من التلويح بالحرب ضد المغرب إلى التعهد بعدم استعمال القوة مع "الجيران".. كيف فرضت الرباط توازن القوى عسكريا حتى غيّر النظام الجزائري من لهجته؟

 من التلويح بالحرب ضد المغرب إلى التعهد بعدم استعمال القوة مع "الجيران".. كيف فرضت الرباط توازن القوى عسكريا حتى غيّر النظام الجزائري من لهجته؟
الصحيفة – حمزة المتيوي
الأثنين 7 غشت 2023 - 22:10

بعد خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين لجلوسه على العرش، والذي جدد فيه التأكيد على أن المغرب لن يكون مصدرا لأي شر أو سوء تجاه الجزائر، ساد صمت شبه تام في وسائل الإعلام الجزائرية وخصوصا الرسمية والمقربة من النظام الحاكم، صوتٌ سيكسره الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون حين أقرّ بعدم وجود أي نيّة لدى بلاده للدخول في حرب مع أي من جيرانها.

ولم يكن تبون، في حواره قبل يومين مع وسائل الإعلام الجزائرية، يتحدث عن ملف العلاقات بين المغرب وبلاده، وإنما عن الأوضاع في النيجر، لكنه اختار بعناية استعمال عبارة "لن نستخدم القوة مع أي من جيراننا"، ليبدو وكأن الكلام موجه للرباط قبل الجميع، في سياق عنوانه الأساس الأزمة المُعقدة بين البلدين بسبب تطورات قضية الصحراء.

وقال تبون "لو كان هناك خطر سنواجهه، الجيش قوي وهو بالمرصاد لكل من يقترب من الحدود، ولكن بصفة عامة كل هذه الدول لدينا معها علاقات أخوية وعلاقات تبادل تجاري، فلن نُغلق الحدود الجزائرية مع كل محيطها، لذلك قلنا لن يكون هناك حل بدوننا لأننا المعنيون الأوائل"، ليتحدث ضمنيا، بذلك، ولأول مرة، عن الكلفة الكبيرة لإغلاق الحدود.

وأورد الرئيس الجزائري "التهديد بالهجوم من هنا وهناك غلط ولن أسايره، والجزائر منذ استقلالها إلى يومنا هذا لم تُرِق دم أي جار أو أخ، مبدئيا، ورفضنا التدخل في العراق واليمن وفي كل ما يجري في الدول الشقيقة والصديقة، قلتها مرارا في قضية مالي، لو كنا سنتدخل فقط من أجل تخفيف الوطأة الاقتصادية، ولن نتدخل عسكريا"، ليؤكد أن "الجزائر لن تستعمل القوة مع جيرانها، أبدا، مهما كانت الظروف".

سياسة "اللاعداء" من الملك

طبعت الحدة الخطاب الجزائري تجاه المغرب منذ وصول تبون إلى السلطة في نهاية 2019، وخصوصا بعد تقلد السعيد شنقريحة منصب رئيس أركان الجيش خلفا للراحل أحمد قايد صالح، والذي بلغ مرارا مرحلة التلويح بالحرب ضد المغرب، لكن على الجانب المغربي ظل الخطاب الرسمي أكثر اتزانا، واستمرت الخطب الملكية في سياسة اليد الممدودة تجاه الجيران الشرقيين.

ويبدو أن هذا الأمر واحد من الأسباب التي تفسر كلام تبون، فالملك محمد السادس استحضر الأمر خلال خطاب العرش الأخير قائلا "خلال الأشهر الأخيرة يتساءل العديد من الناس عن العلاقات بين المغرب والجزائر، وهي علاقات مستقرة، نتطلع لأن تكون أفضل"، وأتى كلام تبون ليؤكد معطى "الاستقرار" الذي تحدث عنه العاهل المغربي.

