قِيلٌ وقَال!

 قِيلٌ وقَال!
أحمد إفزارن
الأحد 24 أبريل 2022 - 21:41

■ هذا رأيٌ لا يَقصِدُ أحدًا۔۔ ولا يَستَهدِفُ أيًّا كان۔۔
رأيٌ في تعقِيداتٍ نعِيشُها، في خِضَمّ مُستَنقَعاتِ "القِيلِ والقَال" التي لا مَعنَی لها إلاّ الانشِغَال السّلبِي بالغَير، مِن أَجلِ التّغطيةِ علی عُيُوبٍ  ذاتيّة۔۔
وفي هذه الظّرُوف، لا أحَدَ يَسْلَمُ مِن ألسِنَةِ النّاس۔۔
النّمِيمةُ لا تَأتي من فَراغ۔۔
لها أسبابٌ منها الشعورُ بالدّونيّة، والغِيرةُ، والحَسَدُ، وحُبُّ الاستِحواذِ على ما يَملكُ الغَيرُ من مالٍ وشُهرَة۔۔
• وَباءُ "القِيل والقَال" مُنتَشِرٌ بِمُختَلفِ مُستَوَياتِنا الاجتِماعيّة۔۔
النّاسُ تَطعَنُ في ظَهرِ بَعضِها۔۔
وهذا مرَضٌ قد تَسَرّبَ إلی أحياٸِنا ومُنتَدَيَاتِنا الثّقافية والإعلاميّةِ وغَيرِها۔۔۔
وعلی العُموم، عِندَما يَنتَشرُ "القِيلُ والقال"، وحتّی تحتَ غِطاءِ النّقد، أو إصْلاَحِ الآخَر، تكُونُ لهذا السّلُوكِ خَلفيّاتٌ نَفسانيّةٌ غيرُ مُتَوازِنة۔۔
ومِن المُرادِفاتِ المُتدَاوَلة للنّمَّام: أفَّاك، مُفْتَرٍ، مُفْسِد، وَاشٍ، وَقَّاع۔۔۔
■ وفي زَمَنِ النّميمَةِ القُصوَی۔۔
النّاسُ تنهَشُ بَعضَها، باتّهاماتٍ عَشواٸيّة۔۔
اتّهاماتٌ بدُونِ إثبَات۔۔
لماذا لا تُفكّرُ هذه الفِٸاتُ النّمَّامةُ في حُرمةِ غَيرِها؟ خاصّةً عٍندَما يكُونُ مَطعُونٌ في كرَامتِه غاٸبًا، وليسَت لهُ قُدرَةُ الرّدّ، والدّفاعِ عن الذّات۔۔
هذا سُلُوكٌ مَرَضِيّ لا يَمَسّ فردًا واحدًا فقط۔۔ هو طَعنةٌ في ظَهرِ كُلّ المُجتَمَع۔۔
هل هذا فضاءٌ طبِيعِيّ؟ هل طبِيعيٌّ أن يَسقُطَ مُجتَمَعُنا لهذا المُستَوَی منَ التّرَدّي؟
إنّ هذه حالةٌ غيرُ عادية، فبَدَلَ نقْدِ ظَواهِرَ سلبيّةٍ في تَدبِيرِ الشأنِ المَحلّي، أو ما يهُمّ كُلَّ الحياةِ العامّة، تَنزَلقُ الألسُنُ إلی سُوء تفسِيرِ ما قِيلَ عن فُلان، مِن قِبَلِ عِلاّن۔۔ هل الأقاوِيلُ في ذاتِها إثبَات؟
عِندَها، وفي غيابِ إثبَاتات، نَسقُطُ في تناقُضاتِ "القِيلِ والقال"۔۔ وفي تفاهةِ ما سَمِعْنا۔۔ وتفاهةِ ما ابتَلَعْنا۔۔
وليس كلُّ ما يُقالُ صَحِيحًا۔۔
كثيرٌ مِمّا نَسمَعُ أو نَقرأُ سَليمٌ مِن حيثُ عاهةُ "الزّيادةِ والنُّقصان"، أو مَصالحِ التعاطُفِ مع فُلان، ابنِ العاٸلة، علی حسابِ حقوقِ الشّخصِ الغاٸب۔۔
ثُمّ تضِيعُ الحُقُوق۔۔
ويَتِمُّ تلطِيخُ الغيرِ بالإشاعات۔۔
■ ويَغِيبُ التّثَبُّتُ والتّدقِيقُ والتّحَرّي۔۔
وهذا ما وقَعْنَا فيه، ونَحنُ في زمن تَغلِيبِ المَصالِح۔۔
المَصالِحُ قد تُحَوِّلُ المَظلُومَ إلی ظالِم۔۔
وأمامَ المَصالِحِ تَنهارُ القِيّم، ولا نرَی أخطاءَنا التي أصبَحنا بِها نَخسِرُ أنفُسَنا، ونَخسِرُ غيرَنا۔۔
