لعنة الأصدقاء والكتب

 لعنة الأصدقاء والكتب
عبد الكريم ساورة
الثلاثاء 16 أبريل 2024 - 17:22

لا أستطيع أن أصَدِقَ عيني عندما ألتقي صديقا من أصدقائي في الدراسة المقربين سواء في الإعدادي أوالثانوي وجها لوجه، فيلتفت ويرفض حتى أن نتبادل التحايا لأنه ناقم عن الوضع لأنه تجاوز سن 45 من عمره ولم يشتغل رغم أنه حاصل على الإجازة وكان فعلا متفوقا في دراسته، لكن قد تكون الأقدار أو سياسة البلاد الفاشلة أو الحظ  لم يكونا في جانبه، ولعل كل هذه الأسباب جعلت منه أنسانا ناقما على الجميع ومقاطعا لهم بما فيهم أصدقاء الدراسة الذين حصلوا على بعض الوظائف الصغيرة، فيعتبرهم من المحظوظين ومن الأعداء في نفس الوقت.

بصراحة في كثير من الأحيان أحاول تفسير هذه الظاهرة بشكل علمي ومنطقي، فلا أستطيع بالمرة، وكثيرا ما أتساءل كيف يمكن تفسير هذا الأمر، فجلنا كنا ندرس في قسم واحد في العلوم الإنسانية ، وبعد الحصول على الباكالوريا تتفرق بنا السبل، فهناك من اشتغل في التعليم وهناك من اشتغل في الجماعات الترابية و الأمن والدرك وهناك من ذهب إلى ايطاليا وهناك من أصبح يبيع ويشتري في الخضر أو الفواكه أو الأحذية أو في الألبسة بل هناك من يشتغل في البناء كمياوم وهناك من أصبح حارس للسيارات، وغيرها من المهن، بل هناك من أصيب بالجنون وتم نقله إلى الولي الصالح بوياعمر الذي تم  إغلاقه مؤخرا. هل هذه أرزاق كما يسمونها العوام والعلماء على حد سواء أم هي أقدار أم هي حقيقة الأمر ، هل كانت هناك جوانب خفية في هذا التوزيع ؟ وهل فعلا كان توزيعا عادلا في نهاية المطاف ؟

لا أستطيع أن أجيب عن هذه الأسئلة حتى لا أتهمَ أنني أتجاوز المشيئة الإلهية، وأُعتبرْ أنني تجاوزتُ الإختصاص الإلهي، لأن الكثير من المؤمنين إيمانا مطلقا يعتقدون أن الأمر لله وحده وهو المتصرف الأول والأخير في الكون، وهو وحده من يختار لنا ما يناسبنا في هذه الحياة، وهذا الإختيار حسب ظنهم أنه مجرد امتحان لنا يعرف به الله ماذا قبولنا وتقبلنا لحكمه وكذلك هو فرصة لنتعرف به على الله في أصغر أحكامه لنا ولمصائرنا في هذه الحياة الفانية، لكن تظل حيرتنا دائما كبيرة ومفزعة في هذه المواضيع المربكة وتحتاج إلى جواب شاف.

لا أريد الخوض في هذا الجدل، لأنه متعب وصعب وقد يؤدي بنا إلى إنزياحات ومنعرجات وعرة وخطيرة، وقديما قال العلماء عن قول الله تعالي في سورة المائدة الآية 101 " لاتسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم "، لكن عدم السؤال في نظري هو دفن للعقل والروح معا والعيش بدون  هذه الملاكات المميزة، لأن السؤال هو بداية العيش ونهايته.

وعلى هذا لأساس ونحن نعيش في هذه الحياة، لانستطيع أن ندفن الماضي، فهو جزء منا، والأصدقاء القدماء هم جزء من هذا الماضي لانستطيع التخلص منهم ومن ذكرياتهم التي تعتبر رصيدنا التاريخي، فلهذا ففي كل مرة نلتقي بصديق قديم في الطريق أو الشاطئ أو في إحدى المناسبات،  نستحضر تلك الأيام التي أصبحنا نعتبرها جميلة بحكم قِدَمِها، ونعطيها من القداسة أكثر مما تستحق ولهذا فإننا نجد فيها لذة وتنفيس واستعادة للذات، فهي تمنحنا ذلك الإحساس الغريب والذي لانعرف كيف نعبر عنه سوى بالدموع أو بالحكي المالح أو بالذكريات المضحكة والمخجلة ، لأن الحياة في الأول  والأخير هي مجرد مزحة على حد تعبير ميلان كونديرا .

 ومع ذلك ألايمكن أن نتساءل مع أنفسنا قائلين في همس : ألايمكن أن نعيش بدون أصدقاء إذا تطلب الأمر ذلك ؟

في نظري يمكن أن نعيش بدون أصدقاء ولكن عندما يتعذر علينا الأمر في العثور على من يحمل هذه الصفة، وهم كثر مع الأسف الشديد، إلا أن بوسيك وهوشخصية عالمة استشهدت بها الكاتبة التركية إليف شافاق في روايتها "  الفتى المتيم والمعلم " حيث كان يؤمن  إيمانا مطلقا أن في الحياة نعمتين يجب  المحافظة عليهما هما: الأصدقاء والكتب. 

بصراحة لا أعرف لماذا اختار هذا الشخصية العالمة هذا الاختيار الأرعن ؟ فأغلب الأصدقاء كثيرا ماتربطك بهم المنافع والمصالح والكثير من الحسد والخيانات ولما لا فقد يصل الأمر إلى تسريب حتى أسرارك الحميمية، أما الكتب فكثيرا ماتؤدي بك إلى الزنازن والعزلة القاتلة والعداوات الكثيرة المجانية وإن نجوت منهما بفعل الحظ فقد تؤدي بك مباشرة إلى مستشفي المجانين وهذه نعمة ربما لا تقدر بثمن .

كاتب صحفي مغربي

تعليقات
جاري تحميل التعليقات

اذهبوا إلى الجحيم..!

لم تكن وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي الوحيدة التي تلاحقها تهم تضارب المصالح في علاقتها "المفترضة" مع الملياردير الأسترالي "أندرو فورست" التي فجرتها صحيفة "ذا أستراليان" وأعادت تأكيدها ...