لكريني: موقف المغرب من "نبع السلام" سيادي وعقلاني.. وإجماع العرب غير حقيقي

رغم أن المغرب لم يتحفظ بشكل صريح ومباشر على مخرجات الاجتماع الوزاري لجامعة الدول العربية الذي انعقد السبت بدعوة من مصر، عقب بدأ عملية "نبع السلام" العسكرية التركية ضد المسلحين الأكراد في شمال سوريا، إلا أن المملكة أبانت ضمنيا، عبر تصريحات وزير الشؤون الخارجية، ناصر بوريطة، التي خص بها موقع "الصحيفة"، عن عدم استعدادها الانسياق مغمضة العين خلف الأجندة المصرية الإماراتية السعودية.

وكشف البيان الختامي للاجتماع عن محاولة الأطراف المناوئة لأنقرة رفع السقف عاليا في مواجهة خصمها الإقليمي هذه المرة، بالإعلان عن جملة من "الإجراءات العاجلة" التي تشمل خفض العلاقات الدبلوماسية ووقف التعاون العسكري ومراجعة مستوى العلاقات الاقتصادية والسياحية معها، وهو الأمر التي تحفظت عليه قطر والصومال في حينه، أما المجلس الأعلى للدولة في ليبيا فقال إن "قرارات وبيانات الجامعة العربية رهينة لحسابات وأجندة مصر والإمارات"، في تعبير ضمني عن رفضه للبيان.

ليس موقفا مغربيا بالضرورة

أما وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة، فقد كان أكثر دبلوماسية في النأي بالمغرب عن مخرجات هذا الاجتماع، حين قال في حديثه لـ"لصحيفة" إن سبب عدم تحفظ المغرب في حينه عن مضامين البيان الذي أعقب الاجتماع الوزاري الطارئ، مرده إلى "عدم رغبة المملكة في الخروج عن الجو العام للاجتماع".

وتابع بوريطة مفسرا "القرارات الصادرة عن مثل هذه الاجتماعات لا تعبر بالضرورة دائما عن الموقف الرسمي للمملكة، موردا أن "المغرب عندما يرى أن قضية ما تهمه بشكل مباشر فإنه يصدر موقفه الوطني عبر قنواته الرسمية الوطنية".

د.إدريس لكريني

ويرى أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بمراكش، إدريس لكريني، أن بوريطة عبَّر بهذا الكلام "عن الموقف السيادي للمغرب تجاه محيطه الإقليمي والدولي"، مشددا على أن المملكة حين تريد التعبير عن مواقفها من القضايا التي تهمها تلجأ لقنواتها الرسمية بعيدا عن الجامعة العربية، "التي ليس لها وجود من الناحية الواقعة".

ووصف لكريني الموقف المغربي بـ"العقلاني" موردا أن فيه "وعيا كبيرا بما يجري اليوم من تضارب في العلاقات البينية العربية"، خالصا إلى كونه امتدادا طبيعيا لـ"الدينامية التي تعرفها السياسة الخارجية للمغرب خلال السنوات العشر الأخيرة، حيث اختارت المملكة الوضوح وتجنب الاختباء خلف العبارات الفضفاضة، ووضعت المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار".

ليست المرة الأولى

وإن كان المغرب اختار هذه المرة "الانتقاد الضمني" لطريقة عمل جامعة الدول العربية، فإنه في السابق كان مباشرا في التعبير عن عدم رضاه عن هذا الواقع، مثلما كان عليه الأمر في رسالة الملك محمد السادس لأشغال المؤتمر الـ13 لمؤسسة الفكر العربي الذي عقد في الصخيرات في دجنبر 2014، حين دعا إلى ضرورة "إصلاح الجامعة وتعزيز صلاحياتها، لأنها الإطار المناسب لمعالجة القضايا العربية، ولوضع مخططات التنمية والوحدة".

وتابع الملك أن "ما يبعث على الحسرة والأسف في العالم العربي هو واقع التجزئة والانقسام الذي يطبع العلاقات بين الدول العربية التي تعيش على وقع خلافات بينية مزمنة، وصراعات داخلية عقيمة، فضلا عن تنامي النعرات الطائفية والتطرف والإرهاب" مضيفا أن "دولا عربية تهدر طاقات شعوبها في قضايا وهمية، ونزاعات مفتعلة تغذي نزوعات التفرقة والانفصال".

وفي فبراير 2016 عبر المغرب عمليا عن اقتناعه بعدم جدوى القمم العربية، حين اعتذر عن تنظيمها بمدينة مراكش في رسالة موجهة للأمين العام لجامعة الدول العربية، وهو الأمر الذي قالت وزارة الخارجية حينها إنه يأتي بـ"توجيهات ملكية"، موردة أن "القمة العربية لا يمكن أن تشكل غاية في حد ذاتها، أو أن تتحول إلى مجرد اجتماع مناسباتي".

واستند قرار المغرب على قراءته لـ"التحديات التي يواجهها العالم العربي اليوم"، ليخلص إلى أن "الظروف الموضوعية لا تتوفر لعقد قمّة عربية ناجحة وقادرة على اتخاذ قرارات في مستوى ما يقتضيه الوضع العربي".

واستحضر الكريني هذين الموقفين في حديثه لـ"الصحيفة" ليشير إلى أن مواقف المغرب من عمل الجامعة العربية "ليست اعتباطية، فهو يعي أن هذه الأخيرة صارت فضاء لاستهلاك الوقت، بالإضافة إلى إصدار مجموعة من المواقف المتضاربة".

وأورد مدير مجموعة الأبحاث والدراسات الدولية حول إدارة الأزمات أن الجامعة العربية اليوم "تعيش أزمات متلاحقة انطلقت منذ حرب الخليج الأولى، والتي نتج عنها ارتباك لم تستطع الخروج منه إلى اليوم"، مبرزا أن ذلك "أثر بالسلب على أداء المنظمة حتى غدت من الناحية الواقعية وكأنها غير موجودة، وهو الأمر الذي يعيه المغرب جيدا".

دعوة لإصلاح النظام

وكشف الكريني عن قراءة أخرى للموقف المغربي في علاقته بطريقة عمل جامعة الدول العربية، إذ أورد أنه رغم انسجامه مع ميثاق الجامعة إلا أنه يحمل إشارة إلى كون النظام الحالي "غير فعال، إذ لا يمكن أن تتحول الجامعة إلى وسيلة لبلورة مواقف بعض الأطراف بما لا يتماشى والمصالح الوطنية لأعضاء آخرين في المنظمة".

وكتفسير لذلك قال أستاذ العلاقات الدولية إن القرارات في الجامعة العربية تتأخذ عادة بالإجماع، ولكنه إجماع غير حقيقي، بالنظر لوجود اختلافات في مواقف الدول الأعضاء، وبروز استقطابات فيما بينها، مثل ما حدث خلال الأزمة الخليجية، ما يجعل ميثاق الجامعة بشكله الحالي "هشا"، وهو الأمر الذي انتبهت إليه المملكة.

وخلص الكريني إلى أن المغرب اختار البقاء بعيدا عن الاستقطاب، وانتهج الحياد الإيجابي وعدم الدخول في مقاربات بعيدة عن الواقعية، وهو ما عبر عنه مثلا عقب الأزمة الخليجية، ثم اليوم من خلال موقفه من العملية العسكرية التركية في شمال سوريا، واصفا مثل هذه المواقف بـ"البناءة"، وبأنها تتوخى أساسا "مصالح المملكة".

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .