لَسْنَا صَامِتِين!

 لَسْنَا صَامِتِين!
أحمد إفزارن
الخميس 31 مارس 2022 - 13:44

■ الصّمْتُ ليسَ دائِمًا حِكمَة!
الحِكمَةُ قد لا تَأتِي إلاّ مِن حُسنِ الإصغَاءِ والتّأمُّل والتّفاعُل.. أمّا الصّمتُ في ذاتِه، فقد يكُونُ أحيانًا مَصْدَرَ غَبَاء..
وهذا لا يُلغِي رُؤيةً مُعاكِسَةً إيجابيةً لِلتّفكِيرِ بطريقةٍ أُخرَى..
وفي هذا يُقال: "اِعْمَلْ في صَمْت، ولا يَجِبُ أنْ يَكُونَ الصّمْتُ عَمَلَك"..
وفي نَفسِ التّوَجُّه، مَقُولةُ لِعَالِمِ الرّياضيّاتِ اليُونانِيّ "فِيثَاغُورْسْ"..
يَقُول: "الصّمتُ أفضَلُ مِنْ كَلِماتٍ بلا مَعنًى"..
وفي هذا السّياق، قِيلَ أيضًا: "الإنسانُ بحَاجةٍ إلى عامَيْن كَيْ يتَعلّمَ الكَلاَم، وإلى سِتّينَ عاماً كيْ يتَعلَّمَ الصَّمت"..
وقِيل: "كَثرَةُ الكَلامِ تدُلُّ على قِلّةِ العَقل"..

■ هَلْ كَثرةُ الكلامِ جُنُون؟
وهَل الإكثارُ منَ الكَلام، يَعنِي قِلّةَ العَقل؟
إنّ بَشرًا قد تَراهُ على الطّريق صامِتًا، أو شِبهَ صامِت، ثُمّ يَتبَيّنُ أنّهُ يُكَلّمُ نَفسَه، أحيانًا بصَوتٍ مُرتَفِع..
ويَتَساءَلُ الناسُ إن كانَ هذا الشّخصُ مَجنُونًا..
أكيدًا، ليس كذلك..
وفي هذه الحالَة، نَستَحضِرُ عَمالِقةً مِنهُم: "ألبِير إينَشْتَايَن".. لقد حَسِبَهُ كثِيرُونَ مِن مَشاهِيرِ الجُنُون، بينَما هو ليسَ كذلك.. إنهُ عَبقرِيّ، وتحدِيدًا هُو الفِيزيائيّ الكبِير، مُبدِعُ "نَظريّةِ النّسبيّة"..
▪︎كان "إينَشْتَايَن" يُكَلّمُ نَفسَه جَهرًا في الشارعِ العُمُومِي.. ويَحارُ الناسُ في أمرِه..
ثُم تَبيّنَ أنّ العَبقريةَ ما كانت وَقفًا على الصّامِتِين..
عَباقِرةٌ كثِيرُونَ يُناقِشُون أنفُسَهُم، وبصَوتٍ مُرتَفِع، في أُمُورٍ مُتَنوّعَة، مِنها قضايا خُصّوصيّة..
ثم تَأكّدَ أن مُناقَشَةَ المَرءِ لِنَفسِه، ليسَ دائمًا سَلبِيّا.. قد يكُونُ إيجابيّا.. مُفيدًا.. يُتِيحُ المَجالَ لِحُلُولٍ لم تَخطُر بِبَال.. ويَحُلُّ مَشاكِلَ حتى في مَجالاتٍ شديدةِ التّعقِيد..
وبعدَ دِراساتٍ عِلمِيّةٍ في هذا الشّأن، وشَهاداتٍ حَيّة، واستِنتاجات، تأكّدَ أنّ مُحاوَرةَ المَرءِ لنَفسِه، حتّى بصَوتٍ مُرتَفِع، يُفِيدُ في انفِتاحِ المَرءِ على حُلُولٍ جِذريّة، وأفكارٍ عميقةٍ أساسيّة..
وتأكّدَ أنّ هذا يقُودُ إلى اكتِشافاتٍ ونَجاحاتٍ في الحَياةِ الخاصّة، وإلى نِقاشاتٍ إيجابيةٍ أُخرَى ذاتيّة..
▪︎والعَيْبُ لا يَكمُنُ في الحِوارِ الذّاتي، صامِتًا كانَ أو ثَرثارًا، بل في الطرِيقَةِ التي يُدِيرُ بها المَرءُ هذا الحِوارَ مع نَفسِه.. الطريقةُ في حَدّ ذاتِها قد تكُونُ سالِكَة، وقد تكُونُ مُعاكِسة..
واحِدةٌ قد تُجْدِي، وأُخرَى لا تُفِيد..
▪︎والواقِعُ هو يَفرِضُ كِيفيّةَ إدارةِ النّقاشِ مع الذّات، أثناءَ البحثِ عن حُلُولٍ لمَشاكِلَ ذاتيّةٍ مَطرُوحة..
الكيفيةُ هي تُوجّهُ الحوارَ الذاتِي إلى النّجاحِ أو الإخفَاق..

