"قفص الدجاج "و " القوة الناعمة"!

شهد العالم العربي مؤخراً حركة احتجاج واسعة سلمية ومدنية من حيث التوجه والأهداف والممارسة، وعبثاً حاولت جهات مختلفة جرّها إلى العنف، وظلّت متمسّكة بسلميتها التي هي أساس شرعيتها، وهكذا تمكنت من الإطاحة بالرئيس السوداني عمر حسن البشير واضطرّ الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الإقلاع عن الترشح لدورة خامسة كما استجاب لها رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري بتقديم استقالته، وأُجبرت حكومة عادل عبد المهدي على تقديم استقالتها.

وفي كل التجارب التاريخية فإن حركات التغيير تفجّر معها جميع التناقضات الإيجابية والسلبية، سواء أحدثت التغيير المنشود أم لم تحدثه ، الأمر الذي يثير صراعات جديدة في المستقبل، علماً بأن التغييرات لا تتحقّق دفعة واحدة ولا تأتي ناجزة أو كاملة أو نهائية، بل متدرجة وتراكمية، وستواجهها عند كل منعطف تدافعاً ومطاولة بين من يريد إبقاء القديم على قدمه، وبين قوى التغيير ذاتها التي سينفجر الصراع داخلها أيضاً، بحكم تعارض المصالح ومحاولة كل فريق الاستحواذ على أكبر قدر من النفوذ والامتيازات للهيمنة.

ودون تفاؤل مُفرط أو تشاؤم مُحبط، لابدّ من الإشارة إلى أن حركات التغيير ليست هندسة منجزة أو رسماً بيانياً جاهزاً أو خريطة طريق ذات خطوط مستقيمة، كما أنها ليست وصفة سحرية لأمراضنا الاجتماعية دون منغصات أو أخطاء أو حتى خطايا، إنها مثل كل عمل بشري معرّضة للنقد والمراجعة والتقصير، لاسيّما إذا لجأت إلى العنف أو مارسته كرد فعل على ما تمارسه السلطات بحقها.

يمكنني القول إن حركة التغيير هي جزء من قانون التطور التاريخي ، الذي لن يحدث دون تراكمات، وهي حتى وإن بدت مفاجئة، إلّا أنّ ثمة أسباب موضوعية وذاتية ضرورية لاندلاعها، وباستعادة مفهوم الانتفاضة في " الأدب الماركسي"، فهي ظاهرة خصوصية في كل مجتمع مع ما يمكن أن تفعله القوانين العامة، إذْ لا توجد صيغة جاهزة يمكن اقتباسها أو تقليدها أو نسخها، لأنها تختلف من مجتمع إلى آخر باختلاف درجة تطوره التاريخي بطبقاته وأديانه وقومياته ولغاته وهوّياته الثقافية المتعددة ، وإنْ كانت ثمة سمات عامة ومشتركة بينها، تلك التي تجلت في حركة الاحتجاج الأخيرة من أن غالبية "قياداتها" والمشاركين فيها هم من الشباب المتأثّر بالعولمة حيث لعب الإعلام والحداثة دورهما في تفجير طاقاته، ولاسيّما مواقع التواصل الاجتماعي، كما أنّ أبرز شعاراتها انصبّ على الكرامة وتحسين الأوضاع المعيشية ومحاربة الفساد، وإن عمقها الحقيقي هو الطبقة الوسطى.

لقد احتار البعض في تفسير انطلاق حركة الاحتجاج وبهذا الحجم والشساعة والامتداد، فلم تسعفه الدعاوى الآيديولوجية من عدم وجود حامل اجتماعي أو قيادة معلومة للحركة محاولاً قياسها بمسطرة قديمة، لم تعد تصلح لعصر العولمة، واستسهل البعض الآخر اتهامها بالخضوع لتعليمات قوى مريبة وتداخلات خارجية، وهي موجودة بالفعل، بل وحاضرة عند كل متغيّر، تستطيع أن تحشر نفسها فيه سريعاً، لكن هؤلاء ينسون أو يتناسون الشعور بالتمييز وغياب المواطنة المتساوية وازدراء الكرامة الإنسانية التي ظلّت السلطات تمارسه لسنوات بحق المحكومين.

