"مغرب الأمس ليس هو مغرب اليوم".. لكن "آفة حارتنا النسيان"

كثيرة هي الأمور التي تُحكى عن المغرب بصيغة لا تخلو من مبالغة تجعلها أقرب إلى "البروباغاندا" منها إلى الحقيقة الملموسة، فيُصبح بالتالي من حق الناس الاختلاف بشأنها أو حتى التشكيك في صحتها، لكن قطعا ما تجنيه دبلوماسية الرباط من أرباح في السنوات الأخيرة، وخاصة حين يتعلق الأمر بالمضي نحو حسم ملف الصحراء لصالح طرح الوحدة الترابية للمملكة، لا يُمكن أن يكون محط انتقاص.

نعلم أن الكثير من المغاربة الذين يعيشون داخل حدود هذا البلد بلغوا مرحلة متقدمة من فقدان الثقة في مؤسسات الدولة، والحق أن لهذا ما يُبرره نتيجة تراكم عقود من الفشل والفساد وسوء التسيير والتدبير، لكن المطلوب اليوم ونحن نشاهد أن هناك محاولات لتحريك القطار إلى الأمام هو تسمية الأشياء بمسمياتها، أي أن لا نُجامل ولا نبخس، فقط أن نكون موضوعيين، وفي الدبلوماسية تحديدا يحتاج الأمر إلى مراجعة خفيفة لما تحقق في بضع سنوات، لنخرج على الأقل بنتيجة مفادها "فين كنا وفين ولينا".

في ماي الماضي، وفي الوقت الذي كان فيه المغرب يصارع على جبهتين في وقت واحد، مقررا خوض حرب دبلوماسية مع ألمانيا وإسبانيا معا، ردد وزير الخارجية ناصر بوريطة أن "مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس"، مخاطبا مدريد تحديدا بالقول "المغرب لا يقبل بازدواجية الخطاب والمواقف"، وبقدر ما اقتبس العديد من المغاربة هذه العبارة بفخر، بقدر ما وجدت لدى مجموعة من مواطنيهم تشكيكا بلغ حد السخرية، لأن الدبلوماسية المغربية، بشكل صريح، لم تُعَوِّدنا كثيرا على رفع السقف عاليا كما الآن.

ودعونا نؤكد لكم، من موقع المؤسسة الإعلامية التي تابعت وغطت عن كثب طيلة 10 أشهر الأزمة الصريحة بين الرباط ومدريد، أن معظم الإسبان من سياسيين ودبلوماسيين وصحافيين، ومنهم أشخاص في المحيط القريب لبيدرو سانشيز، كانوا يتقاطعون مع الفريق الثاني في قناعاته، وكانوا يرون أن المغرب لن يستطيع المضي قُدما في الصدام مع مدريد ومع ألمانيا في وقت واحد، البلدان اللذان لهما ثقلهما دوليا والمسنودان إلى جدار صلب اسمه الاتحاد الأوروبي، لدرجة أن الأمر تحول عندهم إلى سخرية وازدراء صريحَين.

لكن وقع المفاجأة تحول تدريجيا إلى صدمة، حين صار هؤلاء يتابعون كيف أن المغرب أضحى أكثر حنكة وأكثر حدة في لعب أوراق ضغطه، حتى اضطر سانشيز إلى إعفاء مدير ديوانه وأقرب رجال ثقته إيفان ريدوندو، وإلى إقالة وزيرة الخارجية أرانتشا غونزاليس لايا، لعله يطوق غضب المغرب من دخول زعيم جبهة "البوليساريو" الانفصالية، لكنه كل هذا لم يكن كافيا للرباط الذي استمر في معركته طويلة النفس، ورغم ذلك كانت فكرة الاعتراف بالحكم الذاتي حلا لملف الصحراء تبدو "مستحيلة" في ظل تحالف الحزب العمالي الاشتراكي مع "بوديموس" وأحزاب اليسار الراديكالي.