وتعبيرا عن استمراره في سياسة "اللاعداء" ونهج السعي إلى المصالحة، أضاف الملك "في هذا الصدد، نؤكد مرة أخرى، لإخواننا الجزائريين، قيادة وشعبا، أن المغرب لن يكون أبدا مصدر أي شر أو سوء، وكذا الأهمية البالغة، التي نوليها لروابط المحبة والصداقة والتبادل والتواصل بين شعبينا، وتابع "نسأل الله تعالى أن تعود الأمور إلى طبيعتها، ويتم فـتح الحدود بين بلدينا وشعبينا، الجارين الشقيقين".

وإذا كان ما صدر عن تبون يمثل تغيرا واضحا في لهجته تجاه المغرب، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة للملك ممحمد السادس، ففي خطاب العرش سنة 2021 مثلا قال الملك "أؤكد هنا لأشقائنا في الجزائر بأن الشر والمشاكل لن تأتيكم أبدا من المغرب، كما لن یأتيكم منه أي خطر أو تهديد لأن ما يمسكم يمسنا، وما يصيبكم يضرنا، لذلك، نعتبر أن أمن الجزائر واستقرارها، وطمأنينة شعبها، من أمن المغرب واستقراره".

ويبرز التغير في لهجة تبون بالعودة إلى ما صدر عنه سابقا بخصوص العلاقة مع المغرب"، ففي حوار مع مجلة "لوبوان" الفرنسية نُشر في ماي من سنة 2021، تحدث عن استعداد بلاده "للانتقام" في حال ما تعرضت "لأي هجوم" من طرف جيرانها الغربيين، بل إنه قال، في حوار مع شبكة "الجزيرة" القطرية شهر مارس الماضي إن العلاقة بين الجزائر والمغرب وصلت إلى "نقطة اللاعودة".

إسرائيل في الجوار

والملاحظ أيضا أن تغير لهجة تبون يأتي في أعقاب عودة الدينامية للعلاقات المغربية الإسرائيلية، التي كانت قد دخلت في مرحلة من الفتور منذ نهاية 2022، تاريخ عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الوزراء بتحالف مع أحزاب اليمين الديني المتطرف، إذ في 17 يوليوز الماضي أعلن الديوان الملكي عن توصل العاهل المغربي برسالة من نتنياهو تتضمن اعتراف بلاده بالسيادة المغربية على الصحراء.

وتزامن ذلك مع تعيين إسرائيل، لأول مرة، ملحقا عسكريا لها لدى تمثيليتها الدبلوماسية في الرباط، ويتعلق الأمر بالعميد شارون إيتاح، وذلك من أجل الرفع من وتيرة التعاون الدفاعي بين البلدين اللذان تربطهما منذ نونبر 2021 اتفاقية للتعاون الأمني والعسكري المشترك، هي الأولى من نوعها بين الدولة العبرية وبلد عربي.

وقبل ذلك كان مستشار الأمن القومي الإسرائيلي، تساحي هنغبي، قد زار المغرب والتقى بوزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، تزامنا مع إجراء مناورات "الأسد الإفريقي" بالعديد من مدن المملكة، بما في ذلك منطقة المحبس في الصحراء والقريبة من الحدود الجزائرية، بمشاركة 12 عنصرا من لواء غولاني لجنود النخبة الإسرائيليين.

ولا تنظر الجزائر بعين الرضا للعلاقات المغربية الإسرائيلية، لدرجة أنها وضعتها ضمن الأسباب الرئيسية لإعلان قطع العلاقات الدبلوماسية مع الرباط سنة 2021، لكنها أيضا تتفادى أي احتكاك عسكري مع الإسرائيليين، وهو ما برز في أكتوبر من السنة نفسها، حين سارعت وزارة الدفاع الجزائرية، التي يوجد على رأسها تبون وينوب عنه فيها شنقريحة، إلى نفي أي مواجهة بين الجيشين بحرا.

