مزارعون إسبان يطلقون حملة ضد اللحوم المغربية بداعي إصابتها بفيروس "اللسان الأزرق".. فهل "قطيع المملكة" مصاب بهذا الوباء؟

 مزارعون إسبان يطلقون حملة ضد اللحوم المغربية بداعي إصابتها بفيروس "اللسان الأزرق".. فهل "قطيع المملكة" مصاب بهذا الوباء؟
الصحيفة - خولة اجعيفري
الأربعاء 13 مارس 2024 - 21:00

استنكر مهنيو قطاع اللحوم الحمراء في المغرب، الحملة الإعلامية الممنهجة التي يقودها المزارعون الإسبان ضد المنتجات الفلاحية المغربية والتي امتدّت لبث إشاعات ومزاعم تدّعي إصابة القطيع المغربي بوباء اللسان الأزرق المتسبب في مرض مميت كان موضوع تحذير قبل أشهر من منظمة الصحة العالمية، وهو ما نفته مصادر حكومية بالمُطلق في حديثها لـ "الصحيفة"، مؤكّدة أن المصالح المختصة تبنّت إجراءات تشديدية منذ نونبر الماضي لإجراءات المراقبة على مستوى الاستيراد وحماية القطيع الوطني من خطر الإصابة.

وأطلق فلاحون وبياطرة إسبان حملة لمقاطعة اللحوم الحمراء المغربية، مرفقة بمطالب جدية لحكومة البلاد من أجل وقف عمليات الاستيراد، بسبب ما وصفوه بـ "تفشي مرض القطيع المغربي بمرض اللسان الأزرق فيروسي المميت"، معربين على لسان أطباء بيطريين وصفوا بالمختصين والخبراء في برنامج خاص تم بثه على منصات مواقع التواصل الاجتماعي و"يوتيوب"، عن تخوفهم من انتقال الفيروس إلى قطيع الأغنام الإسباني في حالة استيراد الأغنام المغربية إلى أرخبيل جزر الكناري ثم إلى باقي الاتحاد الأوروبي، وذلك في ظل ما وصفوه بـ "غياب الرقابة" على جميع أنواع المنتجات المصابة بالأمراض والفيروسات.

وظهر طبيب بيطري إسباني، في مقطع فيديو وهو يتحدث عن وباء اللسان الأزرق في الماشية المغربية، بما في ذلك توزيعه الجغرافي، وأنماطه الموسمية، والسلالات المحددة للفيروس السائد في المنطقة، مسلّطا الضوء على العلامات والأعراض السريرية لهذا المرض، مع التأكيد على ضرورة الكشف المبكر والتدخل السريع من طرف السلطات الإسبانية المعنية، وفي حديثه عن تدابير المكافحة الحالية التي تطبقها السلطات الإسبانية، مثل برامج التطعيم ومكافحة ناقلات الأمراض وبروتوكولات الأمن البيولوجي التي تهدف إلى التخفيف من انتشار المرض والحفاظ على صحة الماشية، شدّد الطبيب البيطري أيضا على أنه وعند استيراد هذه المواشي من المغرب، ستكون 30 في المائة من المواشي الإسبانية في خطر وأمام تهديد الإصابة بهذا الوباء، داعيا في هذا الإطار إلى ضرورة التصدي للتحديات التي يفرضها مرض اللسان الأزرق في المغرب.

وهذه المزاعم الإسبانية، استغربها مصدر في وزراة الفلاحة المغربية بالمُطلق في تصريح لـ "الصحيفة"، مؤكدا أنها تحمل في طياتها "جملة من المغالطات التي لا تسيء للقطاع الفلاحي المغربي وسلسلة اللحوم الحمراء، في ظل هذه الظرفية التي يعيشها تزامنا مع الحملة التي تستهدفه منذ أسابيع، لكنها أيضا تبُث الرعب في صفوف المستهلكين المغاربة وتمس السلامة العامة".

المصدر الحكومي ذاته، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته لأسباب مهنية، قال إن الحكومة اتخذت منذ شهر أكتوبر الماضي إجراءات صارمة تزامنا مع انتشار وباء اللسان الأزرق في عدد من الدول الأوروبية التي يستورد منها المغرب بما فيها إسبانيا، بحيث شدّد شروط المراقبة الصحية ومنح التراخيص خوفا من انتقال العدوى إلى القطيع الوطني وتفشيها، سيّما بعد تسجيل حالات معدودة على مستوى البقر المستورد من دول أجنبية في الأشهر الستة الأولى من 2023 والموجهة للذبح، خلال فترة الحجر الصحي الذي تخضع له المواشي في هذه الحالةإذ جرى عزلها والتعامل معها وفق الاجراءات الجاري بها العمل.