وعلی صَخرةِ المَصالِح، تتَحطّمُ المِصدَاقيّة۔۔
• وإلی هذه الحال قد أوصَلَتنَا ثقافةُ النّمِيمَة۔۔
والنّميمةُ حَسبَ التّعريفِ المُتداوَل، هي نشرُ "الكلاَم" من أَجلِ إشاعةِ فَساد۔۔ والنّمّامُ هو مَن يَنشُرُ نفسَ "الكَلاَمِ" بدُونِ التّثبُّت، ويُغامِرُ بإعادةٍ نَشرِه وإشاعتِهِ وكأنّهُ حقيقَة۔۔
• والصّحافةُ نَفسُها قد تَسقُطُ في هذا الخَطَأ، خاصّةً إذا مَا طغَی عليها هاجِسُ النّشر، حتّی بدُونِ "التأكُّدِ مِن صِحّةِ المَضمُون"۔۔
لقد تَرَدّدَ عبرَ التّاريخِ الفِكري العالَمِي، وبأقلامٍ وألسِنَةٍ مِن مُختَلفِ الأجنَاس، ما يُفِيد‌ُ أنّ علی كلّ شَخصٍ ألاّ يُصّدّقَ ما يَقرَأ ويَسمَع۔۔۔ وأنّ عليهِ بإعمالِ العَقلِ في ما تصِلُهُ مِنْ أخبارٍ ومَعلُومَات۔۔۔
ويُنصَحُ بالغَربَلةِ والتّمَحُّص: هذه مِن أدواتِ التّأكُّد۔۔
ومِن فُنُون الحياة۔۔
• وفي "مِهنةِ المَتاعِب": الصّحافي يُقَدّمُ في كتاباتِه إثباتات۔۔
ومِن حق مُستَهْلكِ المادّةِ الإعلامية أن يَشُكّ في أيّ مَنتُوج۔۔ ويُنصَحُ المُتلَقِّي بالشّكِّ في المَنشُور، ليس بهدفِ الشّكّ من أجلِ الشّكّ، بل للتّأكُّدِ مِنْ صحّةِ المَعلُوماتِ الوارِدة۔۔
وعلی هذا الأساس، يُدَقّقُ الصّحافي في مَنتُوجِه، لصياغةِ مَعلُوماتِه وتَحليلِه واستِنتَاجِه، في سياقِ التّحقُّقِ والتّدقيقِ وإنضاجِ المَادّةِ الصحافية۔۔
معَ إضفاءِ لمَساتٍ عَقليةٍ وانسِجاميّةٍ جَذّابةٍ مُٶهَّلةٍ للإقنَاع۔۔
وبعد التّأكُّد مِن عَقلانيّةِ المَنتُوج، تُستَخدَم المعلُوماتُ المُٶكَّدة، لصيّاغَتِها في قالَبٍ مِن الأفكارِ ذاتِ الجاذِبيّةِ المُتوافِقةِ المُتناسِبة۔۔
وعِندَها يُمكِنُ للنّقدِ أن يُعالِجَ المَضمُون، بطريقةٍ ناقِدة، ولا يُسمَحُ للنّاقِدِ بالدّخولِ إلی الحياةِ الشّخصيةِ لِلمُنتَقَد۔۔
وهذا تَعرِفُهُ الصّحافة، وتُدَرّسُهُ المَعاهِدُ المُختَصّة۔۔
ولا يجُوزُ تحويلُ النّقدِ البنّاء إلی حساسيّاتٍ مُدَمِّرَة للعَلاقاتِ الإنسانيّة۔۔
■ أينَ يَكمُنُ بَلاَءُ "القِيلِ والقَال"؟
هو سَاكِنٌ في عُقدَةٍ اجتِماعيّة: "أنا أفضَلُ منَ الآخَر۔۔ وأَقوَی۔۔ وأَمهَر۔۔ وأنا۔۔ وأنا۔۔۔"۔۔
وبِهذِه الأنَا المَرِيضة، أَصبحنا نحنُ المُشكِلَة۔۔ والخَلَل۔۔
وبدَلَ البَحثِ في دَواخِلِنا، لإصلاحِ عيُوبِنا، وتقويمِ نَواقِصِنا، لا نرَی أنفُسَنا، بل فقط عيُوبَ غَيرِنا۔۔
وكثيرُون يُنغّصُون حياةَ غَيرِهِم، ولا يَنشغِلُون بإصلاحِ اعْوِجاجاتِهم۔۔
ولا يَتَحرّرُون مِن زلاّتِ الآخَر، ويَبقَون حَبِيسِي أمراضِ "عُقدةِ الغَير"۔۔
■ ومَخاطِرُ أُخرَی هي التّشهيرُ بالناس۔۔
ومِنها إعادةُ نَشرِ "عُيوبِ الغَير"۔۔