■ وعلى العُمُوم، لا أحَدَ مِنّا صَامِت!
كُلُّنا ناطِقُون.. أو صارِخُون..
وفي تَفاعُلٍ لا يَتَوَقّف..
وتَساؤُلاتٍ تبدَأُ وقد لا تَنتَهي..
▪︎وفي كُلّ الأحوال، ماذا فِينَا لا يُقَال؟
إنّنا لا نُخفِي شيئًا عن أَنفُسِنا.. مِرآةُ أَنفُسِنا واضِحَة.. كاشِفَة.. ولا سِرَّ منَ الذّاتِ إلى الذّات..
وحَياتُنا اليَوميّةُ ليسَت صامِتَة.. وما كانت صامِتة.. ومِحْوَرُها هو "الأَنَا الإنسانيّة": أنتَ وأنا ونحنُ جمِيعًا.. وكيفَ نعيشُ ونتَعايَشُ ونتَعاوَن.. وكيفَ نتبادَلُ الآراءَ والمَعلُومات..
وهكذا نحنُ اليوم، ونَكُونُ غدًا..
الطبِيعةُ البَشريةُ على هذا المِنوَال..
▪︎نحنُ كَما نَحنُ، لا كَما يُرادُ لنا..
ومِنَ القِيّمِ التي بها مُتشَبّثُون: أن نكُونَ أحرارًا.. نُحِبُّ ما نُحِبّ.. ونَكرَهُ ما نَكرَه.. وبكُلّ بسَاطَة.. وبِلا تَعقِيد.. ها نحنُ نَعيشُ البَساطَة، ونستَنشِقُ البَساطة، على أرضِنا التي نَعشِقُها، ومع الناسِ الذين نَتَواصلُ مَعهُم، وبصَوتٍ مُرتفِع، وبلاَ تعقِيد، ولا مُصطَلَحاتٍ خَشَبِيّة..
▪︎نحنُ في كُلّ الأحوَالِ هكَذا..
شَفّافُون.. ولا نُخفِي سِرًّا عن أنفُسِنا..
نقُولُ ما يُقال، وبِحُنجُرةٍ مَسمُوعة، وقلبٍ مفتُوح، وبكُلّ العِشقِ الذي نُكِنُّه لِمَن يَستَأهِلُون، وكُلِّ تَسامُحٍ مَع مَن نحنُ مُختَلِفون..
▪︎وفي العُمق، اختِلافاتُنا ما هي إلا آرَاءُ شَكليّة..
ونقُولُ (لا)، عِندما تكونُ اللاّءاتُ واجبًا..
و(نَعَم) عِندَما تكُونُ (نَعَم) هَواءَنا المُشتَرَك..
الأساسياتُ تَكْمُنُ في مُشتَرَكاتِنا، ولا اختِلافَ علَيها..
وفي الفَرْعِيّاتِ نَختَلِف، وبِرُوحٍ "رياضيّة"، وبالاحتِرامِ المُستَحَقِّ المُتبَادَل..
ولا عَيبَ في اختِلافاتِ الرّأي..
ونحنُ في الفُرُوعِ مُختَلِفُون، وفي الأساسيّاتِ تلتَقِي أيادِينا.. ونتَصَافَح.. ونتَعانَق.. وبِكُلّ احتِرامٍ لحقُوقِ الاختِلاف..
▪︎وهكذا نَحنُ مِن قَدِيم..
ما كُنّا نُسخَةً من بَعضِنا..
دائمًا نحنُ في الآراءِ مُتَنوّعُون..
وما كُنّا في خانةِ الرّأيِ مُتَرَاشِقين..
▪︎ألْوَانُنا شَتّى، وحَوْلَ الأساسيّاتِ مُلتَفُّون..
ولا أحَدَ فينَا نُسخةٌ مِنْ آخَر..
ودائمًا هكذا.. نُفكّرُ بصَوتٍ مُرتَفِع.. ونُناقِشُ حتى أنفُسَنا، وبِنفْسِ المُرتَفَعاتِ الصّوتِيّة..
▪︎ولَنا في الكَلامِ حُدُود..
وقِيّمٌ وأهدافٌ ورِسَالات..
ولا نَقبَلُ الاعتِباطيّات.. والعَشوائيّات.. والتّجاوُزات..
نَلتَزمُ بالانضِباطِ مع الذّات.. ومعَ الآخَر..