ولم يبدأ الإسبان في استيعاب التغيُّر الحاصل في الممارسة الدبلوماسية للمغرب إلا وهم يرون أن أول ما قامت به حكومة المستشار الألماني الجديد أولاف شولتز، الذي خلف المرأة الحديدية أنجيلا ميركل، كان هو إعلان المصالحة مع المغرب عن طريق تأييد صريح لمخطط الحكم الذاتي، لكن ذلك لم يخفف من حدة صدمتهم وهم يقرؤن إعلانا صادرا عن الديوان الملكي المغربي يوم 18 مارس 2022 يُعلن تبني سانشيز للطرح نفسه في رسالة للملك محمد السادس، وهو البلاغ الذي سيؤكد مضامينه فيما بعد وزير خارجية مدريد.

لذا فإن أي انتقاص من النتيجة النهائية لمسار المصالحة بين الرباط ومدريد، التي أثمرت الإعلان المشترك ليوم 7 أبريل 2022، الذي لم يحمل أي إشارة للتنازل في ملف سبتة ومليلية أو في قضية الحدود البحرية قُبالة جزر الكناري، لا يبدو موضوعيا ولا عقلانيا، ليس فقط لأن المغرب أخذ من إسبانيا ما أراد، ولكن أيضا لأن كل تفاصيل الصراع الدبلوماسي المغربي الإسباني تؤكد أن المغرب يعيش مرحلة جديدة من "صراع الندية" لم يكن البلد الإيبيري إلا محطة فيه، ويمكن وصفها بأنها مرحلة "التجلي الأكبر".

إن المتابعين لسير الأحداث سيعلمون أن المغرب دخل في مصارعة الأذرع مع الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2013 حين ألغى مناورات الأسد الإفريقي ردا على مقترح بإضافة مهمة مراقبة حقوق الإنسان لوظائف بعثة "المينورسو" في الصحراء، ثم مع فرنسا في 2014 حين أراد قضاؤها "ضبط وإحضار" المدير العام للأمن الوطني عبد اللطيف الحموشي من سفارة المغرب في باريس، وحتى مع السعودية والإمارات في 2017 حين اعتقد حكامها أن المغرب كبعض الدول الأخرى يمكن أن يُدار بجهاز تحكم عن بعد، قبل أن يأتي الدور على ألمانيا سنة 2021.

في خطابه يوم 20 غشت الماضي قال الملك محمد السادس "المغرب تغير فعلا، لكن ليس كما يريدون، إنه لا يقبل المس بمصالحه العليا، لكنه يحرص على إقامة علاقات فعالة ومتوازنة خاصة مع دول الجوار"، وهو أمر اقتنعت به إسبانيا بعد عناد طويل، وقبل رئيس حكومتها أن يحدث زلزال في أغلبيته على أن يدوم الخلاف باهضُ التكلفة مع الرباط، ورغم ذلك لم يكن هذا كافيا ليقنع العديد منا بأنهم كما يخجلون من سلبيات هذا الوطن ويهاجمونها فإن من حقهم ومن واجبهم أن ينعموا بأي خطوة إيجابية تعيد لنا جميعا الأمل في أن نسير على الدرب الصحيح في كل المجالات.

لكن "آفة حارتنا النسيان".. هكذا لخص نجيب محفوظ في رائعته "أولاد حارتنا" مشكلتنا، لأن حالة الإنكار التي يعيشها الكثير من المغاربة تجاه أي بارقة أمل قد تعيد لهذا الوطن هيبة دولة ممتدة في الزمن لأكثر من 12 قرنا، لا يمكن أن تُفسر إلى بنسيان مرضي يدفع العديد من بني وطننا إلى استصغار مثل هذه اللحظات التي تبني في العادة سُمعة دول أو تنتقص من أخرى.

الثلاثاء 18:00
غائم جزئي
C
°
22.41
الأربعاء
22.7
mostlycloudy
الخميس
22.58
mostlycloudy
الجمعة
23.49
mostlycloudy
السبت
23.78
mostlycloudy
الأحد
23.41
mostlycloudy