وحينها تداولت وسائل إعلام جزائرية على نطاق واسع، إشاعة مفادها أن القوات البحرية الجزائرية تصدت لغواصة إسرائيلية اقتحمت مياهها الإقليمية، لترد وزارة الدفاع بأنها "تكذب بصفة قطعية مجمل هذه الأخبار التي تداولتها هذه الوسائل الإعلامية"، موردة أن الأمر يتعلق بتمارين عسكرية بحرية لم يُسجل خلالها أي حادث.

وأصبحت إسرائيل، منذ عودة العلاقات الدبلوماسية سنة 2020، أحد أهم مزودي المغرب بالأسلحة والمعدات العسكرية النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيرة عن بُعد التي يعتمد عليها المغرب للتصدي لأي محاولة من مسلحي جبهة "البوليساريو" لاقتحام المنطقة العازلة في الصحراء، وكانت راجمات صواريخ "بولس" آخر تلك الأسلحة التي توصلت بها الرباط من تل أبيب.

تراجع الأسلحة الروسية

إذا كان المغرب قد رفع من وتيرة تسليح جيشه كمًّا ونوعا خلال السنوات الماضية، فإن الجزائر تلقت ضربة على هذا المستوى سنة 2022، بسبب تراجع صادرات روسيا من الأسلحة إلى مختلف دول العالم، بسبب حاجتها إليها في ظل استمرار حربها مع أوكرانيا، علما أن الجيش الجزائري لا زال يعتمد على موسكو بالدرجة الأولى في استيراد المعدات الدفاعية.

وفي مارس الماضي كشف معهد ستوكهولم لأبحاث السلام أن صادرات روسيا من الأسلحة تراجعت خلال الفترة ما بين 2018 و2022 بنسبة 31 في المائة، وأنه خلال العام الماضي مثلت حصة الروس من سوق الأسلحة العالمي نسبة 16 في المائة بعدما كانت 22 في المائة خلال سنة 2021، علما أن 12 في المائة فقط من إجمالي تلك الأسلحة ذهبت إلى البلدان الإفريقية.

وحسب تقرير المعهد، فإن واردات الجزائر من الأسلحة تأتي أساسا من روسيا بنسبة 73 في المائة، مقابل 10 في المائة من ألمانيا و5,2 في المائة من الصين، ومع إنفاقها 9 مليارات دولار على التسلح العام الماضي، فإن واردات السلاح الجزائرية خلال الفترة ما بين 2018 و2022 تراجعت بـ58 في المائة، مع أنها ثالث زبون للروس بعد الهند والصين.

وفي ماي الماضي وصف تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" ، صادرات السلاح الروسية بأنها "من ضحايا الحرب"، نتيجة تراجعها الحاد، بعدما كانت تقارع الصادرات الأمريكية من حيث الحاجم سنة 2011، لتتراجع بنسبة 70 في المائة سنة 2022 مقارنة بتلك الفترة، مع الاعتماد أساسا في الوقت الراهن على مبيعاتها للصين والهند أكثر من أي بلد آخر.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فرغم وجود اتفاقات ضخمة بين الجزائر وروسيا لاستيراد الأسلحة، تبقى الجدوى من ذلك محط علامات استفهام كثيرة، لأن المنظومة الهجومية والدفاعية لموسكو تعيش حاليا امتحانا عصيبا في روسيا، التي تأتيها الأسلحة من الدول الغربية، وخاصة الأمريكية والألمانية منها، وبعدما كان "الكرملين" يتوقع انتهاء الحرب في أسابيع انتقل الجيش الأوكراني من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم على المناطق التي انفصلت في شرق البلاد وأعلن الرئيس فلاديمير بوتين ضمها إلى حدود بلاده.

السيد فوزي لقجع.. السُلطة المُطلقة مفسدة مُطلقة!

بتاريخ 3 مارس الماضي، كشف منسق ملف الترشيح المشترك لإسبانيا والبرتغال والمغرب لكأس العالم 2030 أنطونيو لارانغو أن لشبونة لن تستضيف المباراة النهائية للمونديال. وأثناء تقديم شعار البطولة وسفرائها، أكد ...