■ ويَا وَيلَ مَن يَخُونُ الأَمانَة!
الأَمانَةُ بَينَنا مِن أهمِّ مُشتَرَكاتِنا: العَيش، التّعايُش، الوَفاء، الاستِقرار، التّنميّة، العَدالة الاجتِماعيّة…
ولا نَقبَلُ مِنَ اللُّغاتِ إلاّ ما يُعِيدُنا إلى وَحدَةِ الصّفّ، وإلى السّلامِ الشّامِل، والبِناءِ المُشتَرَك..
▪︎ولا تنازُلَ عن مَجّانيةِ التّعليمِ العَصرِي، والصّحةِ العُمُوميّة، والحَقّ في الشُّغل، والتّساوِي في الحقُوقِ والواجِبات…
ونَرفُضُ، وبالصّوتِ المَسمُوع، أيَّ إجحافٍ في حقّ الوطَن..
▪︎ورافِضُون لأيّ نوعٍ من التّسيِيس..
نرفُضُ تّسْيِيسَ الجِذعِ المُشترَكِ لهذا الوَطَن: لا لتَسْيِيسِ الدّين، لا لتَسْيِيسِ التّعليم، لا لتَسْيِيسِ العُلوم.. لا لتَسْيِيسِ الفَقر.. وتَسيِيسِ ثرَواتِ البلَد.. ولا لتَسْيِيسِ التّسْيِيس…
▪︎والقَضايا التي تُنسَجُ حَوْلَها مَصالِحُ خاصّة، ومُشاحَناتٌ انتِهازيّة، نحنُ مُختلِفُون..
اختَلَفْنا وسَوْفَ نَختَلِف، حولَ كلّ ما يُفرّقُنا..
وكلِّ ما يُبعِدُنا عن وحدَةِ الصّفّ..
▪︎وما دامَ بينَنا حَقُّ الاختِلاف، نَبْقَى بَلدًا نابِضًا بالحَياة، قابِلاً للآخَر، وشَرِيكًا في النّقاشِ الوَطَنِي، حَولَ ما يَجمَعُنا، ومِن أجلِ إذابةِ الجليدِ حولَ ما يُفَرّقُنا، للعَمَلِ سَوِيّةً لتَجمِيعِ طاقاتِنا في اتّجاهِ هَدَفِنا المُشتَرَك: "المَصلَحة العامّة"!

■ ولا تَهُمُّ مُستَوَياتُ النّقاشِ الذّاتي والجَماعي.. في حياتِنا ما هو أهَمّ، وهذا ليسَ كلامًا، بل هو سُلُوك..
حياتُنا نُرِيدُها حُسنَ سُلُوك.. ونُرِيدُها جَودَةَ الفِعل، مِنْ جِيلٍ إلى جِيل.. ونَتَوارَثُها أخلاقياتٍ مُتَتاليّةً في أسمَى مَعانِي الانسِجام، بينَ السّلُوكِ والعَمَل…

  • في رُبُوعِ بِلادِنا الشّامِخةِ الفَعّالَة…
    [email protected]

هناك ما هو أهم من "ذباب الجزائر"!

لم تكن العلاقة بين المغرب والجزائر ممزقة كما هو حالها اليوم. عداء النظام الجزائري لكل ما هو مغربي وصل مداه. رئيس الدولة كلما أُتيحت له فرصة الحديث أمام وسائل الإعلام ...

استطلاع رأي

في رأيك، من هو أسوأ رئيس حكومة مغربية خلال السنوات الخمس والعشرين من حكم الملك محمد السادس؟

Loading...