مع وباء "كوفيد-19".. الإعلام الدولي يعيد ترتيب أولوياته وتشكيل قواعده المهنية

منذ بداية جائحة "كوفيد-19"، بدأ التهافث على وسائل الإعلام التقليدية، عبر العالم، من أجل تتبع آخر الأخبار والمستجدات، مما وضع "الميديا" في امتحان استعادة ثقة مفقودة، عند بعض الشعوب، فيما أطلق "الفيروس" رصاصة الرحمة بالنسبة للحامل الورقي، الذي كان يعاني قبلها من الموت البطيء.

تنوعت أساليب التغطية الصحافية، حيث ظهرت نماذج جديدة، تواكب الوضع السائر، فيما اجتهد البعض في تطوير المنتوج الإعلامي السمعي البصري كما الرقمي الالمتروني، في الوقت الذي تجند فيه الجسم الصحافي ومعه جل الدول في مواجهة "الأخبار الزائفة"

الصحافة واستعادة الثقة في عصر "كورونا"

أشار مقياس وسائل الإعلام السنوي الذي نشرته صحيفة "La Croix" الفرنسية، في يناير الماضي، أن 50 ٪ فقط من الفرنسيين يعتبرون أن البث الإذاعي على "الراديو" موثوق به، وهو مستوى منخفض تاريخيًا، فيما بلغت نسبة الثقة في التلفزيون 40٪. والثقة في وسائل الإعلام المطبوعة 46 بالمئة.

بعد أزمة الثقة التي أحدثت شرخا في العلاقة بين الإعلام والمتلقي، اعتبر الإعلام الفرنسي أن مرحلة وباء "كوفيد-19" اختبار جديدًا لقطاع الصحافة ولكنه أيضا فرصة للتواصل مع المواطنين ومعركة استعادة المبادرة والثقة في السلطة الرابعة.

وأجبرت "كورونا" أزيد من ثلث سكان العالم على الالتزام ب"الحجر الصحي"، مما جعل الجميع يرتكز في يومياته على الدعامات الإعلامية، كما أظهرت الأرقام والإحصائيات المنجزة  منذ بداية شهر مارس، حيث أن أكثر من 90٪ من الإيطاليين واليابانيين والكوريين يطالعون، مرة واحدة يوميًا، على الأخبار المتعلقة بالفيروس، كما أن أكثر من النصف، يتابعونها عدة مرات في اليوم، وفقًا لاستطلاع أجرته شركة Edelman في الفترة من 6 إلى 10 مارس.

عبر العالم، تعتبر اللحظة مهمة بالنسبة لوسائل الإعلام، فإذا كسرت الشبكات الاجتماعية احتكار وسائل الإعلام التقليدية للمعلومات، فإن الأخيرة تظل مركزية للتعرف على الفيروس وأخباره، حيث يواصل نصف الأمريكيين الثقة في وسائل الإعلام التقليدية، وأقل من ذلك بكثير للشبكات الاجتماعية، وفق دراسة أجراها معهد Ipsos في منتصف مارس.

الإعلام في مواجهة وباء "الأخبار المزيفة"..

تمارس العديد من الوسائط الإعلامية، بما في ذلك موقع "الصحيفة"، تدقيقًا يوميًا للمعلومات المتعلقة بالفيروس التاجي، يقول فران أنسورث، مدير الأخبار في القناة البريطانية العامة BBC، يوميا، عبر الهواء مباشرة "في سياق حالة الطوارئ الصحية العامة، فإن المعلومات الموثوقة والدقيقة أمر حيوية، ولهيئة الإذاعة البريطانية دور رئيسي تُؤديه".

من جهته، يقول ريكاردو كيرشباوم منكلارين، مدير تحرير الصحيفة اليومية الأرجنتينية الأكثر مبيعاً، إن القراء "يبحثون عن المزيد من التحليل والخدمات والمعلومات والشهادات"، حيث عرفت صحيفته ارتفاعا صاروخيا لزوار الدعامة الالكترونية، حيث يلجأ إليها القراء مباشرة ، دون المرور عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

في هذا الصدد، يضيف قائلا "إنهم يريدون أن يعرفوا ما يحدث في بلدان أخرى، مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، والتي نغطيها بمراسلينا".. الصحيفة، أطلقت بشكل استثنائي، نشرة إخبارية يومية من عشرين دقيقة بعنوان "كن إيجابيًا في المنزل" مع معلومات أساسية عن الوباء.

