من حرب على مقعد في "الفيفا" إلى مسعىً لإشعال حرب دبلوماسية بين بَلدين.. القصة الكاملة للدوافع الانتقامية وراء صراع الاتحاد السنغالي مع المغرب
في الوقت الذي تتداول فيه الكونفيدرالية الإفريقية لكرة القدم "الكاف" حول مصير العقوبات على المنتخب السنغالي، بعد الأحداث التي رافقت نهائي كأس أمم إفريقيا على أرضية ملعب الأمير "مولاي عبد الله" بالرباط، اختار رئيس الاتحاد المحلي عبدولاي فال استباق العقوبات المتوقعة عبر رمي "كرة النار" في ملعب المنظمة القارية، واتهام المغرب رأسا بالتحكم في القرارات داخلها.
وإذا كانت أحداث النهائي، وخصوصا قرار منتخب "أسود التيرانغا" الانسحاب من المباراة في دقائقها الأخيرة، والذي دام 14 دقيقية، وما رافق ذلك من أعمال شغب في المدرجات من طرف الجماهير السينغالية، قد تحولت إلى "الملف الأول" على طاولة "الكاف" بمراقبة من طرف الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا"، فإن فال قرر تحويل الأمر إلى صراع بين دولتين.
لكن، تدريجيا، أصبحت الصورة تتضح أكثر، فمُغامرة فال بالعلاقات الثنائية بين المغرب والسنغال، وإصراره على وضع الرباط في خانة "المتآمرين" على المنتخب الوطني لبلاده، رغم التوجه المناقض لذلك من طرف الرئيس بصيرو ديوماي فاي وحكومته، تقف وراءها رغبة دفينة في "الانتقام" من رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم فوزي لقجع.
الأمر، في حقيقته، لم يبدأ كأزمة داخل رقعة الملعب خلال مباراة النهائي يوم 18 يناير 2026، ولا حتى أزمة بلاغ الاتحاد السنغالي التي رافقت انتقال بعثة المنتخب من طنجة إلى الرباط، بل يعود إلى تاريخ مارس من سنة 2025، حين أسقطت التحالفات الانتخابية داخل "الكاف" عن ممثل السنغال عضوية "الفيفا"، ومنذ ذلك التاريخ أضحى الأمر يتعلق بـ"ثأر شخصي"،
بالعودة إلى ما أفرزته الجمعية العمومية لـ"الكاف" المنعقدة في القاهرة، نجد أنه بالإضافة إلى رئيس "الكاف"، الجنوب إفريقي باتريس موتسيبي، الذي ضمن مقعد نائب رئيس "الفيفا" بالصفة، أصبح المغربي فوزي لقجع والموريتاني أحمد ولد يحيا والمصري هاني أبو ريدة والجيبوتي سليمان وبري والقُمرية كنزات إبراهيم، أعضاء في المكتب التنفيذي للاتحاد الدولي لكرة القدم.
ضمن سباق المرشحين نجد أوغوستين إيمانويل سنغور، الذي كان حينها رئيس الاتحاد السنغالي لكرة القدم، لكنه تلقى ضربة موجعة خلال هذه المحطة، حيث انتبه إلى أن جميع المقاعد الخمسة التي حُسمت بالتصويت ذهبت لأشخاص يحملون جنسيات دول تنتمي لجامعة الدول العربية، وهو ما دفعه لنسج قصة "المؤامرة العربية العنصرية".
سنغور، الذي كان يسعى لخلق تحالف من رؤساء اتحادات دول غرب إفريقيا يدعم عضويته في المكتب التنفيذي لـ"الكاف" و"الفيفا"، وجد أن لقجع اختار دعم الموريتاني ولد يحيا، لذلك خرج بتصريحات مثيرة للجدل، متهما "عرب إفريقيا" بـ"العنصرية"، وخص بذلك لقجع بالدرجة الأولى، قائلا "ما فعله المغرب أمر مُعادٍ للسنغال، البلد الشريك له".
سنغور سيتلقى ضربة أخرى بعد ذلك بفترة وجيزة، وتحديدا في غشت من سنة 2025، حين ستنتهي رئاسته للاتحاد السنغالي التي امتدت لـ16 عاما، حين سيغادر السباق الانتخابي منذ الدور الأول بعدما حل ثالثا بـ92 صوتا، أمام مادي توري الثاني بـ116 صوتا، وعبولاي فال الذي حصل على 301 صوتا، لكنه سيدخل في تحالف مع هذا الأخير لضمان فوزه في الجولة الثانية.
وبالفعل، فاز عبدولاي فال بالجولة الثانية، بعد استحقاقات شابتها الكثير من الشبهات بوجود رشاوى وتبادل مصالح تحت الطاولة، لدرجة أن منافسه توري طعن في نتائجها بشكل رسمي بتهمة "شراء الأصوات"، خصوصا بعدما نزل تعداد المصوتين له من 116 إلى 30 فقط في الجولة الثانية.
فال سيحمل معه التوجس من القجع، وقناعات سلفه بأنه الشخص المتحكِّم في دواليب "الكاف"، وقرر أن يتخذ كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب منصة للهجوم عليه، وذهب بعيدا في تصريحاته لدرجة الحديث عن أن "المغرب يسيطر على الكاف"، وتصوير نفسه على أنه الشخص القادر على الوقوف في وجه الرباط.
وسعى فال إلى نقل الصراع إلى مستوى مواجهة دولة لدولة، حين قال في اتهامات خطيرة "المغرب يسيطر على كل شيء ويقرر في كل شيء"، وأضاف "لم يتصور المغرب أن منتخبا آخر قادر على منعه من التتويج باللقب، لم تعارض أي دولة أخرى المغرب كما فعلت السنغال".
لكن هذه الاتهامات لا تنفصل أيضا عن سياق شديد الدقة، فالاتحاد السنغالي ينتظر ما سيصدر لجنة الانضباط داخل "الكاف" بخصوص أحداث نهائي "الكان"، وهي اللجنة التي لا تضم في عضويتها أي شخص من الجنسية المغربية، وستستمع غدا الثلاثاء للطرف السنغالي بعدما وافقت على طلبه تأجيل الجلسة التي كانت مقررة اليوم الاثنين.
ومن المنتظر ألا تتأخر القرارات النهائية عن نهاية الأسبوع الجاري، خصوصا وأن القضية موضوعة تحت مجهر "الفيفا"، التي صرح رئيسها، جياني إينفانتينو، بعد ساعات من الأحداث قائلا "ندين بشدة سلوك بعض اللاعبين السنغاليين وأفراد الجهاز الفني"، وتابع "من غير المقبول مغادرة الملعب بهذا الشكل، ولا يمكن بأي حال من الأحوال التسامح مع العنف في رياضتنا، فهو أمر مرفوض تماما".
إينفانتينو الذي كان حاضرا لمتابعة النهائي أورد أن "المشاهد المؤسفة" التي شاهدها "يجب أن تُدان وألا تتكرر أبدا"، داعيا "الهيئات التأديبية المختصة في الاتحاد الإفريقي لكرة القدم" إلى اتخاذ "الإجراءات المناسبة"، وهو ما فُسر على أن مشاركة مدرب ولاعبي المنتخب السنغالي في مونديال 2026 أصبحت على المحك، ناهيك عن عقوبات ستطال الاتحاد المحلي.