وكذب المصدر الحكومي ذاته، كل الأخبار الرائجة في الصحافة الإسبانية حول إصابة القطيع المغربي بوباء اللسان الأزرق، مشدّدا على أن "القطيع الوطني سليم كليا، فيما المراقبة جد صارمة على القطيع المستورد إذ يخضع للتحليلات والفحوصات اللازمة قبل نقله من طرف اللجنة المعنية والمعتمدة، حيث وعند بلوغه المغرب يتم من جديد إخضاعه للمراقبة والعزل في إطار حجر صحي إلى حين التحقق من سلامته الكلية دون أدنى ريبة".

وأشار المصدر ذاته، إلى دورية، كان قد عمّمها المدير العام للمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، على المدراء الإقليميين وحث فيها على ضرورة تطبيق إجراءات جديدة اعتبارا من 15 نونبر 2023، حفاظا على الوضع الصحي للقطيع الوطني مع ضمان استمرار عمليات استيراد الماشية، بحيث أشر على ما يرتبط بإصدار الموافقات الصحية الخاصة باستيراد الماشية، بالنسبة للبلدان التي أبرمت معها "أونسا" شهادات صحية نموذجية لاستيراد الماشية المعدة للذبح وتلك المخصصة للتسمين على غرار إسبانيا والبرازيل وغيرها.

وفيما يخص ذبح أبقار التسمين المستوردة خلال فترة الحجر الصحي بالمغرب، أشار المكتب في ذات الدورية، إلى أن المصالح البيطرية التابعة له هي التي ستتكلف بمنح التصاريح بذبحها شريطة أن تكون مصحوبة بوثيقة داعمة صادرة عن المصالح البيطرية، وتوجيهها فقط إلى المجازر الخاضعة للمراقبة.

وينتج مرض اللسان الأزرق عند المواشي، عن فيروس يسبب الحمى وتقرحات في الفم، وفي بعض الحالات يحول لسان الحيوان إلى اللون الأزرق، ويمكن أن يكون خطيرا جدا على الأغنام والأبقار، ووفق المنظمة العالمية للصحة الحيوانية، اللسان الأزرق هو مرض فيروسي قد يكون معديا، ينتقل عن طريق ناقلات الأمراض ويصيب المجترات البرية والمنزلية مثل الأغنام والماعز والأبقار والجاموس والغزلان ومعظم أنواع الظباء والجمال، فيما العدوى بفيروس اللسان الأزرق غير واضحة في الغالبية العظمى من الحيوانات ولكنها يمكن أن تسبب مرضا مميتا.

وينتقل هذا المرض عن طريق البعوض، ومن أهم أعراضه ارتفاع درجة الحرارة، والتهاب وتقرح وتآكل ونخر الغشاء المخاطي للفم، وزرقة في اللسان. ويمكن لهذا المرض أن يسبب الإجهاض كما يمكن أن يؤدي إلى النفوق في حدود 8 إلى 10 أيام أو الشفاء البطيء مصحوب بتساقط الصوف والعقم وتأخر النمو، وينتج عنه أضرار كبيرة وخسارة في إنتاج الحليب، وتلف في الصوف، وتأخر النمو، وانخفاض الخصوبة، وفقدان كبير في الوزن، ومن أعراضه الحمى ونزيف وتقرحات في أنسجة الفم والأنف، والإفراط في إفراز اللعاب وإفرازات الأنف، وتورم الشفتين واللسان والفك، والتهاب (فوق الحافر) والعرج، والإسهال والقيء والالتهاب الرئوي.

وظهر وباء اللسان الأزرق لأول مرة في المغرب في شتنبر 2004 في منطقة الغرب، قبل أن ينتشر بعد ذلك إلى أجزاء أخرى من البلاد، حيت تم خلال شهرين تسجيل 230 بؤرة موزعة على 14 إقليم، 1876 حالة دون أن يتجاوز معدل الوفيات 1.3٪، فيما وفي شتنبر من عام 2006، عاود المرض الظهور مرة أخرى و ذلك بشرق البلاد حيت أبرزت التحاليل المخبرية عن وجود عثرة جديدة للفيروس (العترة 1)، وتم تسجيل ما مجموعه 500 بؤرة لهذا المرض (2028 حالة و متوسط معدل وفيات قدره 0.75 ٪) وذلك في 19 إقليم.

وفي سنة 2007، اتسمت الحالة الوبائية على المستوى الوطني لهذا المرض بظروف مناخية ملائمة لتكاثر و إنتشار الحشرات الناقلة للفيروس مما أدى إلى انتشار واسع لبؤر هذا المرض على الصعيد الوطني، ففي هذه السنة، تم تسجيل 1076 بؤرة لهذا المرض موزعة على 43 إقليم.

