ يُعملُ بها داخلَ المجمُوعاتِ الأسَرية..
    قوانينُ داخليةٌ تحمِي وحدةَ الأُسَر، وتَمنعُ أيةَ تجاوُزات، من أفرادٍ ومجمُوعات.. ووِفق هذه القوانينِ الأسريّة، كلُّ تجاوُزٍ أُسَرِي يتَعرّضُ لزَجرّ وعقُوبات..
    قوانينُ مَحليةٌ ليست جديدة في تاريخنا الوطني..
    كان معمولاً بها منذ قديم الزمن، للحفاظ على حقوقِ الناس، ولضبطِ الواجبات..
    وهذه القوانينُ التي تضبطُ العلاقات بين الأُسَر، وخاصةً في الأوقات الصعبة، تَحظُرُ تحويلَ الثروةَ المحلّيةَ إلى فئةٍ قليلة، على حسابِ أغلبيةِ الناس..
    وكانت تحرصُ على تقنين العيشِ المشتَرك، حتى في الظروف الصعبة، لحمايةِ العلاقات.. والسلام.. والأمن.. والاستِقرار.. وهذا التّقنينُ يمنَعُ الإقطاعية.. وعقليّةَ الطُّفيليّات التي تضَعُ الاقتصادَ في قبضةِ كمشةٍ من الأفرادِ والعائلات..
    غيرُ مقبولٍ بتاتًا أن تعيشَ عائلاتٌ محدُودة، على حسابِ الأغلبيةِ الساحقة المحرومة..
    وفي هذه القوانينِ العائلية الطبيعية، توجدُ هيبةٌ للبيئةِ الطبيعية.. واحترامٌ للبحارِ والأنهار.. وثرواتِ الفضاءاتِ العمومية.. ولطبقةِ الأوزُون.. ولحياةٍ بيئيةٍ كريمةٍ للأجيالِ اللاّحقة..
  • لا يجوزُ أن يطغَى اقتصادٌ مُتوحٌش على تعايُشٍ إنساني..
    ولا أن تطغَى علاقاتٌ بلا حُقوقٍ ولا واجِبات..
    ولا أن يقُومَ اقتصادٌ جماعي على طُفيليّات..
    وهُنا يتَدَخّلُ مَجلسٌ العائلات، للفصلِ في الخِلافات، وتسويةِ المَشاكل، على أساسِ حمايةِ المَصلحةِ العامّة..
    ومن هذا التدَخّل النقاشي الجماعي، يَنبثقُ فِكرٌ اقتصاديّ مُستقِلّ، غيرُ تابعٍ لأحد، ولا يُراعي إلا مصالحَ الجماعة..
    ومن هذه تبرُزُ استقلاليةُ القرار..
  • والأخلاقُ تُحَصّنُ التّواصُل!
    وحُسنُ الخلُق، في هذا المناخ، مُؤهّلٌ لتقريبِ وجهاتِ النّظر، وتوحيدِ الأهداف..
    وحُسنُ التعامُل هو أحسنُ طريق للاشتغالِ سويّةً من أجل هَدفٍ مُشتَرَك..
    ومن هذه الأرضيةِ الطبيعيةِ للحياةِ البسِيطةِ الجماعيّة، أنتجَ الإنسانُ كل هذا التّطوّر التكنولوجي الحضاري، ثم أنتَجَ فيرُوساتٍ ما زال بها يُحاربُ نفسَه بنفسِه..
    وها قد أصبحت الضرورةُ تفرضُ - على الإنسانية جمعاء - أن تعودَ إلى أمّنا الطبيعة لكي تتدخّل من جديد، وتُصلحَ بنظامها الطبيعي البسيط، ما هي أفسَدَته بأنظمتِها الحياتيةِ المُعقّدة..
    أنظمةٌ اقتصادية هي - في البدايةِ والنهاية - في خدمةِ الرأسمال المتوحش..
    وها هي الإنسانية تنسَى أن رأسمالَها الحقيقي هو بناءُ إنسان جديد، على أساس حياةٍ بسيطة طبيعيةٍ قائمةٍ على التعايُش، واحترامِ التّعدّدية، والالتزامِ بالسلمِ والأمنِ والأمان، وحمايةِ الإنسانيةِ من نفسِها.. حمايةِ الإنسانيةِ من الجشَع والتّهوّر..
  • إعادةُ النظر في طريقةِ حياتِنا!
    وبالعدوة إلى بساطةِ الحياة، في أحضانِ أمّنا الطبيعة، نستطيعُ أن نتغذّى من الطبيعة، ونشربَ من الطبيعة، وأن نعيشَ أصحّاءَ بفضلِ الطبيعة..
    وأن نتجاوزَ الصعوبات، ونصِلَ إلى شاطئ الأمان، على مَراكبِ الحياةِ الطبيعية..
  • لا أضمَنَ لسلامةِ العيشِ المُشترَك، في أمّنا الأرض!

[email protected]

اذهبوا إلى الجحيم..!

لم تكن وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي الوحيدة التي تلاحقها تهم تضارب المصالح في علاقتها "المفترضة" مع الملياردير الأسترالي "أندرو فورست" التي فجرتها صحيفة "ذا أستراليان" وأعادت تأكيدها ...