هل تصبح جائحة "كورونا" مناسبة لـ "نقد ذَاتي" وإعادة تشكيل بنية الدولة؟

 هل تصبح جائحة "كورونا" مناسبة لـ "نقد ذَاتي" وإعادة تشكيل بنية الدولة؟
الصحيفة - حمزة المتيوي
الخميس 2 أبريل 2020 - 22:15

الملك يعلن عن إحداث صندوق لمواجهة جائحة كورونا، فيسارع العديد من أثرياء المملكة والمؤسسات الاقتصادية الكبرى إلى التبرع جنبا إلى جنب مع البرلمانيين وأعضاء الحكومة وجهازي الجيش والشرطة وسائر المواطنين..

وزير الداخلية يتحدث بنبرة "عاطفية" مع البرلمانيين، وعبر شاشات التلفزيون يؤكد للمواطنين "أننا في مركب واحد"، ووسط الشوارع والأزقة ينتشر رجال السلطة وعناصر الأمن وإلى جانبهم تسير مدرعات الجيش في محاولة لفرض حالة الطوارئ الصحية، ليستقبلهم المواطنون بالتحية والتصفيق..

ملايين المغاربة ينخرطون في حملات تطوعية لمساعدة الأشخاص الذين فقدوا مورد رزقهم ولدعم التلاميذ المنقطعين اضطرارا عن مدارسهم، وآخرون يدعون إلى نبذ الشائعات والأخبار الكاذبة، وإلى الاعتماد على المصادر الرسمية والمنابر الإعلامية المهنية ويحثون على الثقة في معطيات وزارة الصحة..

كلها وغيرها مشاهد تشي بأن المغرب يمر بمرحلة نادرة التكرار من الوئام والثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ما يدفع إلى التساؤل بإلحاح: هل يمكن تكون "جائحة كورونا" فرصة ذهبية للمصالحة؟

نقد ذاتي

وأعادت هذه الجائحة بقوة إلى الأذهان حاجة المغرب إلى إعطاء الأولوية للقطاعات الاجتماعية خاصة قطاع الصحة الذي برز الخصاص الكبير الذي يعانيه من خلال الحاجة الملحة لمزيد من أجهزة الإنعاش والمختبرات المعتمدة، حتى إن كثيرين استعادوا مشهد رفض مجلس النواب المغربي لمقترح فيدرالية اليسار الديموقراطي برفع ميزانية قطاعي التعليم والصحة، ليتم الآن اللجوء لصندوق تدبير الجائحة لتغطية نفقات المعدات الجديدة التي تحتاجها المستشفيات.

وفي هذا الصدد يقول العباس الوردي، أستاذ القانون العام بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط إن الفترة الراهنة فرصة لممارسة "النقد الذاتي" في جميع دول العالم ومن بينها المغرب، موردا أن الدولة أيقنت الآن أنه "لا مناص من الاهتمام بثلاثة قطاعات أساسية، هي التعليم والصحة والتشغيل، التي تمثل ثالوث التنمية".

وتابع الأستاذ الجامعي أن العالم لم يعد يواجه حاليا الحروب التقليدية فقط، بل أيضا "الحروب البيولوجية على غرار فيروس كورونا المستجد"، ما يفرض القيام بمراجعة الذات وإعادة تقييم الأوضاع وبناء المؤسسات من جديد، معتبرا أنه لم يعد هناك مفر من "الرجوع إلى مجموعة من آليات النمط الاشتراكي، ليست الاقتصادية منها وإنما الاجتماعية".

وأورد الوردي أن الدولة المغربية خلال هذه الظرفية بدأت تنتبه إلى أدوارها الاجتماعية، مشيرا إلى أنها أخذت على عاتقها تعويض المتوقفين عن العمل "وهو أمر جديد بالمغرب يمكن أن يخلق مستويات جديدة من التفاعل بين الدولة والمواطن، من خلال آليات تسمح مستقبلا بمواكبة فاقدي الشغل، يشترك فيها القطاع العام والقطاع الخاص والأشخاص الذاتيون".

صف واحد

ومكنت الظرفية الحالية أيضا من خلق لحمة غير مسبوقة بين المواطنين والمؤسسات الدستورية والاقتصادية والمالية، وهو ما اتضح من خلال إحداث الملك لصندوق تدبير جائحة كورونا الذي كان الهدف منه هو جمع 10 ملايير ردهم، لكن خلال الأسبوع الأول تمكن من تجاوز سقف 23 مليار درهم، سيذهب ملياران منها لاقتناء معدات وأجهزة طبية، فيما سيخصص جزء آخر منه لمنح مساعدات للأسر التي فقدت مورد رزقها بسبب الإجراءات الاحترازية.