في المغرب، تجندت الدولة لمحاربة الـ "Fake News" المنتشرة خلال هذه الفترة من تفشي الوباء، خاصة عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تم اتخاد تدابير قانونية لمعاقبة الجناة، في حين التزمت الصحافة المهنية في تأدية رسالتها، وفق ميثاق مضبوط، يرتكز بالأساس على المصادر الحكومية الرسمية في نشر المعلومة المتعلقة ب"كوفيد-19".

بداية الأزمة.. حذر في التعاطي

قالت مارينا والكر من مركز "بوليتزر" ، وهي منظمة غير حكومية أمريكية لدعم الصحافة: "إن هذا ليس وقتًا جيدًا للسبق الصحافي.. للعمل كالمعتاد، إننا جميعا نواجه نفس العدو: لقد حان الوقت للوقوف معا والعمل بعمق، لإظهار أننا نكتب لقرائنا وليس للأجندات السياسية أو المصالح الاقتصادية".

 واعتبر عدة متتبعين أن التعاطي الإعلامي بحذر مع بداية انتشار "كوفيد-19" لم يخدم الصحافة، كما قال عالم وسائل الإعلام الإيطالي إدواردو نوفيلي، معتبرا أن العديد من وسائل الإعلام، أخطأت بالفعل بسبب البطء في بداية الأزمة في 14 مارس، قائلا في هذا الشأن  "تأثرت الصحف إلى حد كبير بحكومتها الوطنية، في ألمانيا أو فرنسا أو المملكة المتحدة، التي قللت من شأن الأزمة القادمة"

إبداع في التغطية مقابل موت الورقي..

ساهمت الأزمة الحالية في تسريع التحول إلى الاشتراكات الرقمية مقابل توقف طبع الصحف اليومية الورقية، ففي فرنسا مثلا، ومع دخول البلاد لمرحلة الحجر الصحي، انخفضت مبيعات كشك الصحف اليومية بنسبة 24 ٪، الاثنين 16 مارس، ليتضاعف الرقم في اليوم الموالي، وفقًا لموزع Presstalis.

 المؤرخ باتريك إيفينو، قال إن "الصحف ستهلك أو تتجمع ، كل هذا يتوقف على طول الظاهرة"، مردفا "لكن وسائل الإعلام التي تعتبر موثوقة ستستفيد من زيادة اشتراكاتها الرقمية"

على الصعيد الوطني، أضحى المواطن المغربي يستأنس، منذ أيام عن صدور قرار تعليق إصدار الجرائد الورقية، على استهلاكها طبعتها الرقمية، بصفة مجانية، بعد أن كانت العادة تتجسد في تصفحها على مستوى المقاهي، بالرغم أن أرقام المبيعات لا ترقى إلى ما هو منتظر.

وسط هذا المشهد، أصحى الإعلام الوطني كما الدولي، يبدع في صيغ نقل المعلومة، كما بدأ المنتظم الدولي في التعايش مع طبيعة الحدث، في مجموعة الدول العشرين حيث يتم اعتماد تقنية "Video Confernace" في عقد المؤتمرات عن بعد كما عند التلاميذ المغاربة، حيث تم اعتماد منهج التدريس عن بعد.

من جهتها، واكبت القنوات التلفزيونية الركب، حيث أن بعضها أضحى يبث نشرات الأخبار من منازل المقدمين الرئيسيين، كما هو حال "فوكس نيوز" الأمريكية أو "TF1" الفرنسية، فيما أضحى الاتصال عبر "السكايب" أو إجراء حوارات عبر جهاز اللاسلكي للعمارات، من بين الأجناس الصحافية التي غدت المشهد، في ظرف استثنائي يمر منه العالم.