وتعليقا على ما سبق، يرى المهنيّون المغاربة في قطاع اللحوم، أن المغرب أولى بقيادة هذه الحملة والارتياب من اللحوم والمواشي الإسبانية والأوروبية عموما، نظرا لواقع بروز حالات في عدد من دول القارة بما فيها فرنسا، الدانمارك سويسرا وغيرها خلال الشهور الأخيرة الماضية، وهو الذي يستقدمها من هذه الدول، في حين أن مواشيه بعيدة كل البعد عن الإصابة بهذا الوباء، وفق عبد العالي رامو، رئيس الجمعية الوطنية لبائعي اللحوم الحمراء بالمغرب.

رامو، وفي تصريح لـ "الصحيفة"، شدّد على أن قطيع المملكة غير مُصاب بتاتا بهذا الوباء في غياب أي أعراض جرى تسجيلها في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2024، وذلك خلافا لعدد من الدول الأوربية، بما فيها فرنسا التي باتت مصدرا للوباء، مضيفا: "منذ عشر سنوات لم يسبق أن سجّلنا إصابة في صفوف المواشي الوطنية، على الرغم من التخطيط الحكومي الفاشل في تدبير أزمة الجفاف، والتي يتكبّد عنائها اليوم مهنيو القطاع".

وبحسب، رئيس الجمعية الوطنية لبائعي اللحوم الحمراء بالمغرب فإن هذه الحملة التي تستهدف المنتجات الفلاحية والزراعية المغربية، يرجع مردّها إلى المنافسة الخانقة التي باتت تُشكّلها أمريكا اللاتينية على السوق الإسباني بعد أن كانت إلى حد وقت قريب تستحوذ على حصة الأسد من حجم الصادرات صوب المغرب، وبالتالي هذا طبيعي في إطار حفظ المصالح.

من جانبه، استنكر هشام جوابري الكاتب الجهوي لتجار اللحوم الحمراء بالجملة، في تصريح خص به "الصحيفة"، هذا "الاستهداف اللاأخلاقي" والموجه استثناء ضد المنتجات الفلاحية المغربية بما فيها قطاع اللحوم الحمراء، مستغربا خروج البياطرة الإسبان بتصريحات معادية ضد المواشي المغربية ومطالبتهم حكومة بيدرو سانشيز بمنع استيرادها، في حين أن العكس هو الصحيح.

وأوضح جوابري، بأن المغرب هو الذي يستورد بالأساس اللحوم الحمراء والمواشي من إسبانيا وليس العكس، وهي واحدة من المغالطات التي مرّرها المزارعون والبيطريون الإسبان في مقاطع الفيديو، موردا أنه حتى في حالة تبُث ثلوث هذه المواشي بوباء بعد بلوغها بر المملكة عبر طنجة فإن القانون يمنع إعادتها.

وتابع المتحدث متسائلا: "وكيف لنا أن نُصدر اللحوم والمواشي ونحن أساسا نعاني الخصاص التام في عدد الرؤوس بسبب الجفاف وسوء التدبير الحكومي وغلاء الأعلاف، كما أن الدولة عسّرت مهام استيراد المواشي وباتت تُطالب بتحاليل مدققة من بلاد المنشأ ما دفع عدد من الموردين إلى التراجع عن ذلك في ظل خارطة طريق حكومية فشلت في تدبير الأزمة وغياب الدعم وهو ما يفسر بلوغ الكيلوغرام الواحد من  الغنمي في سوق الجملة 107 درهما و78 للجملة بالنسبة للبقر، فيما المحلات التي تبيع بالتقسيط أكثر بالنظر لهامش الربح".

وتأتي هذه المستجدات، تزامنا مع مساعي المغرب إلى رفع إنتاجه اللحوم الحمراء إلى 850 ألف طن بحلول عام 2030، بعد أن قد ناهزت حوالي 600 ألف طن، باستهلاك يُقدر بـ17.2 كيلوغرام للفرد في السنة الماضية، فيما بلغ رقم المعاملات ما يقارب 27 مليار درهم، وسعت الدولة، في العقد الماضي، إلى دعم سلسلة اللحوم الحمراء بتوقيع عقدي برنامجين مع الفيدرالية المهنية للحوم الحمراء التي تمكنت من تجاوز الهدف من حيث الإنتاج ببلوغ 612 ألف طن في نهاية البرنامج الثاني.

ووعدت الدولة، في هذا الإطار بدعم المشاريع الخاصة بتوسيع وإحداث ضيعات التسمين، وتحديث وتطوير المجازر وإقامة المجازر الخاصة، وتنفيذ استراتيجية صورة العلامة التجارية للحوم الحمراء، والتنسيق مع القطاعات الوزارية لوضع خطة عمل لإنشاء وإعادة تهيئة المجازر البلدية.

تعليقات
جاري تحميل التعليقات

اذهبوا إلى الجحيم..!

لم تكن وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي الوحيدة التي تلاحقها تهم تضارب المصالح في علاقتها "المفترضة" مع الملياردير الأسترالي "أندرو فورست" التي فجرتها صحيفة "ذا أستراليان" وأعادت تأكيدها ...