ويرى الأستاذ الجامعي العباس الوردي، أن المغرب أضحى اليوم أمام وضعية جديدة قوامها التضامن الاجتماعي المبني على منظومة ثلاثية الأبعاد قوامها المؤسسات العمومية والقطاع الخاص والمواطنون، مضيفا "لقد صرنا نرى أن شركات كبرى وأبناكا وفلاحين كبارا وأثرياء يبادرون للمساهمة، وهو أمر كان غائبا عن المغرب"، مضيفا "آلية التضامن أثبتت نجاعتها في أيام قليلة، خاصة وأنها محدثة من طرف الملك، الأمر الذي أثبت وجود لحمة بين العرش والشعب".

وحسب الوردي، فإن من إيجابيات الأزمة الراهنة إظهارها لـ"الحس المواطناتي" للمغاربة، الذي يبرز من خلال ارتفاع نسبة الوعي والاحترام الكبير جدا لحالة الطوارئ الصحية بدرجة لا توجد حتى في العديد من الدول الأوروبية، موردا أنه يجب ربط الأمر أيضا بـالنموذج التنموي الجديد، ما يعني أن الدولة منخرطة مسبقا في بناء المؤسسات على أساس إعادة الاعتبار للجانب الاجتماعي وبناء اقتصاديات قادرة على مواكبة طموح المجتمع".

ويرى أستاذ القانون العام أن كل ذلك سيكون مدعوما بعوامل اقتصادية تصب لصالح المغرب، كونه يقع في منطقة شمال إفريقيا الأقل تضررا من الجائحة، وأيضا "لأننا أمام إعادة ترتيب الوضع الاقتصادي على المستوى الدولي، خاصة مع التقهقر الأوروبي والمعاناة الأمريكية وتعافي الصين والتنينات السبع الأسيوية"، متوقعا تحقيق المغرب مستقبلا لتقدم ملموس على مستوى ميزان الأداء الاقتصادي والاجتماعي، "خاصة مع انخراط المواطن في هذا المسلسل بشكل مباشر من خلال اختيار كفاءات لتدبير أمورهم".

أما على المستوى السياسي، فيشير الوردي إلى أن تغييرات كبيرة قد تحدث في الأفق "إذ إن التغيير لا مناص عنه للاستمرار في بناء دولة الحق والقانون، فالمواطن بعد هذه التجربة لن يقبل بالوجوه السياسية المستهلكة، وسيلح في المطالبة بالبرامج وبالنتائج، كما سيكون قادرا على القيام بالتقييم المناسب".

ملفات شائكة

غير أنه في المقابل، لا زال المغاربة ينتظرون مدى تأثير هذه الفترة في حلحلة العديد من الملفات الشائكة، خاصة المتعلقة بسجناء حراك الريف وأيضا العديد من الحقوقيين والصحافيين الذين يصنفون في خانة "معتقلي الرأي"، هؤلاء أبدى العديد منهم من داخل سجونهم دعمهم لمجهودات الدولة في مواجهة الوباء، حتى إن منهم من تبرعوا لفائدة صندوق التصدي للجائحة.

وفي ظل الأنباء المتناسلة حول إمكانية صدور عفو ملكي لفائدة هؤلاء الأشخاص، كخطوة نحو طي تلك الملفات بشكل نهائي، أوضح العباس الوردي أن "العفو مسألة لا يمكن التكهن بها، كونها موكولة لشخص الملك بنص الوثيقة الدستورية، لكنه لن يكون أمرا غريبا كونه شمل في وقت سابق العديد من الأشخاص بمن فيهم متورطون في قضايا الإرهاب".

وحسب الوردي فإن "الملك في المغرب أبٌ لجميع المواطنين، وحاليا هناك توصية صادرة من الأمم المتحدة بتخفيف تعداد نزلاء المؤسسات السجنية، لذلك فإن العفو أمر وتوقع بالنسبة للمرضى والحوامل والشيوخ وأرباب الأسر، ولن يكون مستغربا أن يشمل الأمر أشخاصا حوكموا في قضايا أخرى، خاصة وأن الفترة الراهنة قد تُستتبع بالعديد من التغيرات على المستوى السياسي".

هناك ما هو أهم من "ذباب الجزائر"!

لم تكن العلاقة بين المغرب والجزائر ممزقة كما هو حالها اليوم. عداء النظام الجزائري لكل ما هو مغربي وصل مداه. رئيس الدولة كلما أُتيحت له فرصة الحديث أمام وسائل الإعلام ...

استطلاع رأي

في رأيك، من هو أسوأ رئيس حكومة مغربية خلال السنوات الخمس والعشرين من حكم الملك محمد السادس؟

Loading...