مَن يَفعلُ هذا، يَجعَلُ مِنَ النّقاٸصِ أَمرًا عاديّا، حتی وهِي غَيرُ طبيعِيّة۔۔
إنّهُ يُمَرّنُ المُجتمَع علی سُلوكٍ مُنحَرِف۔۔ وهذا تَروِيضٌ علی الْتِوَاءٍ وعَدمِ استِقامة۔۔
ويَنسَی المُجتمعُ أو يتَناسَی أنّ المُهمّةَ الأُولی لأيّ إنسانٍ هي فقط ما هُو مُطالَبٌ به، وهو إصلاحُ نَفسِهِ۔۔
ولكي يَفلحَ في ما هو مَطلُوبٌ به اجتماعيًّا وإنسانيًّا وأخلاقيًّا، عليه بالتّركيزِ علی مُعالجةِ عُيوبِ نفسِه، لأنّ هذه أَوْلَی بالإصلاح۔۔
وعليه أيضًا أنْ يَكُفَّ عن التّجسُّسِ علی الناس۔۔ وعن تتَبُّعِهِم۔۔ وترَصُّدِ زَلاّتِهم۔۔ وعَن تِردَادِ ذِكرِ عيُوبِهم۔۔
■ وفي أَنْسَنَةِ التّناقُضاتِ العَلاقاتِيّة۔۔
الحياةُ بسيطة۔۔ وليست داٸمًا مُعقّدة۔۔ فيها الأخذُ والرّدّ۔۔ وعلی المَرءِ أن يتَأقلَمَ مع كُلّ الظروف، ويُحافِظَ علی توازُنات الحياة۔۔
 وأن يعيشَ حياتَه كما يُريد۔۔
ولا يَعبأُ بِرَأيِ غيرِه، وخاصةً إذا كان مُجحِفًا۔۔
• حياتُك أنتَ تعِيشُها۔۔ وأنتَ عنها مسٶول۔۔
أمّا الآخرُ فليس مسٶولاً إلاّ عن نفسِه۔۔
وإذا تَجاوَزَ أحدٌ حُدُودَه، فهذا علی العُمومِ اعتداءٌ علی ذاتِه۔۔
وقد قِيلَ قدِيمًا: "حُريتُكَ تنتَهِي حيثُ تَبدأُ حُريةُ غَيرِك"۔۔
افعَلْ ما أنتَ به مُقتَنِع۔۔ ولا شأنَ لكَ بغيرِك۔۔
ولا تنسَ حُد‌ُودَك۔۔
■ ويَا هذا!
هذه طبيعةُ الحياة۔۔
مَن يتَشبّثُ بهذه الطبيعة، لا تُفَرّطُ فيه۔۔
وبالتِزامِ الحُدُودِ في الحُقوقِ والواجِبات، يُمكِنُ لكُلّ طَرَفٍ أنْ يَعِيشَ حياتَهُ بنَفسِهِ لنَفسِه، ومع احترامِ حُدُودِ غيرِه۔۔
وعِندَها لا تكُونُ الفَرديةُ مُستَحيلة۔۔ تكونُ مُمكنةً بإدخالِ تغيِيراتٍ بسِيطَةٍ بين الحينِ والآخَر علی فِكرِكَ وسلُوككَ تُجاهَ غيرِك۔۔
وبِجِد‌ّيةٍ وهُدُوءٍ تَفرِضُ احترامَك علی كلّ مَن يتطاولُ علی حقّك في سلامٍ داخلي۔۔
والسلامُ الداخلي لأيٍّ مِنّا مُمكِنٌ جدّا، وفي أيةِ ظرُوف، ومِنها ما يُسمَّی حياةً بسِيطة۔۔
وكثيرًا ما تكونُ البساطةُ حمّالةً لِسعادةٍ نابعةٍ من أعماق أيّ إنسان۔۔

• وقِيلَ: "مِنَ الخِصالِ الحَمِيدة نشرُ إيجابيّاتِ الآخَرِين"۔۔
■ وقال مُحمّدٌ رسُولُ الله:
«طُوبَى لِمَن شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَن عُيوبِ النّاس»۔
[email protected]

تعليقات
جاري تحميل التعليقات

هناك ما هو أهم من "ذباب الجزائر"!

لم تكن العلاقة بين المغرب والجزائر ممزقة كما هو حالها اليوم. عداء النظام الجزائري لكل ما هو مغربي وصل مداه. رئيس الدولة كلما أُتيحت له فرصة الحديث أمام وسائل الإعلام ...

استطلاع رأي

في رأيك، من هو أسوأ رئيس حكومة مغربية خلال السنوات الخمس والعشرين من حكم الملك محمد السادس؟

Loading...