وثمة خصائص مشتركة في حركة الاحتجاج الجديدة، وهي علنيتها وعمومية شعاراتها وتشبّثها بهويّتها الوطنية واستخدامها لشبكة التواصل الاجتماعي، فلم يكن لها "عرّاب واحد " أو " أب قائد" أو "زعيم ملهم"، ولا حتى وجود"حزب ثوري" يقودها، وليس هناك "نظرية ثورية" كمرشد للعمل كما يقال عادة بالنسبة للثورات، فقد رفضت الشابات والشبان "قفص الدجاج" الذي وُضعوا فيه لسنوات تحت تأثير تخديرات الآيديولوجيا الغيبية وغير الغيبية وادعاء امتلاك الحقيقة والزعم بالأفضلية وتقديم ذريعة الأمن على الكرامة، وكل هذه العوامل قادت إلى نضوج "اللحظة الثورية" بارتفاع نبض الوعي الوطني واليقظة الإنسانية والتشبث بفكرة المواطنة، مع ميزة مذهلة هي قدرة الشابات والشبان على التمسك بسلمية الحركة ولا عنفيتها بصورة واقعية فائقة، بحيث أصبحت حركة احتجاجهم "قوة ناعمة" جبارة وعقلانية حتى وإنْ كانت تذكّر بعصر المداخن إبان الثورة الصناعية.

لعل قول غرامشي "القديم يحتضر والجديد لم يولد بعد" ، هو ما ينطبق على تجارب التغيير جميعها تلك التي عانت وتعاني من طول الانتظار وعسر الولادة وأحياناً عدم اكتمال المولود بسبب ثقل الماضي وامتداداته وتأثيرات القوى المخلوعة أو التي يُراد خلعها، لكن التغيير إذا ما بدأ فلا يمكن وقف قطاره حتى وإن انحرف أو تعثّر أو تأخر أو تلكأ بفعل القوى المضادة، وهو ما توضحه التجربة التاريخية بحكم وجود بيئة مشجعة له داخلياً وخارجياً، فضلاً عن مشاركة وازنة من المرأة ودور متميّز لمؤسسات المجتمع المدني والتساوق مع روح العصر، وحتى لو كان الطريق وعراً ومنعرجاته كثيرة، فإن بقاء الأوضاع على ما هي عليه أصبح مستحيلاً مثلما هي العودة إلى الماضي، والأمر له علاقة بإحياء الهوية الثقافية والمعرفية لدى المحتجين الذين شعارهم بشكل عام " نريد وطناً".

باحث ومفكر عربي

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع مشابهة

مُحَـــدِّدَاتُ معدلاتِ الفائدة

يمكن تعريف معدل الفائدة بأنه بمثابة تكلفة استعمال الرأسمال. حينما يتم اقتراضه، وهو ما يحدث في غ

الخميس 27 فبراير 2020 - 0:26

خريف الجامعة

على ربوع هذا الفضاء الفسيح من العالم العربي، قلما يتفق الفاعلون، من أي المشارب كانوا، كما يتفقو

الأربعاء 26 فبراير 2020 - 6:17

التربية على الدولة المدنية

لم يكن المسرحي والكاتب الألماني برتولت بريخت واهماً أو حتى حالماً حين قال: "أيها الجائع تناول

الأربعاء 26 فبراير 2020 - 6:08

ليتك لم تفعلها يا قاسم سليماني!

«الرئيس السوري بشار الأسد كان على وشك الاستقالة لولا قاسم سليماني القائد السابق لــ«فيلق القدس»

الأربعاء 26 فبراير 2020 - 6:05

مُخترع "كورونا"

ثمّة مثلٌ قديمٌ مثل الصين يقول إن الصينيين لا يمكنهم أن يفعلوا أي شيء إلا بامتياز. وقد طُبّق هذ

الأربعاء 26 فبراير 2020 - 6:01

إنهاءُ "المُجتَمعِ المَدَني"!

ماذا يحدُثُ للمُجتمعِ المَدَني؟ لم نَعُد نَسمَعُ أنّ عدَدَ جَمعياتِنا يتَحدّدُ في حوالي 100

الأربعاء 26 فبراير 2020 - 5:58

لينين، كراكوف وأوشفيتز

حين قرأت خبر الاحتفال بالذكرى الـ 75 لتحرير "معسكر أوشفيتز" (27 يناير/كانون الثاني 1945) على أي

الثلاثاء 18 فبراير 2020 - 17:35

التّبذيرُ في سيّاراتِ الدّولة!

  - يا رئيسَ الحكومة! ألاَ يَستَوقِفُكُم الوَضعُ الاقتصادِي المُزرِي الذي يَدفعُ بلدَنا إل  

الإثنين 17 فبراير 2020 - 7:42

فرنسيون أكثر من الفرنسيين!

اشتد الصراع بين "العثمانيين الجدد" وفرنسا في عدة ملفات في الآونة الأخيرة وخاصة بعد خروج تركيا ب

الأحد 16 فبراير 2020 - 9:39

التمويل التعاوني crowdfunding آلية عملية لتمويل حاملي المشاريع

يأتي قانون التمويل التعاوني crowdfunding في إطار مراجعة السياسات الوطنية المعمول بها فيما يتعل

الخميس 13 فبراير 2020